Essay · Austrian School · 1978

الليبرالية

Reading time
55 min
Published
1978
Summary

يتتبع Hayek التاريخ الفكري لليبرالية بوصفها توتراً بين تقليدين متمايزين. فالتقليد الإنجليزي التطوري نشأ من فكر الـ Whigs، وقام على سيادة القانون، والحكومة المحدودة، والنظام العفوي للمجتمع الحر. أما التقليد القاري البنائي فنشأ من عقلانية الثورة الفرنسية، ومال، عبر السيادة الشعبية والمطالبة بنظام مصمم عمداً، نحو سلطة غير محدودة للأغلبية. وبعد مسح تاريخي يمتد من الجذور الكلاسيكية والوسيطة إلى انحسار الحركة بعد 1914، يطور القسم المنهجي التصورات الليبرالية للحرية والقانون والعدالة والمساواة والديمقراطية، ويحدد الوظائف الخدمية الصحيحة للحكومة. وقد كُتب هذا النص عام 1973 من أجل Enciclopedia del Novecento، وهو صيغة Hayek اللاحقة الموسعة إلى حد كبير: معالجة أوفى ومستقلة، لا ترجمة لمقاله الموسوعي الألماني الأقصر الصادر عام 1959 ("Liberalismus").

مقدمة

كُتب عام 1973 من أجل الموسوعة الإيطالية Enciclopedia del Novecento حيث ستظهر المقالة في ترجمة إيطالية في الوقت ذاته تقريبًا الذي يصدر فيه هذا الكتاب.

1. المفاهيم المختلفة لليبرالية

يُستعمل المصطلح اليوم بمعانٍ متنوعة لا يجمع بينها إلا القليل سوى وصفها انفتاحًا على الأفكار الجديدة، بما في ذلك بعض المعاني التي تتعارض مباشرةً مع تلك التي كان يدل عليها المصطلح أصلًا خلال القرن التاسع عشر والأجزاء الأولى من القرن العشرين. وما سيُنظر فيه هنا وحده هو ذلك التيار الواسع من المُثُل السياسية الذي عمل خلال تلك الحقبة، تحت اسم الليبرالية، بوصفه واحدةً من أكثر القوى الفكرية تأثيرًا في توجيه التطورات في غرب أوروبا ووسطها. غير أن هذه الحركة تنبع من مصدرين متمايزين، والتقليدان اللذان نشآ عنهما، وإن كانا قد امتزجا عمومًا بدرجات متفاوتة، لم يتعايشا إلا في شراكة غير مستقرة، ولا بد من التمييز بينهما بوضوح إذا أُريد فهم تطور الحركة الليبرالية.

يعود أحد التقليدين، وهو أقدم بكثير من اسم ’الليبرالية‘، إلى العصور القديمة الكلاسيكية، وقد اتخذ صورته الحديثة خلال أواخر القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر بوصفه المذاهب السياسية لحزب الويغ الإنجليزي. وقد قدّم نموذج المؤسسات السياسية التي اتبعتها معظم الليبرالية الأوروبية في القرن التاسع عشر. فقد كانت الحرية الفردية التي ضمنتها ’الحكومة الخاضعة للقانون‘ لمواطني بريطانيا العظمى هي ما ألهم حركة الحرية في بلدان القارة التي كان الحكم المطلق قد قضى فيها على معظم الحريات القروسطية التي حُفظت إلى حدٍّ كبير في بريطانيا. غير أن هذه المؤسسات فُسِّرت في القارة في ضوء تقليد فلسفي مختلف جدًّا عن التصورات التطورية السائدة في بريطانيا، أي في ضوء رؤية عقلانية أو بنائية كانت تطالب بإعادة بناءٍ متعمَّدة للمجتمع برمّته وفقًا لمبادئ العقل. وقد انبثق هذا المنهج من الفلسفة العقلانية الجديدة التي طوّرها قبل كل أحد René Descartes (ولكن أيضًا Thomas Hobbes في بريطانيا)، واكتسب أعظم نفوذه في القرن الثامن عشر عبر فلاسفة التنوير الفرنسي. وقد كان Voltaire وJ.-J. Rousseau أكثر شخصيتين تأثيرًا في الحركة الفكرية التي بلغت ذروتها في الثورة الفرنسية والتي يستمد منها النمط القاري أو البنائي من الليبرالية. ولم يكن جوهر هذه الحركة، خلافًا للتقليد البريطاني، مذهبًا سياسيًّا محدَّدًا بقدر ما كان موقفًا ذهنيًّا عامًّا، أي مطالبةً بالتحرر من كل تحيّز ومن كل معتقد لا يمكن تبريره عقلانيًّا، وبالخلاص من سلطة ’الكهنة والملوك‘. ولعل خير تعبير عنها هو قول B. de Spinoza إن ’الإنسان الحر هو من يحيا وفقًا لإملاءات العقل وحده‘.

كان هذان الخيطان من الفكر، اللذان قدّما المكوّنين الرئيسيين لما صار يُسمّى في القرن التاسع عشر بالليبرالية، متفقين بقدرٍ كافٍ على بضع مسلَّمات جوهرية، كحرية الفكر والكلام والصحافة، بما يكفي لإنشاء معارضة مشتركة للآراء المحافظة والسلطوية، ومن ثمّ للظهور بوصفهما جزءًا من حركة واحدة. وكان معظم أنصار الليبرالية يُقرّون أيضًا بالإيمان بحرية الفعل الفردي وبضربٍ ما من المساواة بين جميع البشر، لكن الفحص الأدق يُظهر أن هذا الاتفاق كان لفظيًّا في جزء منه فحسب، لأن المصطلحين المفتاحيين ’الحرية‘ و’المساواة‘ كانا يُستعملان بمعانٍ مختلفة بعض الشيء. ففي حين كانت حرية الفرد، بمعنى الحماية بالقانون من كل إكراهٍ تعسفي، هي القيمة الكبرى لدى التقليد البريطاني الأقدم، احتلّت المطالبة بتقرير كل جماعة لمصيرها فيما يخص شكل حكمها المرتبة العليا في التقليد القاري. وقد أفضى هذا إلى اقترانٍ مبكر، بل إلى ما يكاد يكون مطابقةً، بين الحركة القارية وحركة الديمقراطية، التي تُعنى بمشكلةٍ مختلفة عن تلك التي كانت الشغل الشاغل للتقليد الليبرالي من النمط البريطاني.

خلال فترة تكوّنها، لم تكن هذه الأفكار، التي صارت تُعرف في القرن التاسع عشر بالليبرالية، تُوصف بعدُ بهذا الاسم. فالصفة ’ليبرالي‘ اكتسبت تدريجًا دلالتها السياسية خلال الجزء المتأخر من القرن الثامن عشر حين استُعملت في عبارات عَرَضية، كما حين كتب Adam Smith عن ’الخطة الليبرالية للمساواة والحرية والعدل‘. أما الليبرالية بوصفها اسمًا لحركة سياسية فلا تظهر إلا في مطلع القرن التالي، أولًا حين استعملها عام 1812 الحزب الإسباني Liberales، ثم بعد ذلك بقليل حين اعتُمدت اسمًا لحزب في فرنسا. وفي بريطانيا لم تُستعمل على هذا النحو إلا بعد أن انضم حزب الويغ والراديكاليون في حزب واحد صار يُعرف منذ أوائل أربعينيات القرن التاسع عشر باسم الحزب الليبرالي. ولأن الراديكاليين كانوا مستلهَمين إلى حدٍّ كبير مما وصفناه بالتقليد القاري، فإن حتى الحزب الليبرالي الإنجليزي في أوج نفوذه كان قائمًا على دمج التقليدين المذكورين.

وبالنظر إلى هذه الوقائع، سيكون من المضلِّل ادّعاء مصطلح ’ليبرالي‘ حصرًا لأيٍّ من التقليدين المتمايزين. وقد أُشير إليهما أحيانًا بـ’الإنجليزي‘ أو ’الكلاسيكي‘ أو ’التطوري‘، وبـ’القاري‘ أو ’البنائي‘ على التوالي. وفي المسح التاريخي التالي سيُنظر في كلا النمطين، ولكن لمّا كان الأول وحده هو الذي طوّر مذهبًا سياسيًّا محدَّدًا، فإن العرض المنهجي اللاحق سيكون عليه أن يتركّز عليه.

ينبغي أن يُذكر هنا أن الولايات المتحدة لم تطوّر قط حركةً ليبرالية تُماثل تلك التي أثّرت في معظم أوروبا خلال القرن التاسع عشر، متنافسةً في أوروبا مع الحركتين الأحدث، أي القومية والاشتراكية، وبالغةً ذروة نفوذها في سبعينيات القرن التاسع عشر، ثم آخذةً في الانحسار البطيء بعد ذلك، لكنها ظلّت تُحدِّد مناخ الحياة العامة حتى عام 1914. وسبب غياب حركة مماثلة في الولايات المتحدة هو في المقام الأول أن التطلعات الرئيسية لليبرالية الأوروبية كانت متجسّدة إلى حدٍّ كبير في مؤسسات الولايات المتحدة منذ تأسيسها، وهو في جزء منه أن تطور الأحزاب السياسية هناك لم يكن مؤاتيًا لنمو أحزاب قائمة على الأيديولوجيات. والواقع أن ما يُسمّى أو كان يُسمّى في أوروبا ’ليبراليًّا‘ يُسمّى اليوم في الولايات المتحدة، مع شيء من المبرِّر، ’محافظًا‘؛ في حين استُعمل مصطلح ’ليبرالي‘ هناك في الآونة الأخيرة لوصف ما يُسمّى في أوروبا اشتراكية. غير أنه يصدق على أوروبا بالقدر نفسه أن أيًّا من الأحزاب السياسية التي تستعمل تسمية ’ليبرالي‘ لم يعد متمسّكًا بالمبادئ الليبرالية للقرن التاسع عشر.

تاريخي

2. الجذور الكلاسيكية والقروسطية

إن المبادئ الأساسية التي صاغ منها الويغ القدامى ليبراليتهم التطورية لها ما قبل تاريخٍ طويل. فالمفكرون في القرن الثامن عشر الذين صاغوها استعانوا حقًّا إلى حدٍّ كبير بأفكار مستمدة من العصور القديمة الكلاسيكية، وببعض التقاليد القروسطية التي لم يكن الحكم المطلق قد أطفأها في إنجلترا.

كان أول قوم صاغوا بوضوح مثال الحرية الفردية هم الإغريق القدماء، ولا سيما الأثينيون خلال الحقبة الكلاسيكية من القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد. أما إنكار بعض كتّاب القرن التاسع عشر لمعرفة القدماء بالحرية الفردية بمعناها الحديث فيدحضه بجلاء حوادثُ كتلك التي ذكّر فيها القائد الأثيني الجنود، في لحظة الخطر الأقصى أثناء الحملة الصقلية، بأنهم يقاتلون عن بلد ترك لهم ’صلاحية مطلقة غير مقيَّدة بأن يعيشوا كما يشاؤون‘. وكان تصوّرهم للحرية تصوّرًا للحرية في ظل القانون، أو لحالٍ من الأمور كان فيها، على ما تقول العبارة الشائعة، القانون مَلِكًا. وقد وجد هذا التصور تعبيره، خلال الحقب الكلاسيكية المبكرة، في مثال isonomia أو المساواة أمام القانون الذي ما يزال Aristotle يصفه بوضوح دون أن يستعمل الاسم القديم. وقد تضمّن هذا القانون حمايةً للمجال الخاص بالمواطن في وجه الدولة بلغت من البُعد حدًّا جعل المواطن الأثيني، حتى في ظل ’الطغاة الثلاثين‘، آمنًا تمام الأمان ما دام لازمًا بيته. بل يُروى عن كريت (على لسان Ephorus، نقلًا عن Strabo) أنه، لمّا كانت الحرية تُعدّ أعلى خير للدولة، فإن الدستور ضمن ’الملكية على وجه الخصوص لمن يكتسبونها، في حين أنه في حالة العبودية يعود كل شيء للحكّام لا للمحكومين‘. وفي أثينا كانت سلطات الجمعية الشعبية في تغيير القانون محدودة بصرامة، وإن كنا نجد فيها بالفعل أولى حالات رفض مثل هذه الجمعية أن يُكبَح فعلُها التعسفي بالقانون القائم. وقد طُوِّرت هذه المُثُل الليبرالية أكثر، ولا سيما على يد الفلاسفة الرواقيين الذين مدّوها إلى ما وراء حدود دولة المدينة عبر تصوّرهم لقانونٍ للطبيعة يحدّ من سلطات كل حكومة، ولمساواة جميع البشر أمام ذلك القانون.

