يحدد مقال المعجم «السوق» (Markt) لـ Ludwig von Mises السوقَ بوصفه العملية التي يُوجَّه بها الإنتاج، في اقتصاد قائم على تقسيم العمل، نحو أشد حاجات المستهلكين إلحاحاً. والأطروحة الموجِّهة هي سيادة المستهلكين: فالربح والخسارة يوجّهان التصرف في وسائل الإنتاج إلى أيدي من يستخدمونها على أنفع وجه في خدمة المستهلكين. ويعالج Mises في ستة أقسام عملية السوق، والاحتكار والمنافسة، والمضاربة بوصفها سمة أساسية لكل نشاط اقتصادي، ووحدة جميع الأسواق الجزئية (بورصة الأوراق المالية، سوق العمل)، والربح والخسارة بوصفهما ظاهرة مواءمة إزاء التوازن الساكن، فضلاً عن تفاوت الدخل والثروة بوصفه ثمرة لسلوك المستهلكين. وينأى بنفسه عن المواقف التدخلية والاشتراكية، ويناقش سياسة Keynes في التشغيل الكامل ومطالب «البيان الشيوعي» (Kommunistisches Manifest). ويختتم بثبت مرجعي.
عملية السوق
يُطلق علم الاقتصاد الوطني اسم «السوق» على العملية التي تُوجَّه من خلالها عملية الإنتاج، في الاقتصاد القائم على تقسيم العمل والمستند إلى الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج (اقتصاد السوق)، نحو المسارات التي تخدم على أفضل وجه إشباع أكثر حاجات المستهلكين إلحاحاً.
المستهلكون هم أصحاب السيادة. فهم، بشرائهم أو امتناعهم عن الشراء، يقرّرون ربح المنظِّمين أو خسارتهم. والربح والخسارة يوجِّهان السلطة على وسائل الإنتاج إلى أيدي أولئك الذين يُحسِنون استخدامها على النحو الأكثر ملاءمة في خدمة المستهلكين. والملكية لوسائل الإنتاج هي في اقتصاد السوق، بوجهٍ ما، تفويضٌ اجتماعي يُنتزَع من المُفوَّض إليه إذا لم يمتثل للتعليمات المتغيّرة الصادرة عن مُوكِّليه، أي المستهلكين.
يكون العمل التجاري مُربِحاً إذا خدم تزويد المستهلكين على أفضل وجه ممكن. ويكون غير مُربِح إذا فضّل المستهلكون استخداماً آخر لوسائل الإنتاج المعنية. وإنشاء تضادٍّ بين الربحية والإنتاجية أمرٌ عديم المعنى ما دام المرء يبقى في إطار اقتصاد السوق ولا يضع سيادة المستهلكين موضع تساؤل. ومن يصف عملاً تجارياً مُربِحاً بأنه غير مُنتِج فإنما يضع رأيه الخاص حول ما ينبغي إنتاجه واستهلاكه فوق رأي أطراف السوق. إنه يدّعي لنفسه معرفةً أفضل بما ينفع المستهلكين مما يعرفونه هم أنفسهم. وهو بذلك يُلبِس حكمه الشخصي صيغةً تجعله يبدو حقيقةً صالحةً للجميع وقاعدةً للحياة. وحين يطالب بأن تتّخذ سلطة الدولة إجراءات قسرية لفرض الإنتاجية في وجه مجرّد الربحية، فإنه يفترض ضمناً أن أحكام الجميع حول ما هو مُنتِج وما هو غير مُنتِج متطابقة، وأن تصوّره الخاص سيكون أيضاً تصوّر السلطة الحاكمة.
