Use Value and Exchange Value
1. طبيعة القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية
ما دام تطوُّر شعبٍ ما متخلِّفًا اقتصاديًا إلى حدٍّ لا يوجد معه قدرٌ ذو شأن من التجارة، وما دامت حاجات مختلف الأُسر إلى السلع يجب أن تُلبَّى مباشرةً من إنتاجها الخاص، فإن السلع لا تكون لها بداهةً قيمة لدى الأفراد المُقتصِدين إلا إذا كانت السلع نفسها قادرةً على إشباع حاجات الأفراد المُقتصِدين المنعزلين أو أُسرهم مباشرةً.77 لكن عندما يزداد البشر وعيًا بمصالحهم الاقتصادية، ويدخلون في علاقات تجارية بعضهم مع بعض، ويشرعون في مبادلة السلع بالسلع، ينشأ في النهاية وضعٌ تُكسِب فيه حيازةُ السلع الاقتصادية حائزيها القدرةَ على الحصول على سلع من أنواع أخرى عن طريق التبادل. وعندما يحدث هذا، لم يعد ضروريًا على الإطلاق، إذا أُريد للأفراد المُقتصِدين أن يضمنوا إشباع حاجاتهم، أن يكون تحت تصرفهم السلعُ المعينة الضرورية مباشرةً لإشباع حاجاتهم المعينة. ففي هذا الوضع الاجتماعي الأكثر تطورًا، يستطيع الأفراد المُقتصِدون بالطبع أن يضمنوا إشباع حاجاتهم كما في السابق عن طريق حيازة السلع المعينة التي تُحدِث، حين تُستخدَم مباشرةً، النتيجةَ التي نسميها إشباع حاجاتهم. لكنهم يستطيعون أيضًا، في الوضع الجديد، أن يُحدِثوا هذه النتيجة على نحوٍ غير مباشر عن طريق التحكم في سلع يمكن، وفقًا للوضع الاقتصادي القائم، مبادلتها بسلع أخرى يحتاجونها للإشباع المباشر لحاجاتهم. ومن ثَمَّ يزول الشرط الخاص لقيمة السلع الذي كان قائمًا في ظل اقتصاد الأسرة المنعزل.
رأينا أن القيمة هي الأهمية التي تكتسبها سلعةٌ بالنسبة إلينا حين نعي أننا معتمدون على التحكم فيها لإشباع إحدى حاجاتنا — أي حين نكون مدرِكين أن إشباعًا ما لن يتحقق لو لم يكن لدينا تحكُّمٌ في السلعة المعنية. وبدون استيفاء هذا الشرط يكون وجود القيمة غير قابل للتصور. لكن القيمة ليست مرتبطةً بشرط ضمانِ حاجاتنا ضمانًا مباشرًا دون غير المباشر. فلكي تكون لسلعةٍ قيمة، يجب أن تضمن إشباع حاجات لم تكن لتُلبَّى لو لم تكن تحت تصرفنا. أما ما إذا كانت تفعل ذلك على نحوٍ مباشر أم غير مباشر فأمرٌ غير ذي صلة البتة حين يكون السؤال عن وجود القيمة بالمعنى العام للكلمة. فجلدُ الدُّب الذي قتله الصيادُ المنعزل تكون له قيمة لديه فقط بقدر ما كان سيُضطر إلى التخلي عن إشباع حاجةٍ ما لو لم يكن الجلد تحت تصرفه. وبعد أن يدخل في علاقات تجارية، يكون للجلد قيمة لديه للسبب نفسه تمامًا. ولا يوجد بين الحالتين فرقٌ يمس بأيِّ حال الطبيعةَ الجوهرية لظاهرة القيمة. فالفرق الوحيد هو أن الصياد كان سيتعرض للتأثيرات الضارة للطقس، أو كان سيُضطر إلى التخلي عن إشباع حاجة أخرى يمكن استخدام الجلد لأجلها على نحوٍ مباشر لو لم يكن الجلد متاحًا له في الحالة الأولى، في حين كان سيُضطر إلى التخلي عن الإشباعات التي كان بمقدوره تحقيقها بواسطة سلع تحت تصرفه على نحوٍ غير مباشر (عن طريق التبادل) بفضل حيازته للجلد لو لم يكن الجلد متاحًا له في الحالة الثانية.