انتقلت هذه المُثُل الإغريقية للحرية إلى المُحدَثين بصورة رئيسية عبر كتابات المؤلفين الرومان. وكان أهمهم على الإطلاق، ولعلّه الشخصية المفردة التي ألهمت إحياء تلك الأفكار في مطلع العصر الحديث أكثر من أي أحد سواه، Marcus Tullius Cicero. غير أنه لا بد على الأقل من إدراج المؤرخ Titus Livius والإمبراطور Marcus Aurelius ضمن المصادر التي اعتمد عليها مفكّرو القرنين السادس عشر والسابع عشر بصورة رئيسية في مطلع التطور الحديث لليبرالية. وأهدت روما فضلًا عن ذلك، للقارة الأوروبية على الأقل، قانونًا خاصًّا بالغ الفردانية، يتمحور حول تصوّر صارم جدًّا للملكية الخاصة، وهو قانونٌ، علاوةً على ذلك، لم يكن التشريع قد تدخّل فيه إلا قليلًا جدًّا حتى التقنين في عهد Justinian، وكان نتيجةً لذلك يُنظر إليه على أنه قيدٌ على سلطات الحكومة أكثر منه ممارسةً لها.

كان بوسع المُحدَثين الأوائل أن يستندوا أيضًا إلى تقليد للحرية في ظل القانون كان قد حُفظ عبر العصور الوسطى ولم يُطفأ في القارة إلا في مطلع العصر الحديث بصعود الملكية المطلقة. وكما يصفه مؤرخ حديث (R. W. Southern)،

إن كراهية ما كان يُحكَم لا بالقاعدة بل بالمشيئة كانت عميقة جدًّا في العصور الوسطى، ولم تكن هذه الكراهية في أي وقت قوة بهذا القدر من القوة والفعالية كما في النصف الأخير من تلك الحقبة. . . . لم يكن القانون عدوًّا للحرية: بل على العكس، رُسمت معالم الحرية بالتنوع المُحيِّر للقانون الذي تطوّر خلال تلك الحقبة. . . . سعى الرفيع والوضيع على حدٍّ سواء إلى الحرية بإصرارهم على توسيع عدد القواعد التي يعيشون في ظلها.

لقي هذا التصور سندًا قويًّا من الإيمان بقانونٍ موجودٍ بمعزلٍ عن الحكومة وفوقها، وهو تصور حُمل في القارة على أنه قانونٌ للطبيعة، لكنه وُجد في إنجلترا بوصفه القانون العام (Common Law) الذي لم يكن من صنع مشرِّع، بل انبثق من بحثٍ دؤوب عن عدالة لا شخصية. أما الصياغة الشكلية لهذه الأفكار فقد اضطلع بها في القارة بصورة رئيسية المدرسيون بعد أن تلقّت أول تنظيمٍ منهجي كبير لها، على أسسٍ مستمدة من Aristotle، على يد Thomas Aquinas؛ وبحلول أواخر القرن السادس عشر كان بعض الفلاسفة اليسوعيين الإسبان قد طوّروها إلى نظامٍ سياسي ليبرالي في جوهره، ولا سيما في الميدان الاقتصادي، حيث استبقوا الكثير مما لم يُحْيِه إلا الفلاسفة الإسكتلنديون في القرن الثامن عشر.

وأخيراً تجدر الإشارة أيضاً إلى بعض التطورات المبكرة في دول المدن في عصر النهضة الإيطالية، ولا سيما فلورنسا، وفي هولندا، التي استطاع التطور الإنجليزي في القرنين السابع عشر والثامن عشر أن يستفيد منها إلى حد كبير.

3. التقليد اليميني (Whig) الإنجليزي

كان في غضون المناقشات أثناء الحرب الأهلية الإنجليزية وحقبة الكومنولث أن بلغت أفكار حكم القانون أو سيادته صياغتها النهائية، وهي الأفكار التي أصبحت بعد ‘الثورة المجيدة’ عام 1688 المبادئ الرائدة لحزب الـWhig الذي حملها إلى السلطة. وقد قدّم الصياغات الكلاسيكية كتاب John Locke المعنون Second Treatise on Civil Government (1689)، الذي يقدّم مع ذلك في بعض النواحي تفسيراً للمؤسسات أكثر عقلانية مما صار سمة مميزة لمفكري بريطانيا في القرن الثامن عشر. (وأيّ عرض أوفى سيتعيّن عليه أيضاً أن ينظر في كتابات Algernon Sidney وGilbert Burnet بوصفهما من أوائل من شرحوا عقيدة الـWhig.) كما نشأ خلال هذه الحقبة ذلك الارتباط الوثيق بين الحركة الليبرالية البريطانية والطبقات التجارية والصناعية ذات الطابع غير المطابق (non-conformist) والكالفيني في الغالب، وهو الارتباط الذي ظل سمة من سمات الليبرالية البريطانية حتى عهد قريب. أمّا ما إذا كان هذا يعني فحسب أنّ الطبقات ذاتها التي طوّرت روح المبادرة التجارية كانت أيضاً أكثر تقبّلاً للبروتستانتية الكالفينية، أم أنّ تلك الآراء الدينية أفضت على نحو أكثر مباشرة إلى مبادئ السياسة الليبرالية، فهي مسألة كثيرة الجدل لا يمكن مواصلة النظر فيها هنا. غير أنّ ما لا شك فيه هو أنّ الصراع بين طوائف دينية شديدة التعصب في بداياتها أنتج في نهاية المطاف مبادئ التسامح، وأنّ الحركة الليبرالية البريطانية ظلّت وثيقة الصلة بالبروتستانتية الكالفينية.

في غضون القرن الثامن عشر، أصبحت عقيدة الـWhig القائلة بحكومة مقيّدة بقواعد قانونية عامة وبقيود صارمة على سلطات الجهاز التنفيذي عقيدة بريطانية مميزة. وقد عُرّفت للعالم أجمع بصورة رئيسية من خلال كتاب Montesquieu المعنون Esprit des lois (1748) وكتابات مؤلفين فرنسيين آخرين، وفي مقدمتهم Voltaire. وفي بريطانيا، طُوّرت الأسس الفكرية أكثر فأكثر على يد فلاسفة الأخلاق الاسكتلنديين في المقام الأول، وعلى رأسهم David Hume وAdam Smith، فضلاً عن بعض معاصريهم وخلفائهم المباشرين من الإنجليز. ولم يكتفِ Hume بأن أرسى في عمله الفلسفي أساس النظرية الليبرالية في القانون، بل قدّم أيضاً في كتابه History of England (1754–62) تفسيراً للتاريخ الإنجليزي بوصفه نشوءاً تدريجياً لحكم القانون، وهو التفسير الذي جعل هذا التصوّر معروفاً إلى ما هو أبعد بكثير من حدود بريطانيا. أمّا إسهام Adam Smith الحاسم فكان عرضه لنظام يولّد نفسه بنفسه ويتشكّل تلقائياً متى ما أحاطت بالأفراد قواعد قانونية ملائمة تقيّدهم. ولعلّ كتابه Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations يمثّل، أكثر من أي عمل منفرد آخر، بداية تطور الليبرالية الحديثة. فقد جعل الناس يدركون أنّ تلك القيود على سلطات الحكومة، التي نشأت من مجرّد الارتياب في كل سلطة تعسفية، قد غدت السبب الرئيسي للازدهار الاقتصادي في بريطانيا.

غير أنّ بدايات حركة ليبرالية في بريطانيا سرعان ما انقطعت من جرّاء ردّ فعل ضد الثورة الفرنسية وارتياب من المعجبين بها في إنجلترا، الذين سعوا إلى استيراد أفكار الليبرالية القارية أو البنائية (constructivist) إلى إنجلترا. ويتجسّد ختام هذا التطور الإنجليزي المبكر لليبرالية في عمل Edmund Burke، الذي انقلب بعنف على أفكار الثورة الفرنسية بعد إعادته البارعة لصياغة عقيدة الـWhig دفاعاً عن المستعمرين الأمريكيين.

ولم يُستأنف التطور القائم على عقيدة الـWhigs القدامى وعلى Adam Smith إلا بعد انتهاء الحروب النابليونية. وقد قاد التطور الفكري اللاحق إلى حد كبير مجموعة من تلامذة فلاسفة الأخلاق الاسكتلنديين الذين التفّوا حول Edinburgh Review، وكان معظمهم اقتصاديين على نهج Adam Smith؛ وأُعيدت صياغة عقيدة الـWhig الصرفة مرة أخرى في صورة أثّرت تأثيراً واسعاً في الفكر القاري على يد المؤرخ T. B. Macaulay، الذي فعل للقرن التاسع عشر ما فعله Hume في عمله التاريخي للقرن الثامن عشر. غير أنّ هذا التطور كان قد سار بالتوازي بالفعل مع النمو السريع لحركة راديكالية أصبح ‘الراديكاليون الفلسفيون’ (Philosophical Radicals) من أتباع Bentham قادتها، وهي الحركة التي تعود في أصولها إلى التقليد القاري أكثر مما تعود إلى التقليد البريطاني. وقد نشأ في نهاية المطاف من اندماج هذين التقليدين، في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، الحزب السياسي الذي صار يُعرف منذ نحو عام 1842 باسم الحزب الليبرالي (Liberal Party)، وظل طوال بقية القرن أهمّ ممثّل للحركة الليبرالية في أوروبا.

غير أنّ إسهاماً حاسماً آخر كان قد جاء من أمريكا قبل ذلك بزمن طويل. فالصياغة الصريحة من جانب المستعمرين البريطانيين السابقين، في دستور مكتوب، لما فهموه على أنه جوهر التقليد البريطاني في الحرية، والمقصود به تقييد سلطات الحكومة، ولا سيما النصّ على الحريات الأساسية في شرعة الحقوق (Bill of Rights)، قد أتاحت نموذجاً للمؤسسات السياسية أثّر تأثيراً عميقاً في تطور الليبرالية في أوروبا. وعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة لم تطوّر قط حركة ليبرالية متميزة، وذلك تحديداً لأنّ شعبها شعر بأنه قد جسّد ضمانات الحرية في مؤسساته السياسية بالفعل، فقد غدت بالنسبة للأوروبيين أرض الأحلام للحرية والمثال الذي ألهم الطموحات السياسية بقدر ما فعلت المؤسسات الإنجليزية خلال القرن الثامن عشر.

4. تطور الليبرالية القارية

سيطرت الأفكار الراديكالية لفلاسفة عصر التنوير الفرنسي، في الصورة التي طبّقها بها Turgot وCondorcet والأب Sieyès على المشكلات السياسية بصفة أساسية، سيطرةً واسعة على الرأي التقدمي في فرنسا والبلدان القارية المجاورة لها خلال الحقبتين الثورية والنابليونية؛ لكن لا يمكن الحديث عن حركة ليبرالية محدّدة المعالم إلا بعد عهد الاستعادة (Restoration). وفي فرنسا بلغت ذروتها خلال مَلَكية يوليو (July Monarchy) (1830–48)، لكنها ظلّت بعد تلك الحقبة محصورة في نخبة صغيرة. وكانت مؤلَّفة من عدة تيارات فكرية مختلفة. فقد بذل Benjamin Constant محاولة مهمة لمنهجة ما اعتبره التقليد البريطاني وتكييفه مع الأحوال القارية، ثم طوّرتها أكثر خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر مجموعة عُرفت باسم ‘العقائديين’ (doctrinaires) بقيادة F. P. G. Guizot. وكان برنامجهم، المعروف باسم ‘الضمانية’ (guarantism)، في جوهره عقيدة قائمة على القيود الدستورية على الحكومة. ولهذه العقيدة الدستورية، التي شكّلت أهمّ جزء من الحركة الليبرالية القارية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، صار دستور عام 1831 للدولة البلجيكية الناشئة حديثاً نموذجاً مهماً. وإلى هذا التقليد، المستمدّ إلى حد كبير من بريطانيا، انتمى أيضاً المفكر الليبرالي الفرنسي الذي ربما يكون الأهمّ، Alexis de Tocqueville.

غير أنّ السمة التي ميّزت بدرجة كبيرة نمط الليبرالية السائد في القارة عن النمط البريطاني كانت منذ البداية ما يمكن وصفه على أفضل وجه بجانبها الحرّ الفكر (free-thinking)، وهو الجانب الذي عبّر عن نفسه بموقف قوي معادٍ لرجال الدين، ومعادٍ للدين، ومعادٍ للتقليدية عموماً. فلم يقتصر الأمر على فرنسا، بل في سائر أجزاء أوروبا الكاثوليكية الرومانية أيضاً، صار الصراع المتواصل مع كنيسة روما بالفعل من السمات المميزة لليبرالية إلى حدّ أنه بدا في نظر كثير من الناس سمتها الأولى، ولا سيما بعد أن خاضت الكنيسة، في النصف الثاني من القرن، صراعها ضد ‘الحداثة’ (modernism) ومن ثمّ ضد معظم المطالب بالإصلاح الليبرالي.

خلال النصف الأول من القرن، حتى ثورات عام 1848، كانت الحركة الليبرالية في فرنسا، وكذلك في معظم بقية أوروبا الغربية والوسطى، أوثق ارتباطاً بكثير بالحركة الديمقراطية مما كان عليه الحال مع الليبرالية البريطانية. بل إنها أُزيحت إلى حد كبير على يد تلك الحركة وعلى يد الحركة الاشتراكية الجديدة خلال النصف الثاني من القرن. وباستثناء فترة قصيرة في منتصف القرن تقريباً، حين حشدت حركة التجارة الحرة الجماعات الليبرالية، لم تعد الليبرالية تؤدي دوراً مهماً في التطور السياسي في فرنسا، كما لم يقدّم المفكرون الفرنسيون بعد عام 1848 أيّ إسهامات مهمة في عقيدتها.