دأب الناس في وصف مجريات السوق على الحديث عن اللعب الحرّ للقوى الاقتصادية. وثمة صورة أخرى كثيراً ما تُستخدَم لتوصيف السوق هي صورة الآلية الذاتية. فيُقابَل بآليةٍ ذاتية يُزعَم أنها تعمل عمياء التدخّلُ الواعي للسلطة المخطِّطة بحكمة. ومثل هذه العبارات المجازية تُعتِم على واقع الحال. فجميع ظواهر السوق هي نتيجة المساعي الموجَّهة نحو أفضل تغطية ممكنة لاحتياجات كلِّ من يريد أن يشتري أو يبيع في السوق. ومن الخطأ أن تُوصَم أفعال الأفراد هذه بأنها سلوك غير واعٍ بمقابلتها بالتدخّل الواعي للسلطة الحاكمة.
البشر ليسوا معصومين عن الخطأ، حتى في أفعالهم الاقتصادية وامتناعاتهم. ولكلِّ امرئ أن يلوم تصرّف بني جنسه — مثل ولعهم بالمشروبات الكحولية، والعروض ذات الطابع المشبوه، ومباريات المصارعة والملاكمة وما إلى ذلك — وأن يحاول إقناعهم باستخدامٍ أكثر حكمةً لوسائلهم. غير أن المرء لا يحلّ بأيّ حال المشكلات النابعة من قصور العقل البشري إذا استبدل بالسوق اقتصاداً مخطَّطاً ووضع الأفراد تحت وصاية السلطة الحاكمة. فالملوك والقادة والموظفون هم أيضاً بشر وقد يُخطئون. إن الحرية التي يمنحها السوق للفرد قد يُشكَّك فيها من منطلقاتٍ ميتافيزيقية. لكنها تجسّد، في ميدان تغطية الاحتياجات، مثالَ الحرية الذي يشكّل جوهر حضارة الغرب ويميّزها من حيث المبدأ عن نمط الحياة الشرقي. وبهذا المعنى فإن السوق، الخاضع في نهاية المطاف لسيطرة المستهلكين، عنصرٌ جوهري من النظام الاجتماعي الحديث ومن الحضارة الحديثة.
إن المنشآت الحكومية والبلدية، التي تعمل في إطار نظامٍ اجتماعي يقوم فيما عدا ذلك على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، تعتمد على السوق تماماً مثلما تعتمد المشروعات الخاصة. فعليها أن تندمج في حركة السوق بوصفها مشترية (للمواد الخام، والمنتجات نصف المصنّعة، والأدوات، والعمل) وبائعة (للسلع أو الخدمات)، وعليها، كي تصمد، أن تسعى إلى تحقيق الأرباح وتجنّب الخسائر. والمحاولات الرامية إلى تخفيف هذا الاعتماد أو إلغائه عبر تغطية خسائر التشغيل ورأس المال للمشروعات العامة من خلال إعاناتٍ من أموال الضرائب، لا تفعل سوى نقل نقاط ارتكاز ردِّ فعل السوق. فالذي يقرّر، في نهاية المطاف، من يتحمّل عبء الرسم وكيف يؤثّر على الإنتاج، وتزويد السلع، وإدارة رأس المال، وتكوّن الدخل، ليس الدولةَ التي تجبي الضرائب، بل آليّةُ السوق. وهكذا تتجلّى هنا أيضاً سيادة المشترين وحتمية قوانين السوق. وحين يتحدّث المرء عن قطاعٍ رأسمالي خاص وقطاعٍ حكومي في الاقتصاد الوطني، فلا ينبغي أن ينسى أن القطاع الحكومي أيضاً يعتمد على السوق.
الاحتكار والمنافسة
إن النزعة السائدة في السوق نحو مواءمة الإنتاج لرغبة المستهلكين على أفضل وجه ممكن لا يفشل ظهور أثرها الكامل إلا في حالةٍ واحدة، هي حالة سعر الاحتكار. ولكي يصبح سعر الاحتكار ممكناً، لا يكفي أن يكون عرض سلعة أو خدمة محتكَراً. بل يجب أن ينضاف إليه تشكّلٌ خاص للطلب. فعلى المستهلكين أن يُقدِّروا السلعة المحتكَرة تقديراً عالياً بحيث إنهم، عند رفع سعرها فوق سعر المنافسة المحتمَل، لا يقلّلون مشترياتهم إلى الحدّ الذي يجعل البائع في وضعٍ أسوأ مما لو باع بسعر المنافسة [→Monopol].