ومن ثَمَّ فإن قيمة الجلد في الحالة الأولى وقيمته في الحالة الثانية ليستا سوى شكلَين مختلفَين للظاهرة نفسها من ظواهر الحياة الاقتصادية. ففي كلتا الحالتين تكون القيمة هي الأهمية التي تكتسبها السلع لدى الأفراد المُقتصِدين حين يعي هؤلاء الأفراد أنهم معتمدون على التحكم فيها لإشباع حاجاتهم. وما يُضفي طابعًا خاصًا، في كلٍّ من الحالتين، على ظاهرة القيمة هو أن السلع تكتسب لدى الأفراد المُقتصِدين المتحكمين فيها الأهميةَ التي نسميها قيمةً عن طريق استخدامها مباشرةً في الحالة الأولى وعلى نحوٍ غير مباشر في الحالة الثانية. ومع ذلك فإن هذا الفرق على درجة كافية من الأهمية، في الحياة العادية وفي علمنا على وجه الخصوص، تستلزم مصطلحًا محدَّدًا لكلٍّ من الشكلَين لظاهرة القيمة العامة الواحدة. وهكذا نسمي القيمة في الحالة الأولى قيمةً استعمالية، وفي الحالة الثانية نسميها قيمةً تبادلية.
القيمة الاستعمالية، إذن، هي الأهمية التي تكتسبها السلع لدينا لأنها تضمن لنا مباشرةً إشباع حاجات لم تكن لتُلبّى لو لم تكن هذه السلع تحت تصرفنا. أما القيمة التبادلية فهي الأهمية التي تكتسبها السلع لدينا لأن حيازتها تضمن النتيجة نفسها بطريقة غير مباشرة.
2. العلاقة بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية للسلع
في اقتصاد منزلي معزول، إما أن تكون للسلع الاقتصادية قيمة استعمالية أو ألّا تكون لها قيمة على الإطلاق لدى الأفراد المُقتصِدين الذين يملكونها. غير أنه حتى في مجتمع بلغ درجةً معتبرةً من التطور الثقافي ويسوده نشاط تجاري حيّ، يمكن أن نلاحظ مرارًا سلعًا اقتصادية لا قيمة تبادلية لها لدى الأفراد المُقتصِدين الذين يملكونها، مع أن قيمتها الاستعمالية لدى هؤلاء الأشخاص أنفسهم لا يرقى إليها الشك.
إن عُكّازات شخصٍ مشوّه على نحو خاص، والمذكرات التي لا يستطيع استعمالها سوى الكاتب الذي دوّنها، والوثائق العائلية، والكثير من السلع المماثلة، كثيرًا ما تكون لها قيمة استعمالية معتبرة لدى أفراد بعينهم. غير أن هؤلاء الأفراد أنفسهم سيحاولون عبثًا، في معظم الحالات، أن يُشبعوا أيًّا من حاجاتهم بهذه السلع بطريقة غير مباشرة، أي عن طريق التبادل. وفي حضارة متطورة، تحدث العلاقة المعاكسة على نحوٍ أكثر تواترًا بكثير. فالنظارات والأجهزة البصرية التي يحتفظ بها تاجر السلع البصرية في مخزونه ليس لها عادةً قيمة استعمالية لديه، تمامًا كما أن الأدوات الجراحية ليس لها قيمة استعمالية لدى من ينتجونها ويطرحونها في السوق، وكما أن الكتب باللغات الأجنبية التي لا يفهمها سوى قلّة من العلماء ليس لها قيمة استعمالية لدى باعة الكتب. ولكن هذه السلع جميعها، نظرًا إلى فرص التبادل الممكنة، تكون لها عادةً قيمة تبادلية محددة لدى هؤلاء الأشخاص.
في هذه الحالات وفي سائر الحالات التي تكون فيها للسلع الاقتصادية إما قيمة استعمالية وإما قيمة تبادلية، لا كلتاهما، لدى الأشخاص الذين يملكونها، لا يمكن أن يُطرح السؤال عن أيٍّ من القيمتين هي المُحدِّدة في النشاط الاقتصادي للأفراد المعنيين. غير أن هذه الحالات ليست سوى استثناءات في الحياة الاقتصادية للناس. فعندما تتطور التجارة إلى أي قدر يُعتدّ به، يكون أمام الأفراد المُقتصِدين عادةً خيار بين استعمال السلع الاقتصادية التي تحت تصرفهم استعمالًا مباشرًا أو استعمالها استعمالًا غير مباشر لإشباع حاجاتهم. ولذلك تكون للسلع الاقتصادية عادةً قيمة استعمالية وقيمة تبادلية معًا لدى مالكيها. فمعظم الملابس وقطع الأثاث والحُليّ وآلاف السلع الأخرى التي في حوزتنا لها بلا ريب قيمة استعمالية لدينا. ولكن من المؤكد بالقدر نفسه أننا نستطيع أيضًا أن نطبّقها بطريقة غير مباشرة لإشباع حاجاتنا متى تطورت التجارة، وأنها بذلك تكون لها أيضًا في الوقت نفسه قيمة تبادلية لدينا.
