النظرية العامة للخير
كل الأشياء خاضعة لقانون السبب والنتيجة. هذا المبدأ العظيم لا يعرف استثناءً، ولن نجد جدوى من البحث في عالم الخبرة عن مثالٍ مناقضٍ له. ولا يميل التقدم البشري إلى إثارة الشك فيه، بل على العكس يفضي إلى تأكيده وإلى توسيع المعرفة بنطاق سريانه على نحوٍ مطّرد دائماً. ومن ثَمَّ فإن إقراره المستمر والمتنامي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتقدم البشري.
علاوةً على ذلك، فإن شخص المرء نفسه، وأياً من حالاته، هي حلقات في هذا البناء الكوني العظيم من العلاقات. ومن المحال تصوّر انتقال شخص المرء من حالة إلى أخرى بأي طريقة سوى طريقة خاضعة لقانون السببية. فإذا انتقل المرء، إذن، من حالة حاجة إلى حالة يُشبَع فيها هذا الاحتياج، فلا بد من وجود أسباب كافية لهذا التغير. فلا بد من وجود قوى عاملة داخل كيان المرء العضوي تعالج الحالة المضطربة، أو لا بد من وجود أشياء خارجية تؤثر فيه، أشياء قادرةٌ بطبيعتها على إحداث الحالة التي نسميها إشباع حاجاتنا.
إن الأشياء التي يمكن وضعها في رابطة سببية مع إشباع الحاجات البشرية نسميها أشياء نافعة3. أما إذا أدركنا هذه الرابطة السببية وامتلكنا في الوقت نفسه القدرة الفعلية على توجيه الأشياء النافعة نحو إشباع حاجاتنا، فإننا نسميها خيرات4.
إذا كان للشيء أن يصير خيراً، أو بعبارة أخرى، إذا كان عليه أن يكتسب صفة الخير، فلا بد من توافر جميع الشروط المسبقة الأربعة التالية في آنٍ واحد:
- حاجة بشرية.
- خصائص تجعل الشيء قادراً على أن يُوضع في رابطة سببية مع إشباع هذه الحاجة.
- معرفة بشرية بهذه الرابطة السببية.
- تحكّم في الشيء يكفي لتوجيهه نحو إشباع الحاجة.
لا يمكن لشيءٍ أن يصير خيراً إلا متى توافرت هذه الشروط المسبقة الأربعة جميعها في آنٍ واحد. ومتى غاب حتى واحدٌ منها، تعذّر على الشيء اكتساب صفة الخير5، وأما الشيء الذي يمتلك أصلاً صفة الخير فإنه يفقدها على الفور إذا توقّف ولو واحدٌ من الشروط المسبقة الأربعة عن الحضور6.
ومن ثَمَّ يفقد الشيء صفة الخير: (1) إذا اختفت، بسبب تغيّرٍ في الحاجات البشرية، الحاجات المعيّنة التي يقدر الشيء على إشباعها، (2) أو متى فُقدت قدرة الشيء على أن يُوضع في رابطة سببية مع إشباع الحاجات البشرية نتيجةً لتغيّرٍ في خصائصه الذاتية، (3) أو إذا اختفت المعرفة بالرابطة السببية بين الشيء وإشباع الحاجات البشرية، (4) أو إذا فقد البشر التحكّم فيه فقداناً تاماً بحيث لم يعودوا قادرين على تطبيقه مباشرةً على إشباع حاجاتهم ولا تتوافر لديهم وسيلة لإعادة قدرتهم على ذلك.
ويمكن ملاحظة وضع خاص متى عامل البشرُ أشياءً عاجزةً عن أن تُوضع في أي نوع من الرابطة السببية مع إشباع الحاجات البشرية معاملة الخيرات مع ذلك. ويحدث هذا (1) حين تُنسب إلى الأشياء خطأً سماتٌ، ومن ثَمَّ قدرات، لا تمتلكها في الواقع، أو (2) حين يُفترض خطأً وجود حاجات بشرية غير موجودة. ففي كلتا الحالتين نتعامل مع أشياء لا تقوم في الواقع في العلاقة الموصوفة آنفاً بوصفها مُحدِّدة لصفة الخير في الأشياء، بل تقوم فيها فقط في آراء الناس. ومن أشياء الصنف الأول معظم مستحضرات التجميل، وكل التعاويذ، وأغلب الأدوية التي تُعطى للمرضى من قِبَل شعوب الحضارات المبكرة ومن قِبَل البدائيين حتى اليوم، وعصي الكشف عن المياه، ومعاجين الحب، وما إلى ذلك. فكل هذه الأشياء عاجزة عن أن تُشبع فعلاً الحاجات التي يُفترض أن تخدمها. ومن أشياء الصنف الثاني الأدوية لأمراض لا وجود لها فعلاً، والأدوات والتماثيل والمباني وما إليها التي تستخدمها الشعوب الوثنية لعبادة الأصنام، وأدوات التعذيب، وما شابهها. فمثل هذه الأشياء، إذن، التي تستمد صفة الخير لديها من خصائص يُتوهَّم أنها تمتلكها أو من حاجات يتوهّمها البشر فحسب، يمكن أن تُسمّى على نحوٍ مناسب خيرات وهمية7.
كلما بلغ شعبٌ مستويات أعلى من الحضارة، وكلما نفذ البشر بعمق أكبر إلى البنية الحقيقية للأشياء ولطبيعتهم هم، صار عدد الخيرات الحقيقية أكبر باطّراد، وكما يسهل فهمه، صار عدد الخيرات الوهمية أصغر تدريجياً. وليس من الأدلة عديمة الأهمية على الصلة بين المعرفة الدقيقة والرفاهية البشرية أن الخبرة تُظهر أن عدد ما يسمى بالخيرات الوهمية يكون عادةً أكبر ما يكون لدى الشعوب الأفقر في الخيرات الحقيقية.