أدّت الحركة الليبرالية في ألمانيا دوراً أكثر أهمية بعض الشيء، وقد جرى بالفعل تطور أكثر تميّزاً خلال الأرباع الثلاثة الأولى من القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من أنها تأثّرت تأثراً كبيراً بالأفكار المستمدّة من بريطانيا وفرنسا، فإنّ هذه الأفكار حُوِّلت على يد أفكار أعظم ثلاثة من الليبراليين الألمان وأوائلهم، وهم الفيلسوف Immanuel Kant، والعالِم ورجل الدولة Wilhelm von Humboldt، والشاعر Friedrich Schiller. فقد قدّم Kant نظرية على خطوط شبيهة بخطوط David Hume، تتمحور حول مفهومَي القانون بوصفه حماية للحرية الفردية وحكم القانون (أو الـRechtsstaat، كما صار يُعرف في ألمانيا)؛ وكان Humboldt قد طوّر في عمل مبكر له بعنوان On the Sphere and Duties of Government (1792) صورةَ دولة مقصورة كلياً على صون القانون والنظام، وهو كتاب لم يُنشر منه آنذاك إلا جزء صغير، لكنه حين نُشر أخيراً (وتُرجم إلى الإنجليزية) عام 1854 مارس تأثيراً واسعاً لا في ألمانيا فحسب، بل أيضاً على مفكرين متباينين كـ J. S. Mill في إنجلترا وE. Laboulaye في فرنسا. أمّا الشاعر Schiller، فقد فعل في نهاية المطاف، على الأرجح، أكثر من أي شخص منفرد آخر في تعريف الجمهور المثقف بأسره في ألمانيا بمثال الحرية الشخصية.

كانت ثمة بداية مبكرة نحو سياسة ليبرالية في بروسيا أثناء إصلاحات Freiherr vom Stein، لكن أعقبتها حقبة أخرى من ردّ الفعل بعد انتهاء الحروب النابليونية. ولم تبدأ حركة ليبرالية عامة في التطور إلا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، غير أنها كانت منذ البداية، كما كان الحال في إيطاليا أيضاً، وثيقة الارتباط بحركة قومية تهدف إلى توحيد البلاد. وكانت الليبرالية الألمانية في مجملها حركة دستورية في المقام الأول، استرشدت في شمال ألمانيا بالمثال البريطاني إلى حد ما، بينما كان النموذج الفرنسي أكثر تأثيراً في الجنوب. وقد وجد هذا تعبيره بصورة رئيسية في اختلاف الموقف من مشكلة تقييد السلطات التقديرية للحكومة، إذ أنتج في الشمال تصوّراً صارماً إلى حد ما لحكم القانون (أو الـRechtsstaat)، في حين استرشد في الجنوب أكثر بالتفسير الفرنسي للفصل بين السلطات الذي شدّد على استقلال الإدارة عن المحاكم العادية. غير أنه في الجنوب، ولا سيما في بادن وفورتمبيرغ، نشأت مجموعة أكثر نشاطاً من المنظّرين الليبراليين حول Staatslexicon لـ C. von Rotteck وC. T. Welcker، التي صارت في الحقبة السابقة لثورة عام 1848 المركز الرئيسي للفكر الليبرالي الألماني. وقد جلب فشل تلك الثورة حقبة قصيرة أخرى من ردّ الفعل، لكن في ستينيات القرن التاسع عشر وأوائل سبعينياته بدا لبرهة كأنّ ألمانيا أيضاً تتجه بسرعة نحو نظام ليبرالي. وكان في غضون هذه الحقبة أن أُنجزت الإصلاحات الدستورية والقانونية التي قُصد بها أن تُرسي الـRechtsstaat على نحو نهائي. ولعلّ منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر يجب أن يُعدّ الزمن الذي بلغت فيه الحركة الليبرالية في أوروبا أعظم نفوذها وأقصى امتدادها شرقاً. ومع عودة ألمانيا إلى الحمائية عام 1878، والسياسات الاجتماعية الجديدة التي استهلّها Bismarck في الوقت نفسه تقريباً، بدأ انقلاب مسار الحركة. فالحزب الليبرالي الذي ازدهر مدة لا تزيد إلا قليلاً على عشرة أعوام تدهور بسرعة.

في كل من ألمانيا وإيطاليا بدأ تراجع الحركة الليبرالية حين فقدت ارتباطها بحركة التوحيد الوطني، وحين وجّهت الوحدة المتحققة الانتباه إلى تعزيز الدول الجديدة، بل وحين حرمت بدايات الحركة العمالية الليبرالية من موقع الحزب «المتقدّم» الذي كان يدعمه حتى ذلك الحين الجزء النشط سياسياً من الطبقة العاملة.

5. الليبرالية البريطانية الكلاسيكية

طوال الجزء الأكبر من القرن التاسع عشر كانت بريطانيا العظمى الدولة الأوروبية التي بدت الأقرب إلى تحقيق المبادئ الليبرالية. فهناك بدا معظم تلك المبادئ مقبولاً لا من حزب ليبرالي قوي فحسب، بل من غالبية السكان أيضاً، حتى إن المحافظين أنفسهم صاروا في أحيان كثيرة أداةً لإنجاز الإصلاحات الليبرالية. أما الأحداث الكبرى التي صارت بريطانيا بعدها تبدو لسائر أوروبا النموذج الممثّل للنظام الليبرالي فكانت تحرير الكاثوليك عام 1829، وقانون الإصلاح عام 1832، وإلغاء قوانين الحبوب على يد المحافظ السير Robert Peel عام 1846. وبما أن المطالب الرئيسية لليبرالية في شأن السياسة الداخلية كانت قد لُبّيت عندئذٍ، فقد تركّز الحراك على إقامة التجارة الحرة. وهذه الحركة التي استُهلّت بعريضة التجار عام 1820، ثم حملتها من 1836 إلى 1846 «رابطة مناهضة قانون الحبوب»، طوّرتها على وجه الخصوص جماعةٌ من الراديكاليين الذين تبنّوا، بقيادة Richard Cobden وJohn Bright، موقفاً من laissez faire أكثر تطرّفاً بعض الشيء مما كانت تقتضيه المبادئ الليبرالية لـ Adam Smith والاقتصاديين الكلاسيكيين الذين تبعوه. وقد اقترن موقفهم الغالب المؤيد للتجارة الحرة بنزعةٍ قويةٍ مناهِضةٍ للإمبريالية ومناهِضةٍ للتدخّل ومناهِضةٍ للعسكرة، وبنفورٍ من كل توسّعٍ في صلاحيات الحكومة؛ إذ كانوا يَرَون أن ازدياد الإنفاق العام يعود في المقام الأول إلى تدخّلاتٍ غير مرغوبٍ فيها في الشؤون الخارجية. وقد توجّهت معارضتهم بصورةٍ رئيسيةٍ ضدّ توسّع صلاحيات الحكومة المركزية، وكانوا ينتظرون معظم التحسينات من الجهود المستقلّة سواءٌ على صعيد الحكم المحلي أم على صعيد المنظمات التطوّعية. وقد صار شعار «السلام والاقتصاد في الإنفاق والإصلاح» الشعارَ الليبرالي لهذه الفترة، إذ كان «الإصلاح» يشير إلى إلغاء المظالم والامتيازات القديمة أكثر مما يشير إلى توسيع الديمقراطية، التي لم ترتبط بها الحركة ارتباطاً أوثق إلا في زمن قانون الإصلاح الثاني عام 1867. وقد بلغت الحركة ذروتها بمعاهدة Cobden مع فرنسا عام 1860، وهي معاهدة تجارية أفضت إلى إقامة التجارة الحرة في بريطانيا، وإلى توقّعٍ واسع النطاق بأن التجارة الحرة ستسود قريباً في كل مكان. وفي ذلك الوقت برز في بريطانيا أيضاً، بوصفه الشخصية القيادية للحركة الليبرالية، W. E. Gladstone الذي صار يُنظَر إليه على نطاقٍ واسع، أولاً بوصفه وزيراً للخزانة ثم رئيساً للوزراء ليبرالياً، باعتباره التجسيد الحي للمبادئ الليبرالية، ولا سيما بعد وفاة Palmerston عام 1865 فيما يخصّ السياسة الخارجية، وكان John Bright شريكه الأبرز. ومعه أيضاً انتعش الارتباط القديم لليبرالية البريطانية بمواقف أخلاقية ودينية قوية.

في المجال الفكري خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر نوقشت المبادئ الأساسية لليبرالية مناقشةً مكثّفة. ففي الفيلسوف Herbert Spencer وجدَت دعوةٌ متطرّفةٌ إلى دولةٍ فردانيةٍ ذات حدٍّ أدنى، شبيهةٍ بموقف W. von Humboldt، شارحاً فعّالاً لها. غير أن John Stuart Mill، في كتابه الشهير On Liberty (1859)، وجّه نقده بصورةٍ رئيسيةٍ ضدّ طغيان الرأي لا ضدّ أفعال الحكومة، وهيّأ بدعوته إلى العدالة التوزيعية وبموقفه العام المتعاطف مع التطلعات الاشتراكية في بعضٍ من أعماله الأخرى، الانتقالَ التدريجي لجزءٍ كبير من المثقفين الليبراليين إلى اشتراكيةٍ معتدلة. وقد تعزّز هذا الاتجاه على نحوٍ ملحوظ بتأثير الفيلسوف T. H. Green الذي شدّد على الوظائف الإيجابية للدولة في مواجهة المفهوم السلبي الغالب للحرية لدى الليبراليين الأقدمين.

لكن على الرغم من أن الربع الأخير من القرن التاسع عشر قد شهد بالفعل قدراً كبيراً من النقد الداخلي للعقائد الليبرالية داخل المعسكر الليبرالي، وعلى الرغم من أن الحزب الليبرالي كان قد بدأ يفقد الدعم لصالح الحركة العمالية الجديدة، فإن هيمنة الأفكار الليبرالية في بريطانيا العظمى استمرّت إلى عمقٍ من القرن العشرين، ونجحت في دحر انبعاثٍ للمطالب الحمائية، وإن لم يستطع الحزب الليبرالي تجنّب تسرّبٍ متزايدٍ لعناصر تدخّليةٍ وإمبريالية. ولعلّه ينبغي أن تُعَدّ حكومة H. Campbell-Bannerman (1905–8) آخر حكومةٍ ليبراليةٍ من النمط القديم، في حين أُجريت في عهد خَلَفِه H. H. Asquith تجاربُ جديدةٌ في السياسة الاجتماعية لم تكن تتوافق إلا على نحوٍ مشكوكٍ فيه مع المبادئ الليبرالية الأقدم. غير أنه يمكن القول على العموم إن الحقبة الليبرالية للسياسة البريطانية دامت حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، وإن التأثير المهيمن للأفكار الليبرالية في بريطانيا لم تُنهِه إلا آثار تلك الحرب.