صحيح، كما رأينا، أن أهمية السلع لدينا من حيث الاستعمال المباشر ومن حيث الاستعمال غير المباشر لإشباع حاجاتنا ليستا سوى صورتين مختلفتين لظاهرة قيمة عامة واحدة. ولكن قد تختلف أهميتها لدينا في الوقت نفسه اختلافًا كبيرًا في الدرجة بين الصورتين. فالكأس الذهبية ستكون لها بلا ريب قيمة تبادلية عالية لدى رجل فقير ربحها في يانصيب. فبفضل هذه الكأس سيكون في وُسعه (بطريقة غير مباشرة، عن طريق التبادل) أن يُشبع حاجات كثيرة لم تكن لتُلبّى لولا ذلك. أما قيمتها الاستعمالية لديه فلا تكاد تستحق الذكر على الإطلاق. وفي المقابل، فإن زوجًا من النظارات مضبوطًا بدقة على عينَي صاحبه يكون له على الأرجح قيمة استعمالية معتبرة لديه، في حين أن قيمته التبادلية تكون عادةً ضئيلة جدًّا.
من المؤكد إذن أنه يمكن ملاحظة حالات عديدة في الحياة الاقتصادية للناس تكون فيها للسلع الاقتصادية قيمة استعمالية وقيمة تبادلية في وقت واحد لدى الأفراد المُقتصِدين الذين يملكونها، وأن صورتَي القيمة كثيرًا ما تكونان متفاوتتَي المقدار. والسؤال الذي يُطرح هو: أيٌّ من هذين المقدارين هو، في أي حالة بعينها، المقدار الذي يُحدِّد الحسابات الاقتصادية للناس وأفعالهم؛ أو بعبارة أخرى، أيٌّ من صورتَي القيمة هو الصورة الاقتصادية للقيمة في الحالة المعنية.
يَنشأ حلّ هذا السؤال من التأمّل في طبيعة الاقتصاد البشري وفي طبيعة القيمة. إن الفكرة المُوجِّهة في كل نشاط اقتصادي للناس هي إشباع حاجاتهم على أكمل وجه ممكن. فإذا كانت إشباعات أكثر أهمية لفردٍ مُقتصِد مضمونةً بالاستعمال المباشر لسلعةٍ ما أكثر مما هي مضمونة باستعمالها غير المباشر، فإن من ذلك يلزم أن حاجات أكثر أهمية للفرد ستبقى دون إشباع لو استعمل السلعة بطريقة غير مباشرة لإشباع حاجاته أكثر مما لو استعملها استعمالًا مباشرًا. ولا يمكن أن يكون ثمة شك في أن القيمة الاستعمالية للسلعة في هذه الحالة ستكون المُحدِّدة في الحسابات الاقتصادية للفرد المُقتصِد المعني وفي أفعاله، وأنها في الحالة العكسية ستكون القيمة التبادلية. ففي الحالة الأولى، تكون الإشباعات المضمونة بالاستعمال المباشر للسلعة هي ما سيختاره الفرد المُقتصِد لو كانت تحت تصرفه؛ وفي الحالة الثانية، تكون الإشباعات المضمونة بالاستعمال غير المباشر للسلعة هي ما سيختاره لو كانت تحت تصرفه؛ ومن ثمّ تكون في كل حالة الإشباعات التي كانت ستتحقق لولا ذلك هي ما سيُضطرّ إلى التخلّي عنه لو لم تكن السلعة المعنية تحت تصرفه. وعليه، ففي كل الحالات التي تكون فيها للسلعة قيمة استعمالية وقيمة تبادلية معًا لدى مالكها، تكون القيمة الاقتصادية هي الأكبر منهما. ولكن مما قيل في الفصل الرابع، يتّضح، في كل حالة تتوافر فيها الأُسس لتبادل اقتصادي، أن القيمة التبادلية للسلعة هي القيمة الاقتصادية، وأنه حين لا يكون الأمر كذلك تكون القيمة الاستعمالية هي القيمة الاقتصادية.