من الأمور ذات الأهمية العلمية الخاصة تلك السلع التي عاملها بعض الكتّاب في تخصصنا بوصفها فئةً خاصةً من السلع تُسمّى "العلاقات".8 وتندرج في هذه الفئة المنشآت التجارية، والسمعة التجارية (good-will)، والاحتكارات، وحقوق النسخ، وبراءات الاختراع، والرُّخص التجارية، وحقوق المؤلفين، وكذلك، بحسب بعض الكتّاب، الصِّلات العائلية، والصداقة، والحب، والزمالات الدينية والعلمية، وما إلى ذلك. ومن اليسير الإقرار بأن عددًا من هذه العلاقات لا يحتمل اختبارًا صارمًا لطابعها السِّلعي. غير أن كون كثير منها، مثل المنشآت التجارية والاحتكارات وحقوق النسخ والسمعة التجارية لدى الزبائن وما شابه ذلك، سلعًا بالفعل، أمرٌ تثبته، حتى من دون الالتجاء إلى مزيد من البرهان، حقيقةُ أننا كثيرًا ما نصادفها بوصفها موضوعات للتجارة. ومع ذلك، إذا كان المنظِّر الذي كرّس نفسه لهذا الموضوع أوثقَ تكريس9,10 يعترف بأن في تصنيف هذه العلاقات سلعًا شيئًا غريبًا، وأنه يبدو للعين غير المتحيزة شذوذًا، فلا بد، في رأيي، من سبب أعمق نوعًا ما لمثل هذه الشكوك من العمل اللاواعي للتحيز المادي في عصرنا، الذي لا يَعُدّ سوى المواد والقوى (الأشياء الملموسة وخدمات العمل) أشياءً، ومن ثَمّ سلعًا أيضًا.
لقد أشار دارسو القانون مرارًا إلى أن لغتنا تخلو من مصطلح يدل على "الأفعال النافعة" بصفة عامة، وليس فيها سوى مصطلح يدل على "خدمات العمل". ومع ذلك فهناك سلسلة كاملة من الأفعال، بل ومن مجرد حالات الامتناع عن الفعل، لا يمكن أن تُسمّى خدمات عمل، ولكنها مع ذلك نافعة قطعًا لأشخاص بعينهم، بل قد تكون لها بالنسبة إليهم قيمة اقتصادية معتبرة. إن كون شخص ما يشتري مني سلعًا، أو يستفيد من خدماتي القانونية، ليس بالتأكيد خدمة عمل من جانبه، ولكنه مع ذلك فعلٌ يعود عليّ بالنفع. وأما توقّف طبيب ميسور الحال عن ممارسة الطب في بلدةٍ ريفيةٍ صغيرة لا يوجد فيها سواه إلا طبيبٌ واحد آخر، فلا يصح أن يُسمّى خدمة عمل بحقٍّ أقل. ولكنه يقينًا حالةُ امتناع عن الفعل تعود بنفع كبير على الطبيب الباقي الذي يغدو بذلك محتكرًا.
سواء أكان عددٌ أكبر أم أصغر من الأشخاص يؤدّون بانتظام أفعالًا تعود بالنفع على شخص ما (عددٌ من الزبائن إزاء تاجر، على سبيل المثال) فإن ذلك لا يغيّر من طبيعة هذه الأفعال شيئًا. وسواء أنشأت بعض حالات الامتناع عن الفعل من جانب بعض سكان مدينة أو دولة أو جميعهم، التي تكون نافعة لشخص ما، طوعًا أم بإكراه قانوني (احتكارات طبيعية أو قانونية، حقوق نسخ، علامات تجارية، إلخ)، فإن ذلك لا يغيّر بأي حال من طبيعة حالات الامتناع النافعة هذه. ومن ثَمّ، فإن ما يُسمّى من وجهة نظر اقتصادية بقواعد الزبائن، والسمعة التجارية، والاحتكارات، وما إليها، إنما هو الأفعال أو حالات الامتناع النافعة الصادرة عن أشخاص آخرين، أو (كما في حالة المنشآت التجارية، على سبيل المثال) مجموعاتٌ مركّبة من السلع المادية، وخدمات العمل، وغيرها من الأفعال وحالات الامتناع النافعة. بل إن علاقات الصداقة والحب، والزمالات الدينية، وما إلى ذلك، تتألف بداهةً من أفعال أو حالات امتناع صادرة عن أشخاص آخرين تعود علينا بالنفع.
إذا كانت هذه الأفعال أو حالات الامتناع النافعة، كما هو الحال في السمعة التجارية لدى الزبائن، والمنشآت التجارية، وحقوق الاحتكار، إلخ، من النوع الذي يتيح لنا التصرف فيها، فلا يوجد سبب يمنعنا من تصنيفها بوصفها سلعًا، من دون أن نجد أنفسنا مضطرين إلى اللجوء إلى المفهوم الغامض، مفهوم "العلاقات"، ومن دون أن نضع هذه "العلاقات" في مقابل سائر السلع بوصفها فئةً خاصة. بل على العكس، يمكن في تقديري تقسيم جميع السلع إلى فئتين: السلع المادية (وتشمل جميع قوى الطبيعة بقدر ما تكون سلعًا)، والأفعال البشرية النافعة (وحالات الامتناع)، التي يُعدّ أهمَّها خدمات العمل.
2. الصِّلات السببية بين السلع
قبل المضيّ إلى موضوعات أخرى، يبدو لي أن من الأهمية القصوى لعلمنا أن نتبيّن بوضوح الصِّلات السببية بين السلع. ففي علمنا، كما في سائر العلوم، لن يتحقق تقدّمٌ حقيقيٌّ دائم إلا حين نكفّ عن النظر إلى موضوعات ملاحظاتنا العلمية بوصفها مجرد وقائع غير مترابطة، ونسعى بدلًا من ذلك إلى اكتشاف صلاتها السببية والقوانين الخاضعة لها. إن الخبز الذي نأكله، والدقيق الذي نخبز منه الخبز، والحبّ الذي نطحنه دقيقًا، والحقل الذي يُزرَع فيه الحبّ، كلُّ هذه الأشياء سلع. غير أن معرفة هذه الحقيقة لا تكفي لأغراضنا. بل على العكس، يلزمنا، على غرار سائر العلوم التجريبية، أن نحاول تصنيف مختلف السلع وفقًا لخصائصها المتأصلة، وأن نتبيّن الموضع الذي تشغله كل سلعة في النَّسَق السببي للسلع، وأخيرًا أن نكتشف القوانين الاقتصادية الخاضعة لها.
إن رفاهنا في أي لحظة بعينها، بقدر ما يتوقف على إشباع حاجاتنا، يكون مضمونًا إذا كان تحت تصرّفنا ما يلزم من السلع لإشباعها المباشر. فإذا كان لدينا، مثلًا، القدر اللازم من الخبز، أصبحنا قادرين على إشباع حاجتنا إلى الطعام مباشرة. ومن ثَمّ تكون الصلة السببية بين الخبز وإشباع إحدى حاجاتنا صلةً مباشرة، ولا يُمثّل اختبار الطابع السِّلعي للخبز وفقًا للمبادئ المبيَّنة في القسم السابق أي صعوبة. وينطبق الأمر نفسه على سائر السلع التي قد تُستخدم مباشرة لإشباع حاجاتنا، مثل المشروبات، والملابس، والحُليّ، وما إلى ذلك.