قد يوضّح مثالٌ أثرَ أسعار الاحتكار. فعند أسعار المنافسة للنحاس، تسود النزعة إلى استغلال المناجم حتى النقطة التي لا يعود فيها الاستغلال الإضافي يغطّي النفقة الإضافية لوسائل الإنتاج المادية والبشرية المكمِّلة. أما عند أسعار الاحتكار للنحاس، فيُقطَع الاستغلال عند نقطةٍ أبكر. ووسائل الإنتاج المكمِّلة غير النوعية التي يُوفَّر استخدامها بذلك تُستخدَم في موضعٍ آخر لإنتاج موادّ كانت ستفوت المستهلكين لولا ذلك. غير أن المستهلكين كانوا سيفضّلون تزويداً أفضل بالنحاس على التزويد بهذه الموادّ الأخرى.
تنزع أسعار السوق في كلِّ حالة نحو وضعٍ يتطابق فيه الطلب والحاجة. وعند هذا السعر، الذي سمّاه الكلاسيكيون السعر الطبيعي، وسمّاه أوائل الذاتيين سعر التوازن، والذي نفضّل نحن أن نسمّيه السعر النهائي، يستطيع كلُّ من يريد أن يشتري أن يشتري، وكلُّ من يريد أن يبيع أن يبيع. لكن لمّا كانت العوامل المحدِّدة للأسعار خاضعةً لتغيّرات مستمرّة، فإن السعر النهائي في الواقع — على خلاف الصورة الذهنية للاقتصاد المتجانس (اقتصاد التوازن الساكن) — يتغيّر مراراً وتكراراً قبل أن يكون سعر السوق قد بلغه.
يزعم الكتّاب التدخّليون والاشتراكيون أن نظرية السوق والأسعار التي طوّرها علماء الاقتصاد الوطني لا تسري إلا على أوضاع اقتصادٍ مؤلَّف من منشآت صغيرة ومتوسطة. أما المشروعات الكبرى التي تميِّز «الرأسمالية المتأخّرة» فتكون من القوة بحيث تستطيع أن تفرض إرادتها على المستهلكين. وإزاء هذه المنشآت العملاقة لا يمكن أن توجد منافسة. وبقدر ما يمتدّ نطاقها، لا يبقى ثمة شيء يقابل ما سمّاه علم الاقتصاد الوطني سوقاً.
عند مطلع القرن العشرين، كانت شركات السكك الحديدية تُعدّ المثال النموذجي لمثل هذه المشروعات الكبرى التي لا يمكن أن تنشأ في وجهها منافسة. غير أن تلك القوة المزعومة التي لا تُقاوَم للسكك الحديدية لم تستطع أن تمنع، أو حتى أن تؤخّر، نشوء منافسين بالغي الخطورة، هما السيارات والطائرات. وحالما يظهر في السوق شيءٌ يروق المستهلكين أكثر مما تنتجه المشروعات الكبرى اليوم، ستتكرّر العملية نفسها. وكلما كان المشروع أكبر، كان اعتماده على السوق، أي على المستهلكين، أشدّ. ولذلك طوّرت المنشأة الكبرى أساليب لتحليل السوق والبحث المنهجي في رغبات المستهلكين [→Marktforschung].
كذلك يُظهِر تزايد المبالغ المنفَقة على استمالة الزبائن القوةَ الفائقة للمشترين [→Werbung].