3. التغيرات في مركز الثقل الاقتصادي لقيمة السلع
إن من أهم مهامّ الناس المُقتصِدين إدراكَ القيمة الاقتصادية للسلع، أي أن يكونوا في كل حين على وضوح بشأن ما إذا كانت قيمتها الاستعمالية أو قيمتها التبادلية هي القيمة الاقتصادية. فعلى هذه المعرفة يتوقّف تحديدُ أيِّ السلع أو أيِّ أجزاء منها ينبغي الاحتفاظ بها، وأيُّها يكون من مصلحة المرء الاقتصادية الفُضلى أن يعرضه للبيع. غير أن الحكم على هذه العلاقة حكمًا صحيحًا هو من أصعب مهامّ الاقتصاد العملي، لا لأن الأمر يقتضي مسحًا لجميع فرص الاستعمال والتبادل المتاحة حتى في الأسواق المتطورة جيدًا فحسب، بل قبل كل شيء لأن العوامل التي يتعيّن أن يُبنى عليها حلٌّ صحيح لهذه المشكلة عُرضةٌ لجملة من التغيرات. ومن الواضح أن كل ما يُنقِص القيمة الاستعمالية لشيءٍ ما لدينا قد يؤدي، مع تساوي سائر الأشياء، إلى أن تصبح القيمة التبادلية للسلعة هي الصورة الاقتصادية للقيمة، وأن كل ما يزيد القيمة الاستعمالية لسلعةٍ ما لدينا يمكن أن يكون من أثره دفعُ دلالة قيمتها التبادلية إلى الخلفية. وأما زيادةُ القيمة التبادلية لسلعةٍ ما أو نقصانُها فيكون له، مع تساوي سائر الأشياء، الأثر المعاكس.
وأما الأسباب الرئيسية للتغيرات في الصورة الاقتصادية للقيمة فهي كما يلي:
(1) التغيرات في أهمية الإشباع المعيّن الذي تُحقّقه السلعة للفرد المُقتصِد الذي يملكها، إذا ازدادت قيمتها الاستعمالية لديه أو نقصت بفعل التغيّر. فإذا فقد شخصٌ ميله إلى التبغ أو الخمر، اتّخذ المخزون من التبغ أو الخمر الذي في حوزته قيمةً تبادلية غالبة لديه. والناس الذين كانوا من هُواة الصيد أو الرياضة سيبيعون أدوات صيدهم وحيوانات صيدهم وما إلى ذلك، حين تفقد تسلياتهم أهميتها السابقة لديهم، إذ يكون نقصانُ القيمة الاستعمالية لهذه السلع قد جعل قيمتها التبادلية تبرز في الأهمية.
وتتّسم الانتقالات من مرحلة من مراحل الحياة إلى أخرى على وجه الخصوص بتغيرات من هذا النوع. فإشباع الرغبة الواحدة نفسها له معنًى لدى المراهق يختلف عن معناه لدى الرجل الناضج، ومعنًى لدى الرجل الناضج يختلف بدوره عن معناه لدى الشيخ الهَرِم. ولذلك، حتى لو لم توجد عوامل أخرى، لكان مجرى التطور البشري الطبيعي وحده كافيًا لأن يجعل القيمة الاستعمالية للسلع تخضع لتغيرات بالغة. فألعاب الطفل البسيطة تفقد قيمتها الاستعمالية لدى المراهق؛ والمواد الدراسية التي يستعملها المراهق تفقد قيمتها الاستعمالية لدى الرجل الناضج؛ والأدوات التي يكسب بها الرجل الناضج رزقه تفقد قيمتها الاستعمالية لدى الشيخ الهَرِم. وفي كل حالة، تصبح القيمة التبادلية للسلع المذكورة هي الغالبة. ولذلك فما من شيء أكثر شيوعًا من أن يبيع المراهق السلع التي كانت لها قيمة استعمالية غالبة لديه حين كان طفلًا. ونرى الناس عند دخولهم سنّ النضج يبيعون عمومًا لا الكثير من وسائل المتعة المناسبة للمراهقة فحسب، بل المواد الدراسية لشبابهم كذلك. ويمكن ملاحظة الشيوخ الهَرِمين وهم يدَعون لا الكثير من وسائل المتعة الخاصة بريعان أعمارهم مما يتطلب استعماله قوّةً وشجاعة فحسب، بل أيضًا الأدوات التي استعملوها في كسب رزقهم (المصانع والشركات التجارية وما إلى ذلك)، تنتقل إلى أيدٍ أخرى. وإذا كانت الظواهر الاقتصادية التي تبدو نتيجةً طبيعية لهذه الوقائع لا تظهر على السطح بالوضوح الذي قد نتوقّعه، فإن السبب في ذلك يُلتمَس في الحياة العائلية للناس. ذلك أن انتقال السلع من أفراد العائلة الأكبر سنًّا إلى حيازة الأفراد الأصغر سنًّا لا يحدث نتيجةً لتعويض نقدي، بل نتيجةً للمودّة. وهكذا تكون العائلة، بعلاقاتها الاقتصادية الخاصة، عاملًا جوهريًّا في استقرار العلاقات الاقتصادية البشرية.