ولكننا لم نستوفِ بعدُ قائمة الأشياء التي نسلّم بطابعها السِّلعي. ذلك أننا، إلى جانب السلع التي تخدم حاجاتنا مباشرة (والتي سنسمّيها فيما بعدُ، توخّيًا للإيجاز، "سلع الرتبة الأولى")، نجد في اقتصادنا عددًا كبيرًا من الأشياء الأخرى التي لا يمكن وضعها في أي صلة سببية مباشرة بإشباع حاجاتنا، ولكنها تتمتع بطابع سِلعيٍّ لا يقلّ يقينًا عن طابع سلع الرتبة الأولى. ففي أسواقنا، إلى جانب الخبز وسائر السلع القادرة على إشباع الحاجات البشرية مباشرة، نرى أيضًا كميات من الدقيق والوقود والملح. ونجد أن الأدوات والآلات اللازمة لإنتاج الخبز، وخدمات العمل الماهرة اللازمة لاستخدامها، تُتداوَل بانتظام. وكلُّ هذه الأشياء، أو على أيّ حال السواد الأعظم منها، عاجزٌ عن إشباع الحاجات البشرية بأي طريقة مباشرة، إذ أيُّ حاجةٍ بشرية يمكن أن تُشبَع بخدمة عملٍ بعينها يقدّمها صانع خبز متمرّن، أو بأداةِ خَبزٍ، أو حتى بكميةٍ من الدقيق العادي؟ وأما كون هذه الأشياء تُعامَل مع ذلك بوصفها سلعًا في الاقتصاد البشري، تمامًا كسلع الرتبة الأولى، فمردُّه إلى أنها تخدم إنتاج الخبز وسائر سلع الرتبة الأولى، ومن ثَمّ فهي قادرة، على نحو غير مباشر وإن لم يكن مباشرًا، على إشباع الحاجات البشرية. وينطبق الأمر نفسه على آلاف الأشياء الأخرى التي لا تملك القدرة على إشباع الحاجات البشرية مباشرة، ولكنها تُستخدم مع ذلك لإنتاج سلع الرتبة الأولى، ويمكن بذلك وضعها في صلة سببية غير مباشرة بإشباع الحاجات البشرية. وتُثبت هذه الاعتبارات أن العلاقة المسؤولة عن الطابع السِّلعي لهذه الأشياء، التي سنسمّيها سلع الرتبة الثانية، هي في جوهرها العلاقة نفسها التي تخصّ سلع الرتبة الأولى. وكونُ سلع الرتبة الأولى ذاتَ علاقة سببية مباشرة، وسلع الرتبة الثانية ذاتَ علاقة سببية غير مباشرة، بإشباع حاجاتنا، لا ينشئ أيَّ فارقٍ في ماهية تلك العلاقة، إذ إن شرط اكتساب الطابع السِّلعي هو وجود صلة سببية ما، ولكن ليس بالضرورة صلة مباشرة، بين الأشياء وإشباع الحاجات البشرية.
وعند هذه النقطة، يمكن بسهولة أن نُبيّن أننا حتى بهذه السلع لم نستوفِ قائمة الأشياء التي نسلّم بطابعها السِّلعي، وأنّ، إذا ما تابعنا مثالنا السابق، مطاحنَ الحبّ، والقمح، والشيلم (الجاودار)، وخدمات العمل المبذولة في إنتاج الدقيق، إلخ، تظهر بوصفها سلع الرتبة الثالثة، في حين تظهر الحقول، والأدوات والمعدات اللازمة لزراعتها، وخدمات العمل المحدّدة التي يقدّمها المزارعون، بوصفها سلع الرتبة الرابعة. غير أنني أرى أن الفكرة التي ما برحتُ أعرضها قد بلغت من الوضوح ما يكفي.
في القسم السابق، رأينا أن وجود علاقة سببية بين شيء ما وإشباع الحاجات البشرية هو أحد شروط طابعه السِّلعي المسبقة. ويمكن تلخيص الفكرة التي طُوِّرت في هذا القسم في القضية القائلة إنه ليس من شروط الطابع السِّلعي للشيء أن يكون قابلًا لأن يُوضَع في صلة سببية مباشرة بإشباع الحاجات البشرية. وقد تبيّن أن السلع ذات العلاقة السببية غير المباشرة بإشباع الحاجات البشرية تتفاوت في مدى قُرب هذه العلاقة. ولكن تبيّن أيضًا أن هذا التفاوت لا يمسّ ماهية الطابع السِّلعي بأي حال. وفي هذا السياق، أُجري تمييزٌ بين سلع الرتبة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والرُّتب الأعلى.
يلزمنا مرة أخرى أن نحترز، منذ البداية، من تأويل خاطئ لما قيل. ففي المناقشة العامة للطابع السِّلعي، سبق أن أشرتُ إلى أن الطابع السِّلعي ليس خاصيةً متأصلة في السلع ذاتها. ولا بد من تكرار هذا التحذير ههنا أيضًا، حيث نتناول الرتبة أو الموضع الذي تشغله سلعةٌ ما في النَّسَق السببي للسلع. فتحديد رتبة سلعة بعينها لا يعني سوى الإشارة إلى أن هذه السلعة، في استخدام بعينه، تربطها علاقة سببية أوثق أو أبعد بإشباع حاجة بشرية. ومن ثَمّ، فإن رتبة السلعة ليست شيئًا متأصلًا في السلعة ذاتها، بل هي أبعد من أن تكون خاصيةً لها.
ولذلك فإنني لا أُعلّق وزنًا خاصًا على الرُّتب المنسوبة إلى السلع، لا ههنا ولا في العرض التالي للقوانين الناظمة للسلع، وإن كان إسناد هذه الرُّتب، إذا ما فُهم على نحو صحيح، سيغدو عونًا مهمًّا في عرض موضوع صعب ومهم. غير أنني أودّ على وجه الخصوص أن أُشدّد على أهمية فهم العلاقة السببية بين السلع وإشباع الحاجات البشرية، وعلى الصلة السببية الأكثر أو الأقل مباشرةً بين السلع وهذه الحاجات، تبعًا لطبيعة هذه العلاقة في الحالات بعينها.