6. تراجع الليبرالية

على الرغم من أن بعض كبار رجال الدولة الأوروبيين وغيرهم من القادة في الشؤون العملية بعد الحرب العالمية الأولى ظلّوا مهتدين بنظرةٍ ليبراليةٍ في جوهرها، وعلى الرغم من المحاولات التي بُذلت في البداية لاستعادة المؤسسات السياسية والاقتصادية لما قبل الحرب، فقد أدّت عواملُ عدّة إلى أن يتراجع تأثير الليبرالية باطّراد حتى الحرب العالمية الثانية. وكان أهمّها أن الاشتراكية، ولا سيما في رأي جزءٍ كبير من المثقفين، قد حلّت محلّ الليبرالية بوصفها الحركة التقدّمية. وهكذا صار النقاش السياسي يدور بصورةٍ رئيسيةٍ بين الاشتراكيين والمحافظين، وكلا الطرفين يؤيّد تزايد أنشطة الدولة، وإن بأهدافٍ مختلفة. أما الصعوبات الاقتصادية، والبطالة، والعملات غير المستقرّة، فقد بدت تقتضي قدراً أكبر بكثير من الرقابة الاقتصادية من جانب الحكومة، وأفضت إلى انبعاث الحمائية وغيرها من السياسات القومية. وكانت النتيجة نمواً سريعاً للجهاز البيروقراطي للحكومة واكتسابها صلاحياتٍ تقديريةً بعيدة المدى. وهذه الاتجاهات التي كانت قوية بالفعل خلال العقد الأول بعد الحرب، صارت أشدّ وضوحاً خلال الكساد الكبير الذي أعقب الانهيار الأمريكي عام 1929. وقد بدا التخلّي النهائي عن قاعدة الذهب وعودة بريطانيا العظمى إلى الحماية عام 1931 وكأنه يؤذن بالنهاية القاطعة لاقتصادٍ عالميٍّ حر. أما صعود الأنظمة الديكتاتورية أو الشمولية في أجزاء كبيرة من أوروبا فلم يَطمِس فحسب الجماعات الليبرالية الضعيفة التي بقيت في البلدان المتضرّرة مباشرةً، بل إن تهديد الحرب الذي ولّده أفضى حتى في أوروبا الغربية إلى تزايد هيمنة الحكومة على الشؤون الاقتصادية، وإلى نزوعٍ نحو الاكتفاء الذاتي الوطني.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حدث مرةً أخرى انبعاثٌ مؤقّتٌ للأفكار الليبرالية، يعود في جزءٍ منه إلى وعيٍ جديد بالطابع القمعي لجميع أنواع الأنظمة الشمولية، وفي جزءٍ آخر إلى إدراك أن العقبات أمام التجارة الدولية التي نَمَت خلال فترة ما بين الحربين كانت مسؤولةً إلى حدٍّ بعيد عن الكساد الاقتصادي. وكان الإنجاز الممثّل لذلك هو الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (GATT) عام 1948، لكنّ محاولات إنشاء وحدةٍ اقتصاديةٍ أكبر مثل السوق المشتركة وEFTA كانت أيضاً ترمي ظاهرياً إلى الاتجاه نفسه. غير أن الحدث الأكثر إثارةً للانتباه الذي بدا واعداً بعودةٍ إلى المبادئ الاقتصادية الليبرالية كان التعافي الاقتصادي الاستثنائي لألمانيا المهزومة التي ألزمت نفسها صراحةً، بمبادرةٍ من Ludwig Erhard، بما سُمّي «اقتصاد السوق الاجتماعي»، فتجاوزت نتيجةً لذلك الأممَ المنتصرة في الرخاء عمّا قريب. وقد آذنت هذه الأحداث ببدء فترةٍ غير مسبوقةٍ من الرخاء العظيم، جعلت يبدو لبعض الوقت مُرجَّحاً أن نظاماً اقتصادياً ليبرالياً في جوهره قد يترسّخ من جديد ترسّخاً دائماً في أوروبا الغربية والوسطى. وفي المجال الفكري أيضاً جلبت تلك الفترة جهوداً متجددةً لإعادة صياغة مبادئ السياسة الليبرالية وتحسينها. لكنّ المساعي الرامية إلى إطالة أمد الرخاء وتأمين العمالة الكاملة بوساطة التوسّع في النقد والائتمان خلقت في نهاية المطاف تطوراً تضخّمياً على نطاق العالم، تكيّفت معه العمالة على نحوٍ لم يَعُد معه ممكناً وقف التضخّم دون إحداث بطالةٍ واسعة. ومع ذلك فإنه لا يمكن الحفاظ على اقتصاد سوقٍ عامل في ظلّ تضخّمٍ متسارع، ولو لم يكن ثمة سببٌ آخر سوى أن الحكومات ستشعر عمّا قريب بأنها مضطرّةٌ إلى مكافحة آثار التضخّم بفرض الرقابة على الأسعار والأجور. لقد أفضى التضخّم دائماً وفي كل مكان إلى اقتصادٍ موجَّه، ومن المرجّح كثيراً أن الالتزام بسياسةٍ تضخّمية سيعني تدمير اقتصاد السوق والانتقال إلى نظامٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ شموليٍّ موجَّه مركزياً.

في الوقت الراهن تقلّص عددُ المدافعين عن الموقف الليبرالي الكلاسيكي مرةً أخرى إلى أعدادٍ ضئيلةٍ جداً، معظمهم من الاقتصاديين. وقد صار اسم «ليبرالي» يُستعمل، حتى في أوروبا، كما هو الحال منذ مدةٍ في الولايات المتحدة، اسماً للتطلعات الاشتراكية في جوهرها، لأنه، على حدّ تعبير J. A. Schumpeter، «على سبيل إطراءٍ سامٍ لكنه غير مقصود، رأى أعداءُ نظام المشروع الخاص أن من الحكمة أن يستولوا على هذه التسمية».

منهجي

7. التصوّر الليبرالي للحرية

بما أن النمط «البريطاني» أو التطوّري وحده من الليبرالية هو الذي طوّر برنامجاً سياسياً محدَّداً، فإن محاولة العرض المنهجي لمبادئ الليبرالية سيتعيّن عليها أن تتركّز عليه، ولن يُذكَر النمط «القارّي» أو البنائي إلا عَرَضاً على سبيل المقابلة. وهذا الواقع يقتضي أيضاً رفض تمييزٍ آخرَ كثيراً ما يُرسَم في القارة، لكنه غير قابل للتطبيق على النمط البريطاني، وهو التمييز بين الليبرالية السياسية والليبرالية الاقتصادية (الذي طوّره على وجه الخصوص الفيلسوف الإيطالي Benedetto Croce باعتباره التمييز بين liberalismo وliberismo). فبالنسبة إلى التقليد البريطاني، الاثنان لا ينفصلان، لأن المبدأ الأساسي القاضي بقصر الصلاحيات القسرية للحكومة على إنفاذ قواعد عامة للسلوك العادل يجرّد الحكومة من سلطة توجيه الأنشطة الاقتصادية للأفراد أو التحكّم فيها، في حين أن منح مثل هذه الصلاحيات يمنح الحكومة سلطةً تعسفيةً وتقديريةً في جوهرها لا يسعها إلا أن تقيّد حتى حرية اختيار الأهداف الفردية التي يريد جميع الليبراليين تأمينها. فالحرية في ظلّ القانون تستلزم الحرية الاقتصادية، في حين أن الرقابة الاقتصادية، بوصفها رقابةً على وسائل تحقيق جميع الأغراض، تجعل تقييد كل حرية ممكناً.

في هذا السياق بالذات يُخفي الاتفاق الظاهري بين الأنواع المختلفة من الليبرالية على المطالبة بحرية الفرد، وما تستلزمه من احترام للشخصية الفردية، اختلافاً مهماً. ففي أوج ازدهار الليبرالية كان لمفهوم الحرية هذا معنى محدد إلى حد بعيد: إذ كان يعني في المقام الأول أنّ الشخص الحر غير خاضع للإكراه التعسفي. غير أنّ حماية الإنسان الذي يعيش في مجتمع من مثل هذا الإكراه كانت تقتضي تقييد جميع الناس، أي حرمانهم من إمكانية إكراه الآخرين. ولا يمكن تحقيق الحرية للجميع إلا إذا كانت حرية كل فرد، بحسب صيغة Immanuel Kant الشهيرة، لا تمتد إلى أبعد مما يتوافق مع حرية مساوية لجميع الآخرين. ولذلك كان المفهوم الليبرالي للحرية بالضرورة مفهوماً عن الحرية في ظل قانون يحدّ من حرية كلٍّ بما يكفل القدر نفسه من الحرية للجميع. ولم يكن يعني ما وُصف أحياناً بـ«الحرية الطبيعية» لفردٍ منعزل، بل الحرية الممكنة في المجتمع والمقيدة بقواعد ضرورية لحماية حرية الآخرين. والليبرالية في هذا الصدد يجب أن تُميَّز تمييزاً حاداً عن الأناركية. فهي تُقرّ بأنه إذا أُريد للجميع أن يكونوا أحراراً قدر الإمكان، فلا يمكن إلغاء الإكراه إلغاءً تاماً، بل لا يمكن إلا تقليصه إلى ذلك الحد الأدنى الضروري لمنع الأفراد أو الجماعات من إكراه الآخرين تعسفياً. لقد كانت حرية ضمن نطاق محدّد بقواعد معلومة، وهو ما جعل في مقدور الفرد أن يتفادى الوقوع تحت الإكراه ما دام بقي ضمن هذه الحدود.

ولم يكن في الإمكان أيضاً ضمان هذه الحرية إلا لأولئك القادرين على الالتزام بالقواعد التي يُقصد بها كفالتها. فالراشد العاقل وحده، الذي يُفترض أنه مسؤول مسؤولية كاملة عن أفعاله، كان يُعدّ مستحقاً تماماً لتلك الحرية، في حين كانت درجات متفاوتة من الوصاية تُعدّ مناسبة في حالة الأطفال والأشخاص غير المتمتعين بكامل قواهم العقلية. وبانتهاك القواعد التي يُقصد بها كفالة الحرية ذاتها للجميع، قد يفقد المرء، على سبيل العقوبة، ذلك الإعفاء من الإكراه الذي يتمتع به أولئك الذين يلتزمون بتلك القواعد.

وهذه الحرية الممنوحة على هذا النحو لجميع من يُحكَم بأنهم مسؤولون عن أفعالهم كانت تُحمّلهم كذلك مسؤولية مصيرهم: فبينما كانت حماية القانون قائمة لتساعد الجميع في السعي إلى أهدافهم، لم يكن مفترضاً في الحكومة أن تضمن للأفراد نتائج معينة لجهودهم. وكان تمكين الفرد من استخدام معرفته وقدراته في السعي إلى أهدافٍ اختارها بنفسه يُعدّ في آنٍ معاً أعظم منفعة يمكن للحكومة أن تكفلها للجميع، وأفضل سبيل لحث هؤلاء الأفراد على تقديم أكبر إسهام في رفاهية الآخرين. واستخراج أفضل الجهود التي يكون الفرد قادراً عليها بحكم ظروفه وقدراته الخاصة، التي لا يمكن لأي سلطة أن تعلمها، كان يُعدّ الميزة الرئيسة التي تمنحها حرية كلِّ فردٍ لجميع الآخرين.

كثيراً ما وُصف المفهوم الليبرالي للحرية بأنه مفهوم سلبي محض، وهو وصف صحيح. فهو، شأنه شأن السلام والعدل، يشير إلى غياب شرٍّ ما، إلى حالٍ تفتح فرصاً لكنها لا تكفل منافع معينة؛ وإن كان يُتوقع منه أن يعزّز احتمال أن تكون الوسائل اللازمة للأغراض التي يسعى إليها مختلف الأفراد متاحة. وهكذا فإنّ المطالبة الليبرالية بالحرية هي مطالبة بإزالة جميع العوائق التي يصنعها الإنسان أمام الجهود الفردية، لا دعوى بأنّ على الجماعة أو الدولة أن توفّر سلعاً معينة. وهي لا تستبعد مثل هذا العمل الجماعي حيث يبدو ضرورياً، أو على الأقل سبيلاً أكثر فاعلية لتأمين خدمات معينة، لكنها تعدّ ذلك مسألة ملاءمة، وبهذه الصفة تظل مقيدة بالمبدأ الأساسي للحرية المتساوية في ظل القانون. وانحدار العقيدة الليبرالية، الذي بدأ في سبعينيات القرن التاسع عشر، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإعادة تفسير الحرية بوصفها التحكّم في وسائل تحقيق طائفة واسعة من الأغراض المعينة، وعادةً توفير الدولة لها.

8. المفهوم الليبرالي للقانون

يتوقف معنى المفهوم الليبرالي للحرية في ظل القانون، أو لغياب الإكراه التعسفي، على المعنى الذي يُعطى في هذا السياق لكلمتي «القانون» و«التعسفي». ويرجع جزئياً إلى الاختلافات في استخدام هذين التعبيرين أن يوجد، داخل التقليد الليبرالي ذاته، تعارض بين من تكون الحرية عندهم، كما هي عند John Locke، لا توجد إلا في ظل القانون («إذ من ذا الذي يمكن أن يكون حراً حين يستطيع نزوة كل إنسان آخر أن تستبدّ به؟»)، في حين كان كثير من الليبراليين القاريين، ومنهم Jeremy Bentham، يرون، كما عبّر عن ذلك هذا الأخير، أنّ «كل قانون شرّ، لأنّ كل قانون انتهاك للحرية».

صحيح بطبيعة الحال أنّ القانون يمكن أن يُستخدم لتدمير الحرية. غير أنّ ليس كل نتاج للتشريع قانوناً بالمعنى الذي كان فيه John Locke أو David Hume أو Adam Smith أو Immanuel Kant أو الـ Whigs الإنجليز المتأخرون يعدّون القانون ضمانةً للحرية. فما كانوا يقصدونه حين تحدثوا عن القانون بوصفه الضمانة التي لا غنى عنها للحرية لم يكن سوى تلك القواعد للسلوك العادل التي يتكوّن منها القانون الخاص والقانون الجنائي، لا كل أمر يصدر عن السلطة التشريعية. ولكي يكون نصٌّ قانوناً، بالمعنى الذي استُخدم به في التقليد الليبرالي البريطاني لوصف شروط الحرية، كان لا بد أن تتوافر في القواعد التي تنفذها الحكومة سماتٌ معينة كان القانون مثل الـ English Common Law يمتلكها بالضرورة، لكنّ نتاجات التشريع ليست مضطرة إلى امتلاكها: فعليها أن تكون قواعد عامة للسلوك الفردي، تنطبق على الجميع على حدٍّ سواء في عدد غير معلوم من الحالات المستقبلية، تحدّد النطاق المحمي للأفراد، ومن ثَمَّ تكون في جوهرها من طبيعة المحظورات أكثر من كونها أوامر محددة. ولذلك فهي أيضاً لا تنفصل عن مؤسسة الملكية الفردية. وكان في حدود ما تقرّره هذه القواعد للسلوك العادل يُفترض أن يكون الفرد حراً في استخدام معرفته ومهاراته في السعي إلى أغراضه الخاصة بأي أسلوب يبدو له مناسباً.