لا تقوم المنافسة بين أولئك الذين يعرضون السلعة نفسها للبيع فحسب، بل أيضاً بين أولئك الذين يريدون بيع سلعٍ مختلفة. فالمبالغ التي يُنفِقها المستهلك على شراء سلعةٍ ما تنتقص من المبالغ التي يستطيع إنفاقها على شراء سلعٍ أخرى. ويسعى جميع المنظِّمين إلى توجيه أكبر قدرٍ ممكن من الأموال المتاحة لدى الجمهور إلى خزائنهم. وجميع السلع والخدمات في منافسةٍ مع سائر السلع والخدمات. ويُساء فهم جوهر →المنافسة حين يُنظَر إلى سعي المنتجين إلى «تمييز» منتجاتهم، أي إكسابها خصائص يُقصَد بها أن تجعلها تبدو في عيون الجمهور أكثر إغراءً من منتجات الآخرين، بوصفه تدابير يُراد بها صبغ المنافسة بصبغة «احتكارية». فالسعي إلى التفوّق على المنافسين عبر مثل هذا التمييز للمنتجات هو أحد أهمّ وسائل المنافسة. وهذا السعي بالذات هو الذي يُطلِق ويُبقي يقظةً تلك القوةَ الكامنة في السوق الرأسمالي والموجَّهةَ نحو التحسين المستمرّ لتغطية الاحتياجات.
المضاربة
يخدم النشاط الاقتصادي إشباع الحاجة المستقبلية. ولمّا كان لا يمكن التنبّؤ بشيءٍ بيقينٍ حول تشكّل المستقبل، فإن كلَّ فعلٍ موجَّه نحو تغطية الحاجات يقوم على تخميناتٍ وتوقّعات. وليست أفعال المنتجين وحدها مضارِبة، بل أفعال المستهلكين أيضاً. فالمستهلك الذي يشتري يحسب أن السلعة المُقتناة ستُشبِع حاجته المستقبلية على نحوٍ أفضل من سلعٍ أخرى أرجأ شراءها كي يتمكّن من شراء هذه السلعة بالذات. وكلُّ نشاطٍ اقتصادي، حتى نشاط المكتفي ذاتياً ونشاط مدير منظّمةٍ اشتراكية، هو →مضاربة. ومن يُنفِق الوقت والمال والجهد على التأهّل لمهنةٍ معيّنة فإنه يضارب كذلك. والمستقبل وحده هو الذي يقرّر ما إذا كان قد تصرّف على نحوٍ صحيح.
نسمّي «وضع السوق» مجموع →التوقّعات المتعلّقة بتشكّل أسعار المستقبل، سواءٌ مستقبل اللحظة التالية أو المستقبل الأبعد. وتُكوِّن أطراف السوق هذه التوقّعات انطلاقاً من معرفة الأسعار المدفوعة في آخر المبادلات المنجَزة، ومن تقدير التغيّرات التي ستُحدِثها فيها وقائع جديدة وقعت فعلاً أو يُتوقَّع وقوعها. ويُسَرّ كلُّ فردٍ حين تثبت صحّة التوقّعات التي وجّهت فعله، أو حين تتشكّل الأوضاع على نحوٍ أكثر مواتاةً مما كان قد توقّع. أما إذا تبيّن أنه كان من الأنسب التصرّف على نحوٍ آخر، فإن أولئك الذين أصابهم ضررٌ من جرّاء تقديرٍ خاطئ للوضع المستقبلي (مضاربةٍ فاشلة) يميلون إلى رفع المطالبة بأن تهبّ سلطة الدولة لنجدتهم. والمصدر الوحيد الذي يمكن أن تُقدَّم منه مثل هذه المساعدة الحكومية هو اقتطاع أرباح أولئك الذين ضاربوا على نحوٍ صحيح. وكلما تقدّمت هذه السياسة في معادلة الأرباح والخسائر، ازداد إعاقة السوق عن أداء وظيفته. وعندئذٍ يتعيّن على الدولة أن تتولّى مهمّة فرض الاتجاه على الإنتاج.