3. القوانين الناظمة للطابع السِّلعي
A. يتوقف الطابع السِّلعي لسلع الرتبة الأعلى على التحكّم في السلع التكميلية المقابلة.
حين تكون لدينا سلع الرتبة الأولى تحت تصرّفنا، يكون في مقدورنا استخدامها مباشرة لإشباع حاجاتنا. وإذا كانت لدينا سلع الرتبة الثانية المقابلة تحت تصرّفنا، كان في مقدورنا تحويلها إلى سلع من الرتبة الأولى، ومن ثَمّ الانتفاع بها على نحو غير مباشر لإشباع حاجاتنا. وعلى نحو مماثل، لو لم يكن تحت تصرّفنا سوى سلع الرتبة الثالثة، لكان في مقدورنا تحويلها إلى سلع الرتبة الثانية المقابلة، وتحويل هذه بدورها إلى سلع الرتبة الأولى المقابلة. ومن ثَمّ يكون في مقدورنا الانتفاع بسلع الرتبة الثالثة لإشباع حاجاتنا، وإن كان لا بد من ممارسة هذا المقدور عبر تحويلها إلى سلع من رُتب أدنى على التوالي. وتصدُق القضية نفسها على جميع سلع الرتبة الأعلى، ولا يمكننا أن نشكّ في أنها تتمتع بطابع سِلعي إذا كان في مقدورنا أن ننتفع بها فعلًا لإشباع حاجاتنا.
غير أن هذا الشرط الأخير ينطوي على قيدٍ ليس بالهيّن فيما يخصّ سلع الرتبة الأعلى. ذلك أنه لا يكون في مقدورنا أبدًا أن ننتفع بأي سلعة بعينها من سلع الرتبة الأعلى لإشباع حاجاتنا ما لم يكن لدينا أيضًا تحكّمٌ في سائر سلع الرتبة الأعلى (التكميلية).
لنفترض، على سبيل المثال، أن فردًا مقتصِدًا لا يملك خبزًا مباشرةً، ولكن تحت تصرّفه جميع سلع الرتبة الثانية اللازمة لإنتاجه. فلا شكّ في أنه سيكون مع ذلك قادرًا على إشباع حاجته إلى الخبز. ولكن لنفترض أن الشخص نفسه يتحكّم في الدقيق والملح والخميرة وخدمات العمل، بل وفي جميع الأدوات والمعدات اللازمة لإنتاج الخبز، ولكنه يفتقر إلى الوقود والماء معًا. ففي هذه الحالة الثانية، من الواضح أنه لم يعد قادرًا على الانتفاع بسلع الرتبة الثانية التي بحوزته لإشباع حاجته، إذ لا يمكن صنع الخبز من دون وقود وماء، حتى وإن كانت جميع السلع اللازمة الأخرى في متناول اليد. ومن ثَمّ، فإن سلع الرتبة الثانية ستفقد على الفور، في هذه الحالة، طابعها السِّلعي فيما يخصّ الحاجة إلى الخبز، لأن أحد الشروط المسبقة الأربعة لوجود طابعها السِّلعي (وهو في هذه الحالة الشرط الرابع) مفقود.
من الممكن أن تحتفظ الأشياء التي فقدت طابعها السلعي بالنسبة إلى الحاجة إلى الخبز بطابعها السلعي بالنسبة إلى حاجات أخرى، إذا كان لدى مالكها القدرة على استخدامها لإشباع حاجات غير حاجته إلى الخبز، أو إذا كانت قادرة بذاتها على إشباع حاجة إنسانية بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الرغم من غياب سلعة تكميلية واحدة أو أكثر. ولكن إذا جعل غياب سلعة تكميلية واحدة أو أكثر من المستحيل أن تُستخدَم سلع الرتبة الثانية المتاحة، سواء بذاتها وحدها أو بالاقتران مع سلع أخرى متاحة، لإشباع أي حاجة إنسانية مهما كانت، فإنها ستفقد طابعها السلعي تماماً. ذلك أن البشر المُدبِّرين للاقتصاد لن تكون لديهم بعد ذلك القدرة على توجيه السلع المعنية نحو إشباع حاجاتهم، ومن ثَم يكون أحد الشروط الأساسية لطابعها السلعي مفقوداً.
يُسفِر بحثُنا حتى الآن، كنتيجة أولى، عن المبدأ القائل إن الطابع السلعي لسلع الرتبة الثانية مرهونٌ بأن تكون السلع التكميلية من الرتبة نفسها متاحةً للبشر فيما يتعلق بإنتاج سلعة واحدة على الأقل من سلع الرتبة الأولى.
أما مسألة اعتماد الطابع السلعي لسلع الرتبة الأعلى من الثانية على توافر السلع التكميلية فهي أكثر تعقيداً. لكن هذا التعقيد الإضافي لا يكمن البتة في علاقة سلع الرتبة الأعلى بالسلع المقابلة لها من الرتبة الأدنى التالية مباشرة (كعلاقة سلع الرتبة الثالثة بالسلع المقابلة لها من الرتبة الثانية، أو سلع الرتبة الخامسة بسلع الرتبة الرابعة، مثلاً). فإن أدنى تأمُّل في العلاقة السببية بين هذه السلع يقدّم تماثلاً تاماً للعلاقة التي تَبيّنت لتوّها بين سلع الرتبة الثانية وسلع الرتبة الأدنى التالية (الأولى). ويمكن تمديد مبدأ الفقرة السابقة بصورة طبيعية تماماً ليصير المبدأ القائل إن الطابع السلعي لسلع الرتبة الأعلى يعتمد اعتماداً مباشراً على أن تكون السلع التكميلية من الرتبة نفسها متاحةً فيما يتعلق بإنتاج سلعة واحدة على الأقل من سلع الرتبة الأدنى التالية.
أما التعقيد الإضافي الذي ينشأ مع سلع الرتبة الأعلى من الثانية فيكمن بالأحرى في أن امتلاك جميع السلع اللازمة لإنتاج سلعة من الرتبة الأدنى التالية لا يُرسّخ بالضرورة طابعَها السلعي ما لم يكن لدى البشر أيضاً امتلاكٌ لجميع سلعها التكميلية من هذه الرتبة التالية ومن جميع الرتب الأدنى. لنفترض أن لدى أحدهم امتلاكاً لجميع سلع الرتبة الثالثة اللازمة لإنتاج سلعة من الرتبة الثانية، لكنه لا يملك السلع التكميلية الأخرى من الرتبة الثانية. في هذه الحالة، فإن امتلاك جميع سلع الرتبة الثالثة اللازمة لإنتاج سلعة واحدة من الرتبة الثانية لن يمنحه القدرة الفعلية على توجيه سلع الرتبة الثالثة هذه نحو إشباع الحاجات الإنسانية. فهو وإن كانت لديه القدرة على تحويل سلع الرتبة الثالثة (التي يدور حول طابعها السلعي البحث هنا) إلى سلع من الرتبة الثانية، فليست لديه القدرة على تحويل سلع الرتبة الثانية إلى السلع المقابلة من الرتبة الأولى. ومن ثَم لن تكون لديه القدرة على توجيه سلع الرتبة الثالثة نحو إشباع حاجاته، ولأنه فقد هذه القدرة، تفقد سلع الرتبة الثالثة طابعها السلعي على الفور.