وهكذا كان يُفترض أن تقتصر السلطات القسرية للحكومة على إنفاذ تلك القواعد للسلوك العادل. وهذا، باستثناء جناح متطرف من التقليد الليبرالي، لم يكن يحول دون أن تقدّم الحكومة أيضاً خدمات أخرى للمواطنين. بل كان يعني فقط أنّ الحكومة، مهما كانت الخدمات الأخرى التي قد تُدعى إلى تقديمها، لا يمكنها أن تستخدم لتلك الأغراض إلا الموارد الموضوعة تحت تصرفها، ولا يمكنها أن تُكره المواطن الخاص؛ أو بعبارة أخرى، لا يمكن للحكومة أن تستخدم شخص المواطن وممتلكاته وسيلةً لتحقيق أغراضها الخاصة. وبهذا المعنى قد يكون عمل هيئة تشريعية مفوّضة على النحو الواجب تعسفياً مثل عمل حاكم مطلق، بل إنّ أي أمر أو حظر موجَّه إلى أشخاص أو جماعات بعينها، ولا ينبثق عن قاعدة قابلة للتطبيق على نحو شامل، كان يُعدّ تعسفياً. وما يجعل عملاً من أعمال الإكراه تعسفياً، بالمعنى الذي يُستخدم به المصطلح في التقليد الليبرالي القديم، هو أنه يخدم غاية معينة للحكومة، وأنه تحدّده إرادة محددة لا قاعدة شاملة لازمة للحفاظ على ذلك النظام الكلي للأفعال المتولّد ذاتياً، وهو النظام الذي تخدمه جميع القواعد الأخرى المُنفَّذة للسلوك العادل.

9. القانون والنظام التلقائي للأفعال

إنّ الأهمية التي علّقتها النظرية الليبرالية على قواعد السلوك العادل تقوم على إدراك أنها شرط جوهري للحفاظ على نظام متولّد ذاتياً أو تلقائي لأفعال مختلف الأفراد والجماعات، الذين يسعى كلٌّ منهم إلى أهدافه الخاصة على أساس معرفته الخاصة. فعلى الأقل لم يفترض المؤسسون العظام للنظرية الليبرالية في القرن الثامن عشر، David Hume و Adam Smith، وجود انسجام طبيعي بين المصالح، بل ذهبا إلى أنّ المصالح المتباينة لمختلف الأفراد يمكن التوفيق بينها بالتقيّد بقواعد ملائمة للسلوك؛ أو، كما عبّر معاصرهما Josiah Tucker، أنّ «المحرّك الكوني في الطبيعة البشرية، أي حب الذات، يمكن أن يتلقى توجيهاً . . . بحيث يعزز المصلحة العامة من خلال تلك الجهود التي يبذلها في سبيل السعي إلى مصلحته الخاصة». والحق أنّ هؤلاء الكتّاب في القرن الثامن عشر كانوا فلاسفة قانون بقدر ما كانوا دارسين للنظام الاقتصادي، وتصورهم للقانون ونظريتهم في آلية السوق وثيقا الترابط. فقد فهموا أنّ الإقرار ببعض مبادئ القانون وحده، وفي مقدمتها مؤسسة الملكية الفردية وإنفاذ العقود، هو ما يكفل ذلك التكيّف المتبادل لخطط عمل الأفراد المنفصلين بحيث تتاح للجميع فرصة جيدة لتنفيذ خطط العمل التي رسموها. وكان، كما أوضحت النظرية الاقتصادية اللاحقة بجلاء أكبر، هذا التكيّف المتبادل للخطط الفردية هو ما مكّن الناس من أن يخدم بعضهم بعضاً وهم يستخدمون معارفهم ومهاراتهم المختلفة في خدمة أهدافهم الخاصة.

وهكذا لم تكن وظيفة قواعد السلوك تنظيم الجهود الفردية لأغراض معينة متفق عليها، بل تأمين نظام كلي للأفعال يكون في مقدور كلٍّ ضمنه أن يستفيد قدر الإمكان من جهود الآخرين في سعيه إلى أهدافه الخاصة. وكانت القواعد المفضية إلى تكوّن مثل هذا النظام التلقائي تُعدّ نتاج تجريب طويل في الماضي. ومع أنها كانت تُعدّ قابلة للتحسين، فقد كان يُرى أنّ مثل هذا التحسين يجب أن يمضي ببطء وخطوة خطوة كلما أظهرت التجربة الجديدة أنه مرغوب فيه.

كانت الميزة الكبرى لمثل هذا النظام المتولّد ذاتياً تُرى لا في كونه يترك الأفراد أحراراً في السعي إلى أغراضهم الخاصة فحسب، سواء أكانت أنانية أم إيثارية. بل أيضاً في كونه يتيح الاستفادة من المعرفة المتناثرة على نطاق واسع بالظروف الخاصة للزمان والمكان، وهي معرفة لا توجد إلا بوصفها معرفة أولئك الأفراد المختلفين، ولا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تمتلكها سلطة موجِّهة واحدة. وهذه الاستفادة من قدر من المعرفة بالوقائع الخاصة أكبر مما يكون ممكناً في ظل أي نظام للتوجيه المركزي للنشاط الاقتصادي، هي ما يحقق للمجتمع ناتجاً إجمالياً ضخماً بقدر ما يمكن تحقيقه بأي وسيلة معلومة.

لكن في حين أنّ ترك تكوين مثل هذا النظام للقوى التلقائية للسوق، عاملةً تحت قيود قواعد قانونية ملائمة، يكفل نظاماً أكثر شمولاً وتكيّفاً أكثر اكتمالاً مع الظروف الخاصة، فإنه يعني أيضاً أنّ المضامين الخاصة لهذا النظام لن تخضع للسيطرة المتعمّدة بل تُترك إلى حدّ كبير للمصادفة. إنّ إطار قواعد القانون، وجميع المؤسسات الخاصة المتنوّعة التي تخدم تكوين نظام السوق، لا يمكنها أن تحدّد سوى طابعه العام أو المجرّد، لا آثاره المحدّدة على أفراد أو جماعات بعينها. ومع أنّ تبريره يكمن في كونه يزيد فرص الجميع، ويجعل وضع كلّ فرد معتمداً إلى حدّ كبير على جهوده الذاتية، فإنه مع ذلك يترك النتيجة بالنسبة لكلّ فرد وجماعة معتمدةً أيضاً على ظروف غير متوقّعة لا يستطيع هؤلاء ولا أيّ شخص آخر السيطرة عليها. ولهذا فإنّ العملية التي تتحدّد بها حصص الأفراد في اقتصاد السوق كثيراً ما شُبّهت منذ Adam Smith بلعبة تعتمد فيها النتائج بالنسبة لكلّ فرد جزئياً على مهارته وجهده وجزئياً على الحظّ. وللأفراد سبب يدفعهم إلى الموافقة على خوض هذه اللعبة لأنها تجعل الرصيد الذي تُسحب منه الحصص الفردية أكبر مما يمكن أن يجعله أيّ أسلوب آخر. لكنها في الوقت نفسه تجعل حصّة كلّ فرد عرضةً لكلّ أنواع المصادفات، وهي بالتأكيد لا تكفل أن تتوافق دائماً مع الاستحقاقات الذاتية أو مع تقدير الآخرين للجهود الفردية.

وقبل النظر مزيداً في المشكلات التي يثيرها هذا بشأن المفهوم الليبرالي للعدالة، من الضروري النظر في بعض المبادئ الدستورية التي تجسّد فيها المفهوم الليبرالي للقانون.

10. الحقوق الطبيعية، والفصل بين السلطات، والسيادة

إنّ المبدأ الليبرالي الأساسي القائل بقصر الإكراه على إنفاذ القواعد العامة للسلوك العادل نادراً ما صيغ بهذا الشكل الصريح، لكنه وجد تعبيراً عنه عادةً في مفهومين مميّزين للدستورانية الليبرالية، هما مفهوم الحقوق غير القابلة للإسقاط أو الحقوق الطبيعية للفرد (الموصوفة أيضاً بالحقوق الأساسية أو حقوق الإنسان)، ومفهوم الفصل بين السلطات. وكما عبّر عن ذلك الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن لعام 1789، وهو في آنٍ معاً أوجز صياغات المبادئ الليبرالية وأكثرها تأثيراً: «أيّ مجتمع لا تُضمن فيه الحقوق ضماناً وثيقاً، ولا يُحدَّد فيه الفصل بين السلطات، ليس له دستور».

أما فكرة ضمان حقوق أساسية معيّنة على نحو خاص، مثل «الحرية والملكية والأمن ومقاومة الظلم»، وعلى نحو أكثر تحديداً حرّيات مثل حرية الرأي وحرية التعبير وحرية التجمّع وحرية الصحافة، التي تظهر أوّل ما تظهر في خضمّ الثورة الأمريكية، فليست سوى تطبيق للمبدأ الليبرالي العام على حقوق معيّنة اعتُبرت ذات أهمية خاصة، وهي إذ تقتصر على حقوق مُعدَّدة لا تبلغ مدى المبدأ العام. ويتبيّن أنها ليست سوى تطبيقات خاصة للمبدأ العام من كون أيّ من هذه الحقوق الأساسية لا يُعامَل بوصفه حقاً مطلقاً، بل تمتدّ جميعها فقط إلى الحدّ الذي لا تقيّدها فيه القوانين العامة. ومع ذلك، فبما أنّ كلّ عمل قسري للحكومة، بموجب المبدأ الليبرالي الأعمّ، ينبغي أن يقتصر على إنفاذ مثل هذه القواعد العامة، فإنّ جميع الحقوق الأساسية المدرجة في أيٍّ من قوائم الحقوق المحمية أو لوائحها، وكثيراً غيرها لم يُجسَّد قطّ في مثل هذه الوثائق، ستكون مكفولةً ببندٍ واحد ينصّ على ذلك المبدأ العام. وكما هي الحال مع الحرية الاقتصادية، فإنّ جميع الحرّيات الأخرى ستكون مكفولةً لو لم يكن من الممكن تقييد أنشطة الأفراد بمحظورات محدّدة (أو باشتراط أذونات محدّدة) بل فقط بقواعد عامة قابلة للتطبيق على الجميع بالتساوي.

ومبدأ الفصل بين السلطات بمعناه الأصلي هو أيضاً تطبيق للمبدأ العام نفسه، لكن فقط بقدر ما يُفهم في التمييز بين السلطات الثلاث، التشريع والقضاء والإدارة، مصطلح «القانون» — كما فهمه بلا شكّ أوائل من طرحوا المبدأ — بالمعنى الضيّق للقواعد العامة للسلوك العادل. فما دامت السلطة التشريعية لا تستطيع أن تسنّ سوى قوانين بهذا المعنى الضيّق، فلا يمكن للمحاكم أن تأمر (ولا للسلطة التنفيذية أن تطبّق) الإكراه إلا لتأمين الطاعة لمثل هذه القواعد العامة. غير أنّ هذا لا يصحّ إلا بقدر ما تكون سلطة الهيئة التشريعية مقصورةً على وضع مثل هذه القوانين بالمعنى الدقيق (كما ينبغي أن تكون في رأي John Locke)، لا إذا كان بإمكان السلطة التشريعية أن تصدر للسلطة التنفيذية أيّ أوامر تراها مناسبة، وإذا اعتُبر أيّ عمل للسلطة التنفيذية مُجاز على هذا النحو عملاً مشروعاً. فحيثما أصبحت الجمعية النيابية، المسمّاة بالسلطة التشريعية، كما أصبحت في جميع الدول الحديثة، السلطةَ الحكومية العليا التي توجّه عمل السلطة التنفيذية في مسائل بعينها، وحيثما لم يَعُد الفصل بين السلطات يعني سوى أنّ على السلطة التنفيذية ألّا تفعل شيئاً لم يُجَز على هذا النحو، فإنّ هذا لا يكفل أن تكون حرية الفرد مقيَّدةً فقط بقوانين بالمعنى الدقيق الذي استعملت به النظرية الليبرالية المصطلح.

إنّ تقييد سلطات الهيئة التشريعية الذي كان كامناً في المفهوم الأصلي للفصل بين السلطات يستلزم أيضاً رفض فكرة أيّ سلطة غير محدودة أو سيادية، أو على الأقل رفض أيّ سلطان لقوّة منظَّمة في أن تفعل ما يحلو لها. ورفض الاعتراف بمثل هذه السلطة السيادية، وهو واضح جداً لدى John Locke ويتكرّر مراراً في المذهب الليبرالي اللاحق، هو من أبرز النقاط التي يصطدم فيها بالمفاهيم السائدة الآن للوضعية القانونية. فهو ينكر الضرورة المنطقية لاشتقاق كلّ سلطة مشروعة من مصدر سيادي واحد، أو من أيّ «إرادة» منظَّمة، على أساس أنّ مثل هذا التقييد لكلّ سلطة منظَّمة يمكن أن يتحقّق بحالة عامة من الرأي ترفض الولاء لأيّ سلطة (أو إرادة منظَّمة) تتّخذ إجراءً من نوعٍ لا يُجيزه هذا الرأي العام. وهو يعتقد أنّ حتى قوّةً كالرأي العام، وإن لم تكن قادرةً على صياغة أفعال إرادية محدّدة، قد تقصر مع ذلك السلطة المشروعة لجميع أجهزة الحكومة على أفعال تتّسم بصفات عامة معيّنة.