الأسواق الجزئية
السوق موحَّد وغير قابل للتجزئة. فجميع الأسعار مترابطة ويُحدِّد بعضها بعضاً. وكلُّ جزءٍ من السوق يعتمد على سائر الأجزاء ويؤثّر فيها بدوره. ولقد وُجِدت، ولا تزال توجد حتى اليوم، جماعاتٌ بشرية تعيش في اكتفاءٍ ذاتي تامّ خارج مجتمع التبادل الذي يشمل سائر العالم. لكن داخل نظام اقتصاد السوق، تكون جميع الأفعال مرتبطةً بالسوق ارتباطاً كامناً. فمن كان مكتفياً ذاتياً فيما يخصّ حاجاتٍ معيّنة يؤثّر في سعر السوق للسلع المعنية ويتأثّر به.
إن الأسواق الجزئية التي تُتبادَل فيها وسائل الإنتاج تعتمد على المستهلكين النهائيين تماماً مثلما تعتمد الأسواق الجزئية لمختلف السلع الجاهزة للاستعمال والاستهلاك [→ Märkte]. وينطبق الأمر نفسه على أسواق الأوراق المالية. فأسواق الأوراق المالية تقرّر توزيع السلع الرأسمالية المتاحة للاستثمار الإضافي على مختلف إمكانات الاستثمار. ورأس المال المتكوّن حديثاً، والأموال المتاحة لإعادة الاستثمار والمناظِرة لتكوين الاحتياطيات والإهلاكات التي أُجريت لاستبدال السلع الرأسمالية المستهلَكة في الإنتاج الماضي، تُوجَّه عبر →البورصة إلى مسارات الإنتاج التي تبدو، في رأي المضاربين، أكثرها مواتاةً من حيث الآفاق. وفي البورصة نفسها لا تنشأ أرباحٌ ولا خسائر. فالأرباح والخسائر في مبادلات تجارة الأوراق المالية إنما هي نتيجة استباقٍ صحيح أو خاطئ، عبر نشاط الاستثمار، لسلوك المستهلكين المستقبلي.
يعتمد تكوّن الأسعار في → سوق العمل على طلب المستهلكين النهائيين تماماً كما يعتمد عليه تكوّن الأسعار في سوق وسائل الإنتاج المادية. ولم يُشكَّك يوماً في ذلك بالنسبة إلى مداخيل نجوم المسرح والرياضيين المحترفين. غير أن الأمر ليس مختلفاً في السوق الذي تُحدَّد فيه أجور سائر الخدمات والأعمال الأخرى. ففي سوق العمل الحر، أي الذي لا تعرقله أي سلطة قسرية، تسود نزعة إلى تحديد أجور كل نوع من أنواع العمل على نحوٍ يجعل كل من يرغب في العمل بهذا الأجر يجد عملاً، وكل من يرغب في تشغيل عمال بهذا المعدّل يجد عمالاً. فسوق العمل الحر يسعى نحو التشغيل الكامل. وإذا ما فُرضت بأمرٍ حكومي أو بإجراءات قسرية من النقابات حدودٌ دنيا للأجور تتجاوز المعدلات السوقية المحتملة، نشأت بطالة دائمة لجزء من الباحثين عن عمل (بطالة مؤسسية).
وقد أقرّ بذلك أيضاً John Maynard Keynes. وتكمن خصوصية سياسة التشغيل الكامل التي أوصى بها في أنها تسعى إلى إزالة البطالة المؤسسية لا عبر إعادة إرساء سوق العمل الحر، بل عبر زيادة كمية النقود. وقد انطلق Keynes في ذلك من توقّع أنّ خفضاً تدريجياً «تلقائياً» للأجور الحقيقية، يتحقق بفعل ارتفاع الأسعار التضخمي مع الإبقاء على الأجور النقدية الاسمية، سيلاقي مقاومةً أقل من جانب متقاضي الأجور مقارنةً بالمحاولات الصريحة لتكييف الأجور النقدية مع السوق. وأمّا إن كان هذا التوقّع صائباً، فقد يُشكَّك فيه نظراً إلى الشعبية التي بلغها أسلوب الأرقام القياسية.