يتّضح إذن أن المبدأ المذكور آنفاً — أن الطابع السلعي لسلع الرتبة الأعلى يعتمد اعتماداً مباشراً على أن تكون السلع التكميلية من الرتبة نفسها متاحةً فيما يتعلق بإنتاج سلعة واحدة على الأقل من سلع الرتبة الأدنى التالية — لا يشمل جميع الشروط اللازمة لترسيخ الطابع السلعي للأشياء، إذ إن امتلاك جميع السلع التكميلية من الرتبة نفسها لا يمنحنا بذاته القدرة على توجيه هذه الأشياء نحو إشباع حاجاتنا. فإذا كانت تحت تصرّفنا سلعٌ من الرتبة الثالثة، فإن طابعها السلعي يعتمد بالفعل اعتماداً مباشراً على قدرتنا على تحويلها إلى سلع من الرتبة الثانية. غير أن هناك شرطاً آخر لطابعها السلعي، وهو قدرتنا على تحويل سلع الرتبة الثانية بدورها إلى سلع من الرتبة الأولى، وهو ما يستتبع شرطاً أبعد آخر، وهو أنه يجب أن يكون لدينا امتلاكٌ لبعض السلع التكميلية من الرتبة الثانية.
إن علاقات سلع الرتبة الرابعة والخامسة والرتب الأعلى تماثل هذا تماماً. فهنا أيضاً يعتمد الطابع السلعي لأشياء بعيدة هكذا عن إشباع الحاجات الإنسانية اعتماداً مباشراً على توافر السلع التكميلية من الرتبة نفسها. لكنه يعتمد كذلك على امتلاكنا للسلع التكميلية من الرتبة الأدنى التالية، ثم بدورها للسلع التكميلية من الرتبة الأدنى منها، وهكذا، على نحوٍ يجعل في وُسعنا أن نوجّه فعلاً سلع الرتبة الأعلى نحو إنتاج سلعة من الرتبة الأولى، ومن ثَم في النهاية نحو إشباع حاجة إنسانية. وإذا أطلقنا على مجموع السلع كلّها اللازمة لاستخدام سلعةٍ من الرتبة الأعلى في إنتاج سلعة من الرتبة الأولى اسمَ سلعها التكميلية بالمعنى الأوسع للمصطلح، فإننا نحصل على المبدأ العام القائل إن الطابع السلعي لسلع الرتبة الأعلى يعتمد على قدرتنا على امتلاك سلعها التكميلية بهذا المعنى الأوسع للمصطلح.
ما من شيء يمكنه أن يضع التشابك السببي العظيم بين السلع أمام أعيننا بصورة أوضح من هذا المبدأ المتعلق بالاعتماد المتبادل بين السلع.
عندما جفّفت الحرب الأهلية الأمريكية، في عام 1862، أهمَّ مصدر للقطن في أوروبا، فقدت آلافٌ من السلع الأخرى المُكمِّلة للقطن طابعَها السلعي. وأشير على وجه الخصوص إلى خدمات العمل التي يقدّمها عمّال مصانع القطن الإنجليز وعمّال القارّة، الذين أصبحوا حينئذٍ، في معظمهم، عاطلين عن العمل واضطُرّوا إلى طلب الإحسان العام. لقد ظلّت خدمات العمل (التي كان هؤلاء العمّال المهرة يملكونها) على حالها، لكن كميات كبيرة منها فقدت طابعها السلعي لأن سلعتها التكميلية، أي القطن، لم تكن متوافرة، ولأن خدمات العمل النوعية تلك لم يكن من الممكن، في معظمها، أن توجَّه بذاتها نحو إشباع أي حاجة إنسانية. لكن خدمات العمل هذه صارت سلعاً من جديد على الفور حين عادت سلعتها التكميلية إلى التوافر نتيجةَ ازدياد واردات القطن، جزئياً من مصادر إمداد أخرى، وجزئياً، بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، من المصدر القديم.
وعلى العكس من ذلك، كثيراً ما تفقد السلع طابعها السلعي لأن البشر لا يملكون خدمات العمل اللازمة المُكمِّلة لها. ففي البلدان قليلة السكان، ولا سيما في البلدان التي تزرع محصولاً واحداً مهيمناً كالقمح، كثيراً ما يحدث نقص خطير جداً في خدمات العمل بعد المواسم الجيدة بصفة خاصة، وذلك من ناحيةٍ لأن العمّال الزراعيين، وهم قليلون عدداً ويعيشون متفرّقين، يجدون حوافز قليلة للعمل الشاق في أوقات الوفرة، ومن ناحيةٍ أخرى لأن أعمال الحصاد، نتيجة الزراعة الحصرية للقمح، تتركّز في فترة زمنية قصيرة جداً. وفي مثل هذه الظروف (في سهول المجر الخصبة، على سبيل المثال)، حيث تكون متطلبات خدمات العمل كبيرة جداً خلال فترة زمنية قصيرة، لكن خدمات العمل المتاحة لا تكفي، كثيراً ما تتلف كميات كبيرة من الحبوب في الحقول. والسبب في ذلك أن السلع المُكمِّلة للمحاصيل القائمة في الحقول (أي خدمات العمل اللازمة لحصادها) مفقودة، وما يترتّب على ذلك من أن المحاصيل نفسها تفقد طابعها السلعي.
حين يكون اقتصاد شعبٍ ما متطوراً تطوراً عالياً، فإن السلع التكميلية المختلفة تكون عادةً في أيدي أشخاص مختلفين. فمُنتِجو كل صنف على حدة يزاولون أعمالهم عادةً بطريقة آلية، في حين أن مُنتِجي السلع التكميلية يدركون بالقدر القليل ذاته أن الطابع السلعي للأشياء التي ينتجونها أو يصنعونها يعتمد على وجود سلع أخرى ليست في حوزتهم. والخطأ القائل بأن سلع الرتبة الأعلى تمتلك طابعاً سلعياً بذاتها، ودون اعتبارٍ لتوافر السلع التكميلية، ينشأ بأكبر سهولة في البلدان التي، بسبب التجارة النشطة والاقتصاد العالي التطور، يأتي فيها كل منتَجٍ تقريباً إلى الوجود في ظل افتراضٍ ضمنيٍّ، وغير واعٍ تماماً في العادة، من جانب المنتِج بأن أشخاصاً آخرين، تربطهم به التجارة، سيوفّرون السلع التكميلية في الوقت المناسب. ولا تنقطع المعاملات التجارية الآلية المعتادة إلا عندما يخيب هذا الافتراض الضمني نتيجةَ تغيّرٍ في الظروف يجعل القوانين الحاكمة للسلع تُظهِر عملها بجلاء، وعندئذٍ فقط يتوجّه الانتباه العام نحو هذه المظاهر ونحو الأسباب الكامنة وراءها.