أما الزيادات في القيمة الاستعمالية لسلعةٍ ما لدى مالكها فيكون لها بطبيعة الحال الأثر المعاكس. فمالك غابةٍ مثلًا، لا تكون للقطع السنوي من الأخشاب لديه سوى قيمة تبادلية، سيتوقّف على الأرجح في الحال عن مبادلة أخشابه بسلع أخرى إذا شيّد فرنًا عاليًا لصهر الحديد واحتاج إلى كامل إنتاج أرضه الحرجية لتشغيله. والمؤلف الذي كان فيما مضى يبيع عمله للناشرين لن يفعل ذلك في المستقبل إذا أسّس مجلته الخاصة، وهكذا دواليك.
(2) إن مجرّد التغيرات في خصائص سلعةٍ ما يمكن أن يُزحزح مركزَ ثقل أهميتها الاقتصادية إذا تبدّلت قيمتها الاستعمالية لدى المالك بفعل التغيّر، في حين تبقى قيمتها التبادلية إما من غير تبدّل وإما أنها لا ترتفع أو تنخفض بالقدر نفسه الذي ترتفع به قيمتها الاستعمالية أو تنخفض.
إن الملابس والخيول والكلاب والعربات والأشياء المماثلة تفقد عادةً قيمتها الاستعمالية لدى الأثرياء فقدانًا يكاد يكون تامًّا إذا كان بها عيب ظاهر للعيان. أما قيمتها التبادلية، وإن كانت قد نقصت هي الأخرى، فتبرز في الأهمية، لأن الخسارة في قيمتها الاستعمالية تكون عادةً أكبر لدى هؤلاء الأشخاص من الخسارة في قيمتها التبادلية.
وفي المقابل، تتبدّل السلع في كثير من الحالات على نحوٍ تتراجع فيه قيمتها التبادلية، التي كانت من قبلُ هي الصورة الاقتصادية للقيمة لدى الأفراد المُقتصِدين الذين يملكونها، إذا قُورنت بقيمتها الاستعمالية. فأصحاب الفنادق والبقّالون يستعملون عادةً الأطعمة التي بها بعض العيوب الظاهرة لاستهلاكهم الخاص، إذ إن العيب في هذه السلع يجعلها تفقد قيمتها التبادلية فقدانًا يكاد يكون تامًّا في حين تبقى قيمتها الاستعمالية كثيرًا ما على حالها، أو هي على أي حال لا تنقص بالقدر نفسه الذي تنقص به قيمتها التبادلية. ويمكن ملاحظة الظاهرة نفسها في مِهَنٍ أخرى. فالإسكافيون، وبخاصة في القرى الأصغر، كثيرًا ما يلبسون أحذية رديئة الملاءمة، والخياطون كثيرًا ما يلبسون ثيابًا غير محكمة القصّ، وصُنّاع القبّعات كثيرًا ما يلبسون قبّعات وقع في صنعها حادث طفيف.