الربح والخسارة
في الصورة الذهنية للاقتصاد المتجانس أو الساكن يكون سعر كل منتَج مساوياً لمجموع الأسعار المنفقة على وسائل الإنتاج المكمِّلة، بما في ذلك الفائدة المقابلة لزمن الإنتاج اللازم. ومن ثمّ لا توجد أرباح ولا خسائر. أمّا في الاقتصاد الواقعي المتغيّر باستمرار فينشأ على الدوام تفاوتٌ بين العرض والحاجة. ولرفع هذا التفاوت لا بدّ من إعادة تكييف الإنتاج مع الظروف المتغيّرة. ومن عملية التكييف هذه تنبثق أرباح أصحاب المشاريع أو خسائرهم.
الأرباح أو الخسائر نتيجةٌ لكون تكييف الإنتاج مع الوضع الجديد لا يتمّ دفعةً واحدة في منظومة السوق بأكملها. فأصحاب المشاريع الذين تنبّأوا بالتغيّر تنبؤاً صائباً وتصرّفوا وفقه يحقّقون فوائض، لأنهم من جهة يحصلون على أسعار أعلى للمنتَج، ومن جهة أخرى ما زالوا قادرين على شراء وسائل الإنتاج بالأسعار المنخفضة المقابلة للوضع السابق. وفي سياق تطوّر الأحداث ينضب كلا مصدري ربحهم. فزيادة إنتاج السلعة المربحة تخفض سعرها، وفي الوقت نفسه ترتفع أسعار وسائل الإنتاج المكمِّلة. ولو لم تطرأ تغيّرات أخرى لاستقرّ توازنٌ ساكن لا توجد فيه أرباح ولا خسائر. ففي السوق تسود نزعة إلى إزالة الأرباح والخسائر. ولا يكون الربح والخسارة ظاهرتين دائمتين إلا لأنّ هناك على الدوام تغيّراً في المعطيات الاقتصادية، ولأنّ الاقتصاد المتجانس ليس سوى صورة ذهنية لا يطابقها الواقع الحي أبداً. فالربح والخسارة هما بمعنى ما مكافأةٌ وعقاب يقدّرهما المستهلكون مقابل إشباع رغباتهم على نحوٍ أسرع أو أبطأ.
سيكون من غير الملائم أن نَصِف ظهور أرباح أصحاب المشاريع وخسائرهم بأنه ظاهرة انتقالية أو ظاهرة احتكاك، وأن نَصِف غيابها بأنه الحالة المثلى للاقتصاد [→دخل المقاوِل]. فالسعي الذي لا ينقطع إلى تحسين تلبية الحاجات سمةٌ مميِّزة للإنسان. وحالة التوازن التي يتحدث عنها الاقتصاد السياسي ليست هدفاً يبدو بلوغه مرغوباً من أي وجهة نظر كانت. إنها وسيلةٌ ذهنية معينة يُراد بها إيصال إدراك الواقع المختلف الطبيعة. وثمة تحيّز سياسي حين يُسمَّى السوق الذي لا يسوده توازنٌ ساكن سوقاً ناقصاً، ويُسمَّى التنافس الجاري في هذا السوق تنافساً ناقصاً أو →تنافساً غير كامل.
تفاوت المداخيل والثروات
في النظام الاجتماعي القائم على الغزو والاستيلاء بالقوة على الأرض، وهو النظام الذي يسمّيه Adam Ferguson وClaude Henry de Rouvroy de Saint-Simon وHerbert Spencer عسكرتاريةً وتسمّيه الكتابات الأنجلوسكسونية المعاصرة إقطاعاً، يكون التفاوت في توزيع ملكية الأرض ذا منشأ سياسي. فالمرء غني أو فقير بحسب ما خصّه به الغازي أو خلفاؤه كثيراً أو قليلاً. ولا يمكن إحداث تغيير في توزيع الملكية إلا بإجراءات سياسية.