B. الطابع السلعي لسلع الرتبة الأعلى مُستمَدٌّ من الطابع السلعي للسلع المقابلة لها من الرتبة الأدنى.
إن فحص طبيعة السلع وروابطها السببية على النحو الذي عرضتُه في القسمين الأولين يؤدي إلى إدراك قانون آخر تخضع له السلع بوصفها كذلك — أي بصرف النظر عن طابعها الاقتصادي.
لقد تبيّن أن وجود الحاجات الإنسانية هو أحد الشروط الأساسية للطابع السلعي، وأن الحاجات الإنسانية التي قد يُجلب شيءٌ ما إلى علاقة سببية مع إشباعها إذا اختفت اختفاءً تاماً، فإن الطابع السلعي للشيء يُفقَد على الفور ما لم تنشأ حاجات جديدة إليه.
من خلال ما قيل عن طبيعة السلع، يتّضح مباشرةً أن سلع الرتبة الأولى تفقد طابعها السلعي على الفور إذا اختفت كلُّ الحاجات التي كانت تخدم إشباعها من قبلُ دون أن تنشأ حاجات جديدة إليها. وتزداد المشكلة تعقيداً عندما ننتقل إلى المدى الكامل من السلع المرتبطة سببياً بإشباع حاجة إنسانية، ونتساءل عن أثر اختفاء هذه الحاجة في الطابع السلعي لسلع الرتبة الأعلى المرتبطة سببياً بإشباعها.
لنفترض أن الحاجة إلى الاستهلاك البشري المباشر للتبغ اختفت نتيجةَ تغيّرٍ في الأذواق، وأن جميع الحاجات الأخرى التي قد يخدم التبغ المُهيَّأ بالفعل للاستهلاك البشري إشباعَها قد اختفت في الوقت نفسه أيضاً. في هذه الحالة، من المؤكّد أن جميع منتجات التبغ الموجودة بالفعل، في صورتها النهائية الملائمة للاستهلاك البشري، ستفقد طابعها السلعي على الفور. لكن ماذا سيحلّ بسلع الرتبة الأعلى المقابلة؟ ما الذي سيكون عليه الوضع فيما يتعلق بأوراق التبغ الخام، والأدوات والمعدات المستخدمة في إنتاج أنواع التبغ المختلفة، وخدمات العمل المتخصصة المُستخدَمة في الصناعة، وباختصار، فيما يتعلق بجميع سلع الرتبة الثانية المستخدمة في إنتاج التبغ المُعَدّ للاستهلاك البشري؟ وما الذي سيكون عليه الوضع، علاوة على ذلك، فيما يتعلق ببذور التبغ، ومزارع التبغ، وخدمات العمل والأدوات والمعدات المستخدمة في إنتاج التبغ الخام، وسائر السلع التي يمكن اعتبارها سلعاً من الرتبة الثالثة بالنسبة إلى الحاجة إلى التبغ؟ وما الذي سيكون عليه الوضع، أخيراً، فيما يتعلق بسلع الرتبة الرابعة والخامسة والرتب الأعلى المقابلة؟
إن الطابع السلعي للشيء، كما رأينا، يعتمد على كونه قابلاً لأن يوضَع في علاقة سببية مع إشباع الحاجات الإنسانية. لكننا رأينا أيضاً أن وجود علاقة سببية مباشرة بين الشيء وإشباع حاجةٍ ما ليس على الإطلاق شرطاً ضرورياً لطابعه السلعي. بل على العكس، فإن عدداً كبيراً من الأشياء تستمد طابعها السلعي من كونها لا تقوم إلا في علاقة سببية غير مباشرة بدرجةٍ أو بأخرى مع إشباع الحاجات الإنسانية.
إذا ثبت أن وجود حاجات إنسانية قابلة للإشباع شرطٌ للطابع السلعي في جميع الحالات، فإن المبدأ القائل إن الطابع السلعي للأشياء يُفقَد على الفور عند اختفاء الحاجات التي كانت تخدم إشباعها من قبلُ يكون، في الوقت نفسه، مُبرهَناً عليه أيضاً. وهذا المبدأ صحيح سواء أكان من الممكن وضع السلع في علاقة سببية مباشرة مع إشباع الحاجات الإنسانية، أم كانت تستمد طابعها السلعي من علاقة سببية غير مباشرة بدرجةٍ أو بأخرى مع إشباع الحاجات الإنسانية. ومن الواضح أنه باختفاء الحاجات المقابلة يزول الأساس الكامل للعلاقة التي رأينا أنها مسؤولة عن الطابع السلعي للأشياء.
وهكذا فإن الكينين سيكفّ عن كونه سلعةً إذا اختفت الأمراض التي يخدم شفاءَها، إذ إن الحاجة الوحيدة التي يرتبط بإشباعها ارتباطاً سببياً لن تعود موجودة. لكن اختفاء فائدة الكينين ستترتّب عليه نتيجة أبعد، وهي أن جزءاً كبيراً من سلع الرتبة الأعلى المقابلة سيُحرَم بدوره من طابعه السلعي. فسكّان البلدان المنتِجة للكينين، الذين يكسبون قُوتَهم حالياً من قطع أشجار الكينا وتقشيرها، سيجدون فجأةً أنه ليس مخزونهم من لحاء الكينا فحسب، بل أيضاً، ونتيجةً لذلك، أشجارَ الكينا لديهم، والأدواتِ والمعداتِ التي لا تُستخدَم إلا في إنتاج الكينين، وقبل كل شيء خدماتِ العمل المتخصصة التي كانوا يكسبون بها قُوتَهم من قبلُ، سيفقد كل ذلك طابعه السلعي دفعةً واحدة، إذ إن جميع هذه الأشياء، في ظل الظروف المتغيرة، لن تعود لها أي علاقة سببية بإشباع الحاجات الإنسانية.