11. الليبرالية والعدالة

يرتبط المفهوم الليبرالي للعدالة ارتباطاً وثيقاً بالمفهوم الليبرالي للقانون. وهو يختلف عن المفهوم السائد على نطاق واسع اليوم في جانبين مهمّين: إنه يقوم على الإيمان بإمكان اكتشاف قواعد موضوعية للسلوك العادل مستقلّة عن المصالح الخاصة؛ وهو يُعنى فقط بعدالة السلوك الإنساني، أو القواعد التي تحكمه، لا بالنتائج المحدّدة لهذا السلوك على وضع مختلف الأفراد أو الجماعات. ويمكن القول، على نحو خاص في تقابلٍ مع الاشتراكية، إنّ الليبرالية معنيّة بالعدالة التبادلية لا بما يُسمّى بالعدالة التوزيعية أو، على نحو أكثر شيوعاً الآن، العدالة «الاجتماعية».

إنّ الإيمان بوجود قواعد للسلوك العادل يمكن اكتشافها لا إنشاؤها اعتباطاً يقوم على أنّ الغالبية العظمى من هذه القواعد ستكون في كلّ وقت مقبولةً من دون تساؤل، وأنّ أيّ شكّ في عدالة قاعدة بعينها يجب أن يُحَلّ ضمن سياق هذه المجموعة من القواعد المقبولة عموماً، على نحوٍ تكون فيه القاعدة المراد قبولها متوافقةً مع البقية: أي يجب أن تخدم تكوين النوع نفسه من النظام المجرّد للأفعال الذي تخدمه جميع القواعد الأخرى للسلوك العادل، وألّا تتعارض مع مقتضيات أيٍّ من هذه القواعد. ومن ثَمّ فإنّ محكّ عدالة أيّ قواعد بعينها هو ما إذا كان تطبيقها الشامل ممكناً لأنها تثبت اتّساقها مع جميع القواعد المقبولة الأخرى.

كثيراً ما يُزعم أنّ هذا الإيمان الليبرالي بعدالة مستقلّة عن المصالح الخاصة يتوقّف على مفهوم لقانون الطبيعة رفضه الفكر الحديث رفضاً قاطعاً. ومع ذلك لا يمكن تصويره على أنه متوقّف على الإيمان بقانون الطبيعة إلا بمعنى خاص جداً لهذا المصطلح، معنى ليس صحيحاً البتّة أنّ الوضعية القانونية قد دحضته دحضاً فعّالاً. ومن غير المنكور أنّ هجمات الوضعية القانونية قد فعلت الكثير في تشويه هذا الجزء الجوهري من العقيدة الليبرالية التقليدية. والنظرية الليبرالية في تعارض بالفعل مع الوضعية القانونية في ما تزعمه الأخيرة من أنّ كلّ قانون هو، أو يجب أن يكون، نتاج إرادة المشرّع (الاعتباطية في جوهرها). ومع ذلك، فما إن يُقبل المبدأ العام لنظامٍ يصون نفسه بنفسه قائم على الملكية الموزّعة وقواعد التعاقد، حتى يلزم، ضمن منظومة القواعد المقبولة عموماً، تقديم إجابات محدّدة عن أسئلة بعينها — يقتضيها منطق المنظومة بأسرها — وستتعيّن إجابات هذه الأسئلة الملائمة بالاكتشاف لا بالاختراع الاعتباطي. ومن هذه الحقيقة ينبثق المفهوم المشروع القائل بأنّ «طبيعة الحال» تقتضي قواعد بعينها دون غيرها.

لقد استهوى مثالُ العدالة التوزيعية المفكّرين الليبراليين كثيراً، وربما غدا أحد العوامل الرئيسة التي قادت كثيرين منهم من الليبرالية إلى الاشتراكية. والسبب الذي يوجب على الليبراليين المتّسقين رفضه سبب مزدوج: أنه لا توجد مبادئ عامة معترَف بها أو قابلة للاكتشاف للعدالة التوزيعية، وأنه حتى لو أمكن الاتفاق على مثل هذه المبادئ، فلن يتسنّى وضعها موضع التنفيذ في مجتمع تقوم إنتاجيّته على كون الأفراد أحراراً في استخدام معارفهم وقدراتهم الخاصة لأغراضهم الخاصة. إنّ ضمان منافع بعينها لأناس بعينهم بوصفها مكافآت تتوافق مع استحقاقاتهم أو حاجاتهم، أيّاً كانت طريقة تقديرها، يقتضي نوعاً من نظام المجتمع مختلفاً كلّ الاختلاف عن ذلك النظام التلقائي الذي يتشكّل من تلقاء نفسه إذا لم يكن الأفراد مقيَّدين إلا بقواعد عامة للسلوك العادل. إنه يقتضي نظاماً من نوع (يُوصف على أفضل وجه بأنه تنظيم) يُجبَر فيه الأفراد على خدمة تراتبية موحَّدة مشتركة من الغايات، ويُطلب منهم فعل ما تستلزمه خطة عمل آمرة. وفي حين أنّ النظام التلقائي بهذا المعنى لا يخدم أيّ نسق وحيد من الحاجات، بل يوفّر فحسب أفضل الفرص لمتابعة طائفة عظيمة من الحاجات الفردية، فإنّ التنظيم يفترض مسبقاً أنّ جميع أعضائه يخدمون النسق نفسه من الغايات. والنوع من التنظيم الشامل الموحَّد للمجتمع بأسره، الذي سيكون ضرورياً لضمان أن ينال كلّ فرد ما تراه سلطةٌ ما أنه يستحقّه، لا بدّ أن يُنتج مجتمعاً يتعيّن فيه على كلّ فرد أيضاً أن يفعل ما تأمر به السلطة نفسها.

12. الليبرالية والمساواة

لا تطالب الليبرالية إلا بأنه، ما دامت الدولة تحدّد الشروط التي يتصرف الأفراد في ظلها، فعليها أن تفعل ذلك وفق القواعد الشكلية نفسها للجميع. وهي تعارض كل امتياز قانوني، وكل منح من جانب الحكومة لمزايا محددة لبعض الناس لا تتيحها لجميعهم. ولكن لمّا كانت الحكومة، من دون سلطة الإكراه المحدد، لا تستطيع أن تتحكم إلا في جزء صغير من الشروط التي تحدّد آفاق مختلف الأفراد، وكان هؤلاء الأفراد مختلفين بالضرورة اختلافاً كبيراً، سواء في قدراتهم ومعارفهم الفردية أو في البيئة المعينة (المادية والاجتماعية) التي يجدون أنفسهم فيها، فإن المعاملة المتساوية في ظل القوانين العامة نفسها لا بد أن تفضي إلى مواقع شديدة الاختلاف لمختلف الأشخاص؛ في حين أنه، لجعل مواقع مختلف الأشخاص أو فرصهم متساوية، سيكون من الضروري أن تعاملهم الحكومة معاملة مختلفة. وبعبارة أخرى، لا تطالب الليبرالية إلا بأن يكون الإجراء، أو قواعد اللعبة، التي تتحدّد بها المواقع النسبية لمختلف الأفراد، عادلاً (أو على الأقل غير ظالم)، لا بأن تكون النتائج المعينة لهذه العملية بالنسبة إلى مختلف الأفراد عادلة؛ لأن هذه النتائج، في مجتمع من الأحرار، ستتوقف دائماً أيضاً على أفعال الأفراد أنفسهم وعلى ظروف عديدة أخرى لا يستطيع أحد أن يحدّدها أو يتنبأ بها في مجملها.

في عزّ الليبرالية الكلاسيكية، كان هذا المطلب يُعبَّر عنه عادةً باشتراط أن تُفتح جميع المسارات المهنية أمام المواهب، أو على نحو أكثر إبهاماً وأقل دقة بوصفه «تكافؤ الفرص». لكن هذا لم يكن يعني في الواقع إلا أن تُزال تلك العوائق أمام الارتقاء إلى مواقع أعلى التي كانت نتاج التمييزات القانونية بين الأشخاص. ولم يكن يعني أن حظوظ مختلف الأفراد يمكن بذلك أن تُجعل واحدة. فليست قدراتهم الفردية المختلفة وحدها، بل قبل كل شيء الفوارق الحتمية في بيئاتهم الفردية، وعلى وجه الخصوص الأسرة التي نشأوا فيها، هي ما سيظل يجعل آفاقهم شديدة الاختلاف. ولهذا السبب فإن الفكرة التي أثبتت جاذبيتها الكبيرة لدى معظم الليبراليين، وهي أنه لا يمكن أن يُعَدّ عادلاً إلا نظام تكون فيه الحظوظ الأولية لجميع الأفراد واحدة عند البداية، فكرة غير قابلة للتحقق في مجتمع حر؛ إذ ستتطلب تلاعباً متعمداً بالبيئة التي يعمل فيها جميع الأفراد المختلفين، وهو ما يتنافى كلياً مع مثال الحرية التي يستطيع فيها الأفراد أن يستخدموا معارفهم ومهاراتهم الخاصة لتشكيل هذه البيئة.

لكن مع أن ثمة حدوداً صارمة لدرجة المساواة المادية التي يمكن بلوغها بالأساليب الليبرالية، فقد ظل الكفاح من أجل المساواة الشكلية، أي ضد كل تمييز قائم على الأصل الاجتماعي أو الجنسية أو العرق أو العقيدة أو الجنس، إلخ، واحداً من أقوى سمات التقليد الليبرالي. ومع أنها لم تكن تعتقد أن في الإمكان تجنب فوارق كبيرة في المواقع المادية، فقد كانت تأمل في نزع شوكتها عبر زيادة تدريجية في الحراك العمودي. وكانت الأداة الرئيسة التي يُتوخّى بها تأمين ذلك هي توفير (من الأموال العامة عند الاقتضاء) نظام تعليم شامل يضع على الأقل جميع الناشئة عند أسفل السُّلَّم الذي يصبح بمقدورهم بعدئذٍ أن يرتقوا فيه وفقاً لقدراتهم. وهكذا فإنه عبر توفير خدمات معينة لمن لم يكونوا بعدُ قادرين على إعالة أنفسهم، سعى كثير من الليبراليين على الأقل إلى تقليص الحواجز الاجتماعية التي تربط الأفراد بالطبقة التي وُلدوا فيها.

وأقل توافقاً على نحو مشكوك فيه مع التصور الليبرالي للمساواة إجراءٌ آخر نال أيضاً تأييداً واسعاً في الأوساط الليبرالية، وهو استخدام الضريبة التصاعدية وسيلةً لإحداث إعادة توزيع للدخل لمصلحة الطبقات الأفقر. ولمّا كان لا يمكن إيجاد معيار يمكن بمقتضاه جعل هذا التصاعد متوافقاً مع قاعدة يصح القول إنها واحدة للجميع، أو يحدّ من درجة العبء الإضافي على الأكثر ثراءً، فإنه يبدو أن الضريبة التصاعدية عموماً تتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون، وقد نظر إليها الليبراليون في القرن التاسع عشر بوجه عام على هذا النحو.

13. الليبرالية والديمقراطية

بالإصرار على قانون واحد للجميع، وما تبع ذلك من معارضة لكل امتياز قانوني، ارتبطت الليبرالية ارتباطاً وثيقاً بحركة الديمقراطية. ففي الكفاح من أجل الحكم الدستوري في القرن التاسع عشر، كثيراً ما كان يتعذّر التمييز بين الحركة الليبرالية والحركة الديمقراطية في الواقع. غير أنه بمرور الوقت غدت نتيجة كون المذهبين معنيين في نهاية المطاف بقضيتين مختلفتين أكثر وضوحاً فأكثر. فالليبرالية معنية بوظائف الحكومة، وعلى وجه الخصوص بالحدّ من كل سلطاتها. أما الديمقراطية فمعنية بمسألة من الذي يتولى توجيه الحكومة. الليبرالية تقتضي أن تكون كل سلطة محدودة، ومن ثمّ سلطة الأغلبية أيضاً. أما الديمقراطية فقد صارت تعتبر رأي الأغلبية الراهن المعيار الوحيد لمشروعية سلطات الحكومة. ويبرز الفرق بين المبدأين على أوضح نحو إذا نظرنا في نقيضيهما: فنقيض الديمقراطية هو الحكم السلطوي؛ ونقيض الليبرالية هو الشمولية. ولا يستبعد أيٌّ من النظامين بالضرورة نقيض الآخر: فقد تمارس ديمقراطية سلطات شمولية، ومن المتصوَّر على الأقل أن يتصرف حكم سلطوي وفق مبادئ ليبرالية.