في اقتصاد السوق تسود نزعة إلى وضع وسائل الإنتاج في تصرّف أولئك الذين يُحسنون استخدامها على أفضل وجه بما يخدم المستهلكين. والتفاوت في مقدار المداخيل والثروات هو نتيجة سلوك المستهلكين. فهم الذين يجعلون البعض أغنياء والبعض الآخر فقراء. وإذا أراد المرء بكل تأكيد التمسّك بتعبير «توزيع المداخيل والثروات»، وهو تعبيرٌ يصوّر واقع الحال في اقتصاد السوق تصويراً مقلوباً، فعليه أن يكون واعياً بأنّ التوزيع يقوم به المستهلكون، وهم في ذلك معنيّون حصراً برعاية مصالحهم الخاصة على أفضل نحوٍ ممكن. وقد يصحّ في النظام الاجتماعي العسكرتاري أنّ عوز الفقراء هو الوجه المقابل لوفرة الأغنياء. أمّا في اقتصاد السوق فإنّ نموّ ثروة الأغنياء وانكماش ثروة آخرين هما نتيجة تحسّنٍ في تلبية حاجات سائر أفراد المجتمع. فالعمليات التي ترفع مستوى المعيشة المتوسط هي ذاتها التي تجعل الثروات الكبيرة تنشأ وتزول. والرأي الذي يرى في تكوّن الثروات الكبيرة إضراراً برفاهية سائر أبناء الشعب يجهل جوهر اقتصاد السوق. فمصدر الثروة في اقتصاد السوق هو رفع مستوى معيشة المستهلكين، والعكس بالعكس. والإجراءات الرامية إلى معادلة التفاوت في مقدار المداخيل والثروات تتمّ على حساب مستوى معيشة المستهلكين. ومن وجهة نظر مصالح المستهلكين يكون فرض الضريبة على خسائر الأعمال أجدر بالتبرير من فرضها على أرباح الأعمال. فتفاوت الثروات والمداخيل عنصرٌ جوهري في اقتصاد السوق. وقد أدرك Karl Marx وFriedrich Engels في «البيان الشيوعي» إدراكاً صائباً أنّ «الضريبة التصاعدية القوية» و«إلغاء حق الإرث» يؤدّيان إلى تدمير اقتصاد السوق.
تهدف السياسة التدخّلية الراهنة إلى مقاومة القرارات التي يتخذها المستهلكون في السوق. إنها تريد إلغاء السوق. وليس المرء واعياً دائماً في ذلك بأنّ السلطة لا بدّ أن تتولّى في نهاية المطاف توجيه عملية الإنتاج، وأن تُحلّ بذلك الاشتراكية محلّ اقتصاد السوق.
المراجع
Baudin, Louis: Le mécanisme des prix. Paris 1940. Clark, John Bates: Essentials of Economic Theory. New York 1907. Eucken, Walter: Die Grundlagen der Nationalökonomie. (Jena 1940) ⁶ Berlin, Göttingen u. Heidelberg 1950. Keynes, John Maynard: The General Theory of Employment, Interest and Money. London u. New York 1936, Neudr. 1951. [Allgemeine Theorie der Beschäftigung, des Zinses und des Geldes. Berlin u. München 1936, Neudr. Berlin 1952. Knight, Frank H.: The Economic Organization. New York 1951. Muthesius, Volkmar: Die Wirtschaft des Wettbewerbs. Wiesbaden 1948. v. Böhm-Bawerk, Eugen: Kapital und Kapitalzins. 2 Bde. (Innsbruck 1884-1889) ⁴ Jena 1921. v. Hayek, Friedrich A.: The Pure Theory of Capital. London (1941) ³ 1952. v. Mises, Ludwig: Human Action. New Haven (1949) ⁴ 1950. Wicksteed, Philip H.: The Common Sense of Political Economy. London 1910, Neudr. 1933.