(3) ننتقل الآن إلى السبب الثالث والأهم لتغيرات مركز الثقل الاقتصادي لقيمة السلع. وأقصد به الزيادات في كميات السلع المتاحة للأفراد المُدبِّرين اقتصاديًّا. إنَّ زيادة كمية سلعةٍ ما لدى شخصٍ ما تؤدي دائمًا تقريبًا، مع بقاء الأمور الأخرى على حالها، إلى تناقص القيمة الاستعمالية لكل وحدةٍ من السلعة بالنسبة إليه، وإلى ازدياد أهمية قيمتها التبادلية. فبعد الحصاد تكون القيمة التبادلية للحبوب، دون استثناءٍ تقريبًا، هي الشكل الاقتصادي للقيمة بالنسبة إلى المزارعين، وتظل كذلك إلى أن تعود قيمتها الاستعمالية لتصبح هي الأهم، نتيجةً لبيع أجزاءٍ متتالية من الحبوب. أمّا الحبوب التي لا يزال المزارعون يملكونها في الصيف فتكون قيمتها الاستعمالية هي الغالبة بالنسبة إليهم عمومًا. وقد بيّنتُ في موضعٍ آخر من هذا المؤلَّف (الفصل الرابع، القسم 2) عند أي حدٍّ تتراجع أهمية القيمة التبادلية للسلع إلى الخلفية بالمقارنة مع قيمتها الاستعمالية. فالوارث الذي يكون مزوَّدًا بالفعل بأثاثٍ كافٍ قبل أيلولة التركة إليه، ثم يجد في تركة موَرِّثه طقمًا كبيرًا آخر من الأثاث، تكون لديه قِطعٌ كثيرة من الأثاث ذات قيمةٍ استعمالية منخفضة جدًّا (بل قد لا يكون لبعضها أي قيمةٍ استعمالية على الإطلاق)، ومن ثَمَّ تكتسب قيمةً تبادلية غالبة. وسيظل الوارث يبيع قطع الأثاث إلى أن تصبح القطع الباقية في حوزته ذات قيمةٍ استعمالية غالبة من جديد.
ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ نقصان كمية سلعةٍ متاحة لفردٍ مُدبِّر اقتصاديًّا يؤدي عمومًا إلى ازدياد قيمتها الاستعمالية بالنسبة إليه، ومن ثَمَّ يجعل الكميات من السلعة التي كانت مخصَّصة من قبلُ للتبادل تكتسب الآن قيمةً استعمالية غالبة.
ومما له أهميةٌ خاصة في هذا الصدد أثرُ التغيرات في الثروة الكلية. فحين تكون العلاقات التجارية متطورةً تطورًا جيدًا، تكون زيادة الثروة أو نقصانها، بالنسبة إلى الفرد المُدبِّر اقتصاديًّا الذي يمرُّ بهذا التغير، مكافئةً لزيادةٍ أو نقصانٍ في كل نوعٍ بعينه تقريبًا من أنواع السلع الاقتصادية. فالرجل الذي يفتقر يُضطَر إلى الاقتصاد في إشباع جميع حاجاته تقريبًا. فبعض الحاجات سيُشبعها على نحوٍ أقل اكتمالًا، كمًّا أو كيفًا. وحاجاتٌ أخرى ربما لا يُشبعها على الإطلاق. فإن وُجد في حوزته بعد افتقاره أيٌّ من سلع الاستهلاك الأرقى أو من أصناف الترف التي كانت تُسهم من قبلُ في الإشباع المتناغم لحاجاته، لكنها لم تَعُد تتوافق مع ظروفه المتغيرة، فإنه إن كان فردًا مُدبِّرًا اقتصاديًّا سيبيعها كي يستخدم العائد منها في إشباع حاجاتٍ أهم له ولأسرته كانت ستظل دون إشباعٍ لولا ذلك. والناس الذين فقدوا جزءًا كبيرًا من ثروتهم بسبب مضاربات تعيسة أو نتيجةً لمصائب أخرى يبيعون فعليًّا حُليَّهم وأعمالهم الفنية وغيرها من أصناف الترف كي يوفروا لأنفسهم ضرورات الحياة. وللثروة المتزايدة أثرٌ مماثل لكنه معاكس، إذ إنَّ سلعًا كثيرة كانت لها من قبلُ قيمةٌ استعمالية غالبة لدى أصحابها تفقد هذه القيمة الاستعمالية، وتُدفَع الأهمية الاقتصادية لقيمتها التبادلية إلى الواجهة. وهكذا فإنَّ الناس الذين أثْرَوا فجأةً يبيعون عادةً أثاثهم البسيط، وحُليَّهم الرثة، وبيوتهم غير الكافية، وكثيرًا من السلع الأخرى التي كانت لها من قبلُ قيمةٌ استعمالية غالبة لديهم.