لو أنه نتيجةً لتغيّرٍ في الأذواق اختفت الحاجة إلى التبغ اختفاءً تامًّا، لكانت النتيجة الأولى أن تُجرَّد جميع مخزونات منتجات التبغ المصنّعة المتوافرة من طابعها السلعي. وثمّة نتيجة أخرى هي أن أوراق التبغ الخام، والآلات والأدوات والمعدّات المستخدمة حصرًا في معالجة التبغ، والخدمات العمالية المتخصّصة المستعملة في إنتاج منتجات التبغ، والمخزونات المتوافرة من بذور التبغ، وما إلى ذلك، سوف تفقد طابعها السلعي. أما خدمات الوكلاء، المأجورة حاليًّا أجرًا حسنًا، الذين يمتلكون مهارةً كبيرة في تصنيف التبغ وتسويقه في أماكن مثل كوبا ومانيلا وبورتوريكو وهافانا، فضلًا عن الخدمات العمالية المتخصّصة لكثير من الناس، سواء في أوروبا أو في تلك البلدان البعيدة، ممّن يعملون في صناعة السيجار، فإنها سوف تكفّ عن كونها سلعًا. وحتى علب التبغ، وأوعية الترطيب، وجميع أنواع غلايين التبغ، وأنابيب الغلايين، وما إلى ذلك، سوف تفقد طابعها السلعي. وهذه الظاهرة التي تبدو شديدة التعقيد تفسّرها حقيقة أن جميع السلع المعدَّدة أعلاه تستمدّ طابعها السلعي من ارتباطها السببي بإشباع حاجة الإنسان إلى التبغ. وباختفاء هذه الحاجة يُهدَم أحد الأسس التي يقوم عليها طابعها السلعي.
بيد أن سلع الرتبة الأولى كثيرًا ما تستمدّ طابعها السلعي، وسلع الرتبة الأعلى كقاعدة عامة، لا من ارتباطٍ سببيٍّ واحد فحسب بل من ارتباطات سببية أكثر أو أقل عددًا بإشباع الحاجات الإنسانية. ومن ثَمّ فإن سلع الرتبة الأعلى لا تفقد طابعها السلعي إذا زالت واحدة فقط من هذه الحاجات، أو إذا زال، بوجه عام، جزء منها فقط. بل على العكس، من الجلي أن هذا الأثر لن يحدث إلا إذا اختفت جميع الحاجات التي ترتبط سلع الرتبة الأعلى بإشباعها ارتباطًا سببيًّا، إذ لولا ذلك لظلّ طابعها السلعي قائمًا، وفقًا للقانون الاقتصادي على وجه الدقّة، بالنسبة إلى الحاجات التي ظلّت مرتبطةً بإشباعها ارتباطًا سببيًّا حتى في ظلّ الظروف المتغيّرة. لكن حتى في هذه الحالة، لا يظلّ طابعها السلعي قائمًا إلا بالقدر الذي تظلّ به محافظةً على علاقةٍ سببية بإشباع الحاجات الإنسانية، وسوف يختفي على الفور إذا زالت الحاجات الباقية هي الأخرى.
ولإكمال المثال السابق، لو أن حاجة الناس إلى استهلاك التبغ كفّت عن الوجود كفًّا تامًّا، لكان التبغ المصنّع بالفعل إلى منتجات صالحة للاستهلاك البشري، وربما أيضًا مخزونات أوراق التبغ الخام، وبذور التبغ، وكثير غيرها من سلع الرتبة الأعلى المرتبطة ارتباطًا سببيًّا بإشباع الحاجة إلى التبغ، قد جُرِّدت تجريدًا تامًّا من طابعها السلعي. لكن ليس بالضرورة أن تلقى جميع سلع الرتبة الأعلى التي تستخدمها صناعة التبغ هذا المصير. فالأرض والأدوات الزراعية المستخدمة في زراعة التبغ، على سبيل المثال، وربما أيضًا كثير من العُدد والآلات المستخدمة في صناعة منتجات التبغ، سوف تحتفظ بطابعها السلعي بالنسبة إلى حاجات إنسانية أخرى، إذ يمكن وضعها في ارتباطٍ سببي بهذه الحاجات الأخرى حتى بعد اختفاء الحاجة إلى التبغ.
أما القانون القائل بأن الطابع السلعي لسلع الرتبة الأعلى مستمدٌّ من الطابع السلعي لسلع الرتبة الأدنى المقابلة التي تخدم في إنتاجها، فلا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه تعديل يمسّ جوهر المبدأ الأوّلي، بل مجرّد إعادة صياغةٍ لذلك المبدأ في صورةٍ أكثر تحديدًا.
لقد نظرنا فيما سبق نظرةً عامة في جميع السلع المرتبطة سببيًّا بعضها ببعض وبإشباع الحاجات الإنسانية. وكان موضوع بحثنا السلسلة السببية بأكملها حتى حلقتها الأخيرة، أي إشباع الحاجات الإنسانية. وبعد أن قرّرنا مبدأ هذا القسم، يجوز لنا الآن، في القسم التالي، أن نوجّه انتباهنا إلى بضع حلقات من السلسلة في المرّة الواحدة، وذلك بأن نصرف النظر مثلًا عن الارتباط السببي بين سلع الرتبة الثالثة وإشباع الحاجات الإنسانية لبعض الوقت، وبأن نلاحظ فقط الارتباط السببي لسلع تلك الرتبة بسلع الرتبة الأعلى المقابلة التي نختارها.
4. الزمن والخطأ
إن العملية التي تتحوّل بها سلع الرتبة الأعلى تحوّلًا تدريجيًّا إلى سلع الرتبة الأدنى، والتي تُوجَّه بها هذه أخيرًا إلى إشباع الحاجات الإنسانية، ليست، كما رأينا في الأقسام السابقة، عمليةً عشوائية، بل خاضعة، كسائر عمليات التغيّر، لقانون السببية. غير أن فكرة السببية لا تنفصل عن فكرة الزمن. فعملية التغيّر تنطوي على بدايةٍ وصيرورة، وهاتان لا يمكن تصوّرهما إلا بوصفهما عمليتين في الزمن. ومن ثَمّ فمن المؤكّد أننا لا يمكن أبدًا أن نفهم فهمًا تامًّا الترابطات السببية لمختلف الأحداث في عمليةٍ ما، أو العملية ذاتها، ما لم ننظر إليها في الزمن ونطبّق عليها مقياس الزمن. وهكذا، في عملية التغيّر التي تتحوّل بها سلع الرتبة الأعلى تدريجيًّا إلى سلع الرتبة الأولى، إلى أن تُحدِث هذه الأخيرة في النهاية الحالة التي نسمّيها إشباع الحاجات الإنسانية، يكون الزمن سمةً جوهرية من سمات ملاحظاتنا.