وهكذا فإن الليبرالية تتنافى مع الديمقراطية غير المحدودة، تماماً كما تتنافى مع كل أشكال الحكم غير المحدود الأخرى. فهي تفترض مسبقاً الحدّ من سلطات حتى ممثلي الأغلبية، باشتراط الالتزام بمبادئ إما منصوص عليها صراحةً في دستور أو مقبولة لدى الرأي العام بحيث تحصر التشريع حصراً فعلياً.

وهكذا، فمع أن التطبيق المتسق للمبادئ الليبرالية يفضي إلى الديمقراطية، فإن الديمقراطية لن تصون الليبرالية إلا إذا، وما دامت، الأغلبية تمتنع عن استخدام سلطاتها لمنح أنصارها مزايا خاصة لا يمكن إتاحتها على نحو مماثل لجميع المواطنين. وقد يتحقق ذلك في مجلس نيابي تقتصر سلطاته على إصدار قوانين بمعنى القواعد العامة للسلوك العادل، وهي القواعد التي يُرجَّح وجود اتفاق بشأنها بين أغلبية. لكنه أمر بالغ الاستبعاد في مجلس يتولى عادةً توجيه التدابير المحددة للحكومة. ففي مثل هذا المجلس النيابي الذي يجمع بين السلطات التشريعية الحقّة والسلطات الحكومية، والذي لا يكون من ثمّ في ممارسته للأخيرة مقيَّداً بقواعد لا يستطيع تعديلها، يُستبعَد أن تقوم الأغلبية على اتفاق حقيقي على المبادئ، بل ستتألف على الأرجح من ائتلافات لمصالح منظَّمة متنوعة يمنح بعضها بعضاً مزايا خاصة على نحو متبادل. وحيثما يجري التوصل إلى القرارات، كما يكاد يكون حتمياً في هيئة نيابية ذات سلطات غير محدودة، عبر مقايضة منافع خاصة لمختلف الجماعات، وحيثما يتوقف تكوين أغلبية قادرة على الحكم على مثل هذه المقايضة، فإنه يكاد يكون من غير المتصوَّر حقاً أن تُستخدم هذه السلطات في المصلحة العامة الحقيقية وحدها.

لكن في حين يبدو لهذه الأسباب أنه من شبه المؤكد أن الديمقراطية غير المحدودة ستتخلى عن المبادئ الليبرالية لمصلحة تدابير تمييزية تنفع مختلف الجماعات الداعمة للأغلبية، فمن المشكوك فيه أيضاً ما إذا كانت الديمقراطية تستطيع، على المدى الطويل، أن تصون نفسها إن هي تخلّت عن المبادئ الليبرالية. فإذا تولّت الحكومة مهامّ أوسع وأعقد من أن يمكن توجيهها على نحو فعّال بقرارات الأغلبية، بدا حتمياً أن تؤول السلطات الفعلية إلى جهاز بيروقراطي مستقلّ بصورة متزايدة عن الرقابة الديمقراطية. ولذا فليس من المستبعد أن يؤدي تخلّي الديمقراطية عن الليبرالية، على المدى الطويل، إلى اختفاء الديمقراطية أيضاً. ولا يكاد يوجد، على وجه الخصوص، شكّ في أن نوع الاقتصاد الموجَّه الذي يبدو أن الديمقراطية تنزع نحوه يتطلب لإدارته الفعّالة حكومةً ذات سلطات سلطوية.

14. الوظائف الخدمية للحكومة

إن الحصر الصارم لسلطات الحكومة في إنفاذ القواعد العامة للسلوك العادل الذي تقتضيه المبادئ الليبرالية إنما يشير إلى السلطات القسرية للحكومة وحدها. فقد تؤدي الحكومة بالإضافة إلى ذلك، باستخدام الوسائل الموضوعة تحت تصرفها، خدمات كثيرة لا تنطوي على أي إكراه باستثناء جمع تلك الوسائل عبر الضرائب؛ وفيما عدا بعض الأجنحة المتطرفة من الحركة الليبرالية ربما، لم يُنكَر قطّ أن من المستحب أن تتولى الحكومة مثل هذه المهام. غير أنها كانت في القرن التاسع عشر لا تزال ذات أهمية ثانوية وتقليدية في الغالب، ولم تتطرق إليها النظرية الليبرالية إلا قليلاً، إذ اكتفت بالتأكيد على أنه من الأفضل أن تُترك مثل هذه الخدمات في أيدي الحكومة المحلية لا المركزية. وكان الاعتبار الموجِّه خشيةً من أن تصبح الحكومة المركزية شديدة القوة، وأملاً في أن تتحكم المنافسة بين مختلف السلطات المحلية على نحو فعّال في تطوير هذه الخدمات وتوجّهه على مسارات مرغوبة.

ومنذ ذلك الحين أدى النمو العام للثروة، وما أتاحه من تطلعات جديدة أمكن إشباعها، إلى نمو هائل في تلك الأنشطة الخدمية، وجعل من الضروري اتخاذ موقف أكثر تحديداً منها بكثير مما اتخذته الليبرالية الكلاسيكية في أي وقت. ولا يمكن أن يكون ثمة شكّ في أن هناك كثيراً من هذه الخدمات، المعروفة لدى الاقتصاديين بـ«المنافع العامة»، التي هي بالغة الاستحسان لكن لا يمكن للآلية السوقية أن توفرها، لأنها إن وُفِّرت أفادت الجميع ولا يمكن قصرها على من هم على استعداد للدفع مقابلها. فمن المهام الأولية المتمثلة في الحماية من الجريمة أو منع انتشار الأمراض المعدية وسائر الخدمات الصحية، إلى التنوع الكبير من المشكلات التي تثيرها التجمعات الحضرية الكبرى على أحدّ نحو، لا يمكن توفير الخدمات المطلوبة إلا إذا جُمعت الوسائل اللازمة لتغطية تكاليفها عبر الضرائب. ومعنى ذلك أنه، إن كان لهذه الخدمات أن تُوفَّر أصلاً، فينبغي على الأقل أن يوضع تمويلها، إن لم يكن تشغيلها بالضرورة أيضاً، في أيدي هيئات تملك سلطة فرض الضرائب. ولا يلزم أن يعني هذا أن تُمنح الحكومة الحق الحصري في أداء هذه الخدمات، وسيرغب الليبرالي في أن يُترك المجال مفتوحاً لأن يتم ذلك، عندما تُكتشف سبل لتوفير مثل هذه الخدمات عن طريق المبادرة الخاصة. كما سيحتفظ بالتفضيل التقليدي القائل بأن تُوفَّر تلك الخدمات قدر الإمكان من جانب السلطات المحلية لا المركزية، وأن تُموَّل عبر الضرائب المحلية، إذ يُصان بهذه الطريقة على الأقل بعض الصلة بين من ينتفعون من خدمة معينة ومن يدفعون مقابلها. لكن فيما عدا ذلك، فإن الليبرالية لم تطوّر إلا بالكاد أي مبادئ محددة لتوجيه السياسة في هذا الميدان الواسع المتنامي الأهمية باطّراد.

تجلّى الإخفاق في تطبيق المبادئ العامة لليبرالية على المشكلات الجديدة في مسار تطوّر دولة الرفاه الحديثة. ومع أنه كان من الممكن تحقيق كثير من أهدافها ضمن إطار ليبرالي، فإن ذلك كان سيتطلّب عملية تجريبية بطيئة؛ غير أن الرغبة في بلوغها عبر أكثر السبل فعاليةً وآنيّةً أفضت في كل مكان إلى التخلّي عن المبادئ الليبرالية. فبينما كان من الممكن، على وجه الخصوص، توفير معظم خدمات التأمين الاجتماعي عبر تطوير مؤسسة للتأمين التنافسي الحقيقي، وبينما كان من الممكن حتى تأمين حدّ أدنى من الدخل للجميع ضمن إطار ليبرالي، فإن قرار جعل مجال التأمين الاجتماعي بأسره احتكارًا حكوميًا، وتحويل الجهاز كله المُقام لهذا الغرض إلى آلة ضخمة لإعادة توزيع الدخول، أدّى إلى نموٍّ متدرّج في القطاع الاقتصادي الخاضع لسيطرة الحكومة، وإلى تضاؤل مطّرد في ذلك الجزء من الاقتصاد الذي ما زالت تسود فيه المبادئ الليبرالية.

15. المهام الإيجابية للتشريع الليبرالي

غير أن العقيدة الليبرالية التقليدية لم تُخفق فحسب في التعامل المناسب مع المشكلات الجديدة، بل لم تطوّر قط برنامجًا واضحًا بما فيه الكفاية لإنشاء إطار قانوني مصمَّم للحفاظ على نظام سوق فعّال. فإذا أُريد لنظام المشروع الحر أن يعمل على نحو نافع، فلا يكفي أن تفي القوانين بالمعايير السلبية التي رُسمت سابقًا. بل من الضروري أيضًا أن يكون مضمونها الإيجابي بحيث يجعل آلية السوق تعمل على نحو مُرضٍ. ويتطلّب هذا على وجه الخصوص قواعد تُحابي الحفاظ على المنافسة وتكبح، بقدر الإمكان، نشوء المواقع الاحتكارية. وقد أُهملت هذه المشكلات إلى حدٍّ ما في العقيدة الليبرالية للقرن التاسع عشر، ولم تُدرَس دراسة منهجية إلا في وقت أحدث على يد بعض الجماعات «الليبرالية الجديدة».

ومع ذلك فمن المرجّح أنه في مجال المشروع لم يكن الاحتكار ليصبح مشكلة خطيرة قط لولا أن الحكومة أعانت على نشوئه عبر التعريفات الجمركية، وبعض سمات قانون الشركات وقانون براءات الاختراع الصناعية. ويبقى سؤالًا مفتوحًا ما إذا كانت التدابير الخاصة لمكافحة الاحتكار، فيما وراء إضفاء طابع على الإطار القانوني يُحابي المنافسة، ضرورية أو مرغوبة. وإذا كانت كذلك، فربما كان حظر القانون العام القديم للتآمرات المُقيِّدة للتجارة أساسًا لمثل هذا التطوّر، إلا أنه ظلّ غير مستخدَم طويلًا. ولم تُبذَل إلا في وقت متأخر نسبيًا، بدءًا بقانون Sherman لعام 1890 في الولايات المتحدة، وفي أوروبا في معظمها بعد الحرب العالمية الثانية فقط، محاولات لسنّ تشريع متعمَّد لمكافحة الاحتكارات والكارتلات، وهو تشريع لم يكن، بسبب الصلاحيات التقديرية التي كان يمنحها عادةً للأجهزة الإدارية، متوافقًا تمامًا مع المُثُل الليبرالية الكلاسيكية.

أما المجال الذي أدّى فيه الإخفاق في تطبيق المبادئ الليبرالية إلى تطوّرات أعاقت على نحو متزايد عمل نظام السوق، فهو مجال احتكار العمل المنظَّم أو النقابات العمالية. فقد أيّدت الليبرالية الكلاسيكية مطالب العمال بـ«حرية تكوين الجمعيات»، ولعلها لهذا السبب أخفقت لاحقًا في أن تعارض على نحو فعّال تطوّر النقابات العمالية إلى مؤسسات مُمتازة قانونًا باستخدام الإكراه على نحو لا يُسمح به لأي أحد آخر. وهذا الموقع الذي تشغله النقابات العمالية هو الذي جعل آلية السوق لتحديد الأجور معطَّلة إلى حدّ بعيد، ومن المشكوك فيه إلى أبعد حد أن يكون بالإمكان الحفاظ على اقتصاد السوق إذا لم يُطبَّق التحديد التنافسي للأسعار على الأجور أيضًا. وقد يتوقّف الجواب عما إذا كان نظام السوق سيستمر في الوجود أم سيُستبدَل به نظام اقتصادي مُخطَّط مركزيًا على ما إذا كان سيتبيّن من الممكن، بطريقةٍ ما، استعادة سوق عملٍ تنافسية.

وتُظهر آثار هذه التطوّرات نفسها بالفعل في الطريقة التي أثّرت بها على الفعل الحكومي في المجال الرئيسي الثاني الذي يُعتقد عمومًا أن نظام السوق العامل يقتضي فيه فعلًا حكوميًا إيجابيًا: ألا وهو توفير نظام نقدي مستقر. فبينما افترضت الليبرالية الكلاسيكية أن قاعدة الذهب توفّر آلية تلقائية لتنظيم عرض النقود والائتمان تكون كافية لضمان نظام سوق عامل، فإن التطوّرات التاريخية أنتجت في الواقع بنية ائتمانية باتت معتمِدة إلى درجة عالية على التنظيم المتعمَّد من قِبل سلطة مركزية. وهذه السيطرة، التي وُضعت لبعض الوقت في أيدي مصارف مركزية مستقلة، قد نُقلت في الأزمنة الأخيرة فعليًا إلى الحكومات، ويعود ذلك إلى حدّ بعيد إلى أن السياسة المالية قد جُعلت إحدى الأدوات الرئيسية للسيطرة النقدية. وهكذا أصبحت الحكومات مسؤولة عن تحديد أحد الشروط الجوهرية التي يعتمد عليها عمل آلية السوق.

وفي هذا الموقع اضطُرّت الحكومات في جميع البلدان الغربية، من أجل تأمين عمالة كافية عند الأجور التي رفعها فعل النقابات العمالية، إلى انتهاج سياسة تضخّمية تجعل الطلب النقدي يرتفع أسرع من عرض السلع. وقد دُفعت بهذا إلى تضخّم متسارع تشعر بدورها أنها مُلزَمة بمقاومته عبر ضوابط مباشرة على الأسعار تهدّد بجعل آلية السوق معطَّلة على نحو متزايد. ويبدو أن هذا يغدو الآن السبيل الذي سيُدمَّر به تدريجيًا، كما أُشير إليه بالفعل في القسم التاريخي، نظامُ السوق الذي هو أساس النظام الليبرالي.

16. الحرية الفكرية والمادية

سوف تبدو المذاهب السياسية لليبرالية التي تركّز عليها هذه العرض لكثيرين ممن يعدّون أنفسهم ليبراليين لا كلّ عقيدتهم ولا حتى أهم جزء منها. وكما أُشير سابقًا، فإن مصطلح «ليبرالي» كثيرًا ما استُخدم، ولا سيما في الأزمنة الأخيرة، بمعنى يصف في المقام الأول موقفًا ذهنيًا عامًا أكثر مما يصف آراءً محدّدة عن المهام السليمة للحكومة. ولذلك من المناسب في الختام أن نعود إلى العلاقة بين تلك الأسس الأعمّ لكل فكر ليبرالي وبين المذاهب القانونية والاقتصادية، لكي نُبيّن أن الأخيرة هي النتيجة الضرورية للتطبيق المتّسق للأفكار التي أفضت إلى المطالبة بالحرية الفكرية التي تتفق عليها جميع الخيوط المختلفة لليبرالية.

إن المعتقد المركزي الذي يمكن القول إن جميع المُسلَّمات الليبرالية تنبثق منه هو أنه يُتوقَّع التوصّل إلى حلول أنجح لمشكلات المجتمع إذا لم نعتمد على تطبيق معرفةٍ مُعطاة لأي شخص بعينه، بل شجّعنا العملية بين الأشخاص لتبادل الرأي التي يُتوقَّع أن تنبثق منها معرفة أفضل. فالنقاش والنقد المتبادل لآراء الناس المختلفة المستمَدّة من خبرات مختلفة هو ما افتُرض أنه يُيسّر اكتشاف الحقيقة، أو على الأقل أفضل تقريبٍ للحقيقة يمكن بلوغه. وقد طُولب بالحرية للرأي الفردي تحديدًا لأن كل فرد كان يُنظر إليه على أنه قابل للخطأ، ولأن اكتشاف أفضل معرفة كان يُتوقَّع فقط من ذلك الاختبار المستمر لجميع المعتقدات الذي يكفله النقاش الحر. أو، بعبارة أخرى، لم يكن التقدّم المطّرد نحو الحقيقة مُتوقَّعًا من قوة العقل الفردي (التي كان الليبراليون الأصلاء يرتابون منها) بقدر ما كان مُتوقَّعًا من نتائج العملية بين الأشخاص للنقاش والنقد. بل إن نموّ العقل والمعرفة الفرديين نفسه لا يُعدّ ممكنًا إلا بقدر ما يكون الفرد جزءًا من هذه العملية.

لقد كان أحد المُسلَّمات التي لا يطالها الشك في العقيدة الليبرالية أن تقدّم المعرفة، أو التقدّم، الذي تكفله الحرية الفكرية، وما يترتّب عليه من ازدياد قدرة الناس على بلوغ أهدافهم، أمرٌ بالغ المرغوبية. ويُزعم أحيانًا، وليس بحقّ تمامًا، أن تركيزها كان منصبًّا كليًا على التقدّم المادي. ومع أنه صحيح أنها توقّعت حلّ معظم المشكلات من تقدّم المعرفة العلمية والتقنية، فإنها جمعت إلى ذلك اعتقادًا غير نقديٍّ بعض الشيء، وإن كان على الأرجح مبرَّرًا تجريبيًا، بأن الحرية ستجلب أيضًا تقدّمًا في المجال الأخلاقي؛ ويبدو على الأقل صحيحًا أنه خلال فترات الحضارة المتقدّمة كثيرًا ما باتت تُقبَل على نطاق أوسع آراءٌ أخلاقية لم تكن في الفترات السابقة معترَفًا بها إلا على نحو ناقص أو جزئي. (ولعله من الأكثر إثارةً للشك ما إذا كان التقدّم الفكري السريع الذي أنتجته الحرية قد أفضى أيضًا إلى نموٍّ في الحساسيات الجمالية؛ غير أن العقيدة الليبرالية لم تدّعِ قط أي تأثير في هذا الصدد.)

غير أن جميع الحجج المؤيِّدة للحرية الفكرية تنطبق أيضًا على قضية حرية فعل الأشياء، أي حرية الفعل. فالخبرات المتنوّعة التي تؤدّي إلى اختلافات الرأي التي ينشأ منها النموّ الفكري هي بدورها نتيجة الأفعال المختلفة التي يقوم بها أناس مختلفون في ظروف مختلفة. وكما في المجال الفكري، كذلك في المجال المادي، تُعدّ المنافسة أنجع إجراء للاكتشاف يفضي إلى إيجاد سبل أفضل لمتابعة الأهداف الإنسانية. فلا وجود لذلك التنوّع من الخبرة والمعرفة والمهارة الفردية إلا حين يكون بالإمكان تجريب عدد كبير من الطرق المختلفة لفعل الأشياء، بحيث يفضي الاصطفاء المستمر للأنجح إلى تحسّن مطّرد. ولمّا كان الفعل هو المصدر الرئيسي للمعرفة الفردية التي تقوم عليها العملية الاجتماعية لتقدّم المعرفة، فإن قضية حرية الفعل لا تقلّ قوةً عن قضية حرية الرأي. وفي مجتمع حديث قائم على تقسيم العمل والسوق، تنشأ معظم الأشكال الجديدة للفعل في المجال الاقتصادي.

غير أن ثمة سببًا آخر يجعل حرية الفعل، ولا سيما في المجال الاقتصادي الذي كثيرًا ما يُصوَّر على أنه ذو أهمية ثانوية، في الواقع لا تقلّ أهميةً عن حرية الذهن. فإذا كان الذهن هو الذي يختار غايات الفعل الإنساني، فإن تحقيقها يتوقّف على توافر الوسائل المطلوبة، وأي سيطرة اقتصادية تمنح سلطانًا على الوسائل تمنح أيضًا سلطانًا على الغايات. فلا حرية للصحافة إذا كانت أدوات الطباعة تحت سيطرة الحكومة، ولا حرية للتجمّع إذا كانت القاعات اللازمة خاضعة لهذه السيطرة، ولا حرية للتنقّل إذا كانت وسائل النقل احتكارًا حكوميًا، وهكذا. وهذا هو السبب في أن التوجيه الحكومي لكل نشاط اقتصادي، الذي كثيرًا ما يُضطلَع به على أمل عقيمٍ بتوفير وسائل أوفر لكل الأغراض، قد جلب على نحو لا يتخلّف قيودًا شديدة على الغايات التي يمكن للأفراد متابعتها. ولعل أهم درس في التطوّرات السياسية للقرن العشرين هو أن السيطرة على الجزء المادي من الحياة قد منحت الحكومة، في ما تعلّمنا أن نسمّيه النُّظم الشمولية، سلطات بعيدة المدى على الحياة الفكرية. إنها تعدّدية الأجهزة المختلفة والمستقلة المستعِدّة لتوريد الوسائل هي ما يُمكّننا من اختيار الغايات التي سنتابعها.

APPARATUS

References

The best accounts of the liberal movement will be found in some of the histories of the major European countries during the nineteenth century, such as E. Halévy, Histoire du peuple anglais au XIXe siècle, 6 vols, Paris, 1912 32, trans. as History of the English People, London, 1926, etc.; and F. Schnabel, Deutsche Geschichte im neunzehnten Jahrhundert, vol. II, Freiburg, 1933. The fullest survey of the development of the ideals of liberalism is G. de Ruggiero, Storia des liberalismo europea, Bari, 1925, trans. by R. G. Collingwood as The History of European Liberalism, Oxford, 1927, which contains an extensive bibliography to which reference must be made for all the works of an earlier date, including the classical works of the founders of modern liberalism. The following list gives in chronological order the more important works of later date dealing with the history of liberal ideas and movements and the present state of liberal doctrine.

  • Martin, B. Kingsley, 1926, French Liberal Thought in the Eighteenth Century, London; new ed. 1954.

  • Mises, L. von, 1927, Liberalismus, Jena.

  • Croce, B., 1931, Etica e Politica, Bari.

  • Laski, H., 1931, The Rise of European Liberalism, London.

  • Pohlenz, M., 1935, Die griechische Freiheit, Heidelberg; trans. as The Idea of Freedom in Greek Life and Thought, Dordrecht, 1963.

  • Lippmann, W., 1937, An Inquiry into the Principles of the Good Society, Boston and London.

  • Sabine, G. H., 1937, A History of Political Theory, New York.

  • McIlwain, C. H., 1939, Constitutionalism and the Changing World, New York.

  • Hallowell, J. H., 1943, The Decline of Liberalism as an Ideology, Berkeley, Calif.

  • Slesser, H., 1943, A History of the Liberal Party, London.

  • Roepke, W., 1944, Civitas Humana, Zürich.

  • Diez del Corral, L., 1945, El Liberalismo doctrinario, Madrid.

  • Popper, K. R., 1945, The Open Society and Its Enemies, London.

  • Rüstow, A., 1945, Das Versagen des Wirtschaftsliberalismus als religionssoziologisches Problem, Zürich.

  • Federici, F., 1946, Der deutsche Liberalismus, Zürich.

  • Watkins, F., 1948, The Political Tradition of the West, Cambridge, Mass.

  • Wormuth, F. D., 1949, The Origin of Modern Constitutionalism, New York.

  • Polanyi, M., 1951, The Logic of Liberty, London.

  • Eucken, W., 1952, Grundsätze der Wirtschaftspolitik, Tübingen.

  • Robbins, L. C., 1952, The Theory of Economic Policy in English Classical Political Economy, London.

  • Talmon, J. L., 1952, The Origins of Totalitarian Democracy, London.

  • Cranston, M., 1953, Freedom, London.

  • Lübtow, U. von, 1953, Blüte und Verfall der römischen Freiheit, Berlin.

  • Neill, T. P., 1953, Rise and Decline of Liberalism, Milwaukee, Wis.

  • Thomas, R. H., 1953, Liberalism, Nationalism and the German Intellectuals, Chester Springs, Pa.

  • Mayer-Maly, T., 1954, ‘Rechtsgeschichte der Freiheitsidee in Antike und Mittelalter’, Österreichische Zeitschrift für öffentliches Recht, N.F.VI.

  • Hartz, L., 1955, The Liberal Tradition in America, New York.

  • Bullock, A., and Shock, M., 1956, The Liberal Tradition from Fox to Keynes, London.

  • Wirszubski, C., 1956, Libertas as a Political Ideal at Rome, Cambridge.

  • Feuer, L. S., 1958, Spinoza and the Rise of Liberalism, Boston.

  • Grifò, G., 1958, ‘Su alcuni aspetti della libertà in Roma’, Archivo Giuridico ‘Filippo Serafini’, 6 serie XXIII.

  • Grampp, W. D., 1960, The Manchester School of Economics, Stanford, Calif.

  • Hayek, F. A., 1960, The Constitution of Liberty, London and Chicago.

  • Friedmann, M., 1962, Capitalism and Freedom, Chicago.

  • Macpherson, C. B., 1962, The Political Theory of Possessive Individualism: Hobbes to Locke, Oxford.

  • Girvetz, H. K., 1963, The Evolution of Liberalism, New York.

  • Schapiro, J. S., 1963, Condorcet and the Rise of Liberalism, New York.

  • Wheeler, 1963, The Rise and Fall of Liberal Democracy, Santa Bárbara, Calif.

  • Grampp, W. D., 1965, Economic Liberalism, New York.

  • Böhm, F., 1966, ‘Privatrechtsgesellschaft und Marktwirtschaft’, in Ordo, XVII.

  • Lucas, J. R., 1966, Principles of Politics, Oxford.

  • Vincent, John, 1966, The Formation of the Liberal Party 1857–1868, London.

  • Selinger, M., 1968, The Liberal Politics of John Locke, London.

  • Cumming, R. D., 1971, Human Nature and History, a Study of the Development of Liberal Thought, Chicago.

  • Douglas, R., 1971, The History of the Liberal Party 1890–1970, London.

  • Hamer, D. A., 1972, Liberal Politics in the Age of Gladstone and Rosebery, Oxford.

APA
Chicago
German historical style