حين تكون لدينا السلع المتكاملة من رتبةٍ أعلى معيّنة تحت تصرّفنا، يتعيّن علينا أن نحوّلها أوّلًا إلى سلع الرتبة الأدنى التالية، ثم على مراحل إلى سلع رتبٍ أدنى متعاقبة إلى أن تصير سلع الرتبة الأولى، التي هي وحدها القابلة للاستعمال المباشر في إشباع حاجاتنا. ومهما بدت في كثير من الأحيان قصيرةً الفترات الزمنية الفاصلة بين مختلف مراحل هذه العملية (وإن التقدّم في التقنية وفي وسائل النقل ينزع باستمرار إلى تقصيرها)، فإن اختفاءها التامّ يظلّ مع ذلك غير قابلٍ للتصوّر. فمن المستحيل أن نحوّل سلع رتبةٍ معيّنة إلى سلع الرتبة الأدنى المقابلة بمجرّد إشارةٍ من اليد. بل على العكس، ما من شيء أكثر يقينًا من أن الشخص الذي يملك تحت تصرّفه سلع الرتبة الأعلى لن يكون في الوضع الفعلي الذي يتصرّف فيه بسلع الرتبة الأدنى التالية إلا بعد مرور فترةٍ زمنية يُعتدّ بها، قد تكون، تبعًا للظروف المعيّنة المعنية، أقصر أحيانًا وأطول أحيانًا. لكن ما قيل هنا عن حلقةٍ واحدة من السلسلة السببية يصدق بدرجةٍ أكبر بالنسبة إلى العملية بأكملها.
إن الفترة الزمنية التي تتطلّبها هذه العملية في حالاتٍ بعينها تتفاوت تفاوتًا كبيرًا تبعًا لطبيعة الحالة. فالفرد الذي تكون تحت تصرّفه كل ما يلزم لإنتاج غابةٍ من البلّوط من أرضٍ وخدماتٍ عمالية وأدواتٍ وبذور، سيُضطرّ إلى الانتظار قرنًا تقريبًا قبل أن تصبح الأخشاب جاهزةً للفأس، وفي معظم الحالات لن تأتي الحيازة الفعلية للأخشاب في هذه الحال إلا لورثته أو غيرهم ممّن يؤول إليهم الأمر. ومن جهةٍ أخرى، ففي بعض الحالات يكون الشخص الذي تحت تصرّفه المكوّنات وما يلزم من أدواتٍ وخدماتٍ عمالية وما إلى ذلك، لإنتاج أطعمةٍ أو مشروبات، قادرًا على استعمال الأطعمة أو المشروبات نفسها في لحظاتٍ قليلة فحسب. ومع ذلك، فمهما بلغ الفارق بين مختلف الحالات، فثمّة أمرٌ مؤكّد: إن الفترة الزمنية الفاصلة بين التصرّف بسلع الرتبة الأعلى وحيازة سلع الرتبة الأدنى المقابلة لا يمكن أبدًا إلغاؤها إلغاءً تامًّا. ومن ثَمّ فإن سلع الرتبة الأعلى تكتسب طابعها السلعي وتحافظ عليه، لا بالنسبة إلى حاجات الحاضر الآنيّ، بل، نتيجةً لبُعد نظر الإنسان، بالنسبة فقط إلى الحاجات التي سيجري الشعور بها متى استُكملت عملية الإنتاج.
بعد ما قيل، يتّضح أن التصرّف بسلع الرتبة الأعلى والتصرّف بسلع الرتبة الأولى المقابلة يختلفان، بالنسبة إلى نوعٍ معيّن من الاستهلاك، في أن الأخيرة يمكن استهلاكها فورًا، في حين تمثّل الأولى مرحلةً أبكر في تكوين السلع الاستهلاكية، ومن ثَمّ لا يمكن استعمالها للاستهلاك المباشر إلا بعد مرور فترةٍ زمنية يُعتدّ بها، تطول أو تقصر تبعًا لطبيعة الحالة. لكن ثمّة فارقًا آخر بالغ الأهمية بين التصرّف المباشر بسلعةٍ استهلاكية والتصرّف غير المباشر بها (عن طريق حيازة سلع الرتبة الأعلى) يستحقّ منا النظر.
إن الشخص الذي تكون لديه سلعٌ استهلاكية تحت تصرّفه مباشرةً يكون على يقينٍ من كمّيتها ونوعيتها. أما الشخص الذي لا يتصرّف بها إلا تصرّفًا غير مباشر، عن طريق حيازة سلع الرتبة الأعلى المقابلة، فلا يستطيع أن يحدّد بالقدر نفسه من اليقين كمّية ونوعية سلع الرتبة الأولى التي ستكون تحت تصرّفه عند نهاية عملية الإنتاج.
إن الشخص الذي يملك مئة بوشل11 من الحبوب يستطيع أن يخطّط للتصرّف في هذه السلعة بذلك اليقين، من حيث الكمّية والنوعية، الذي تستطيع الحيازة المباشرة لأي سلعةٍ أن توفّره عمومًا. أما الشخص الذي يتصرّف بكمّياتٍ من الأرض والبذور والسماد والخدمات العمالية والأدوات الزراعية وما إلى ذلك، بالقدر الذي يلزم عادةً لإنتاج مئة بوشل من الحبوب، فيواجه احتمال حصاد أكثر من تلك الكمّية، لكنه يواجه أيضًا احتمال حصاد أقل. ولا يمكن استبعاد إمكان فشل الحصاد فشلًا تامًّا. وهو معرَّض، فضلًا عن ذلك، لقدرٍ يُعتدّ به من عدم اليقين فيما يتعلّق بنوعية المنتَج.
إن عدم اليقين هذا فيما يتعلّق بكمّية المنتَج ونوعيته اللذين يتصرّف بهما المرء عن طريق حيازة سلع الرتبة الأعلى المقابلة هو أكبر في بعض فروع الإنتاج منه في غيرها. فالفرد الذي تحت تصرّفه المواد والأدوات والخدمات العمالية اللازمة لإنتاج الأحذية، سيكون قادرًا، انطلاقًا من كمّية ونوعية سلع الرتبة الأعلى المتوافرة، على استخلاص استنتاجاتٍ بدرجةٍ كبيرة من الدقّة حول كمّية الأحذية ونوعيتها التي ستكون لديه عند نهاية عملية الإنتاج. أما الشخص الذي يتصرّف بحقلٍ صالح لزراعة الكتّان، والأدوات الزراعية المقابلة، فضلًا عمّا يلزم من خدماتٍ عمالية وبذور كتّان وسماد وما إلى ذلك، فلن يكون قادرًا على تكوين حكمٍ متيقَّن تيقّنًا تامًّا حول كمّية البذور الزيتية ونوعيتها التي سيحصدها عند نهاية عملية الإنتاج. ومع ذلك فسيكون معرَّضًا لقدرٍ من عدم اليقين أقلّ، فيما يتعلّق بكمّية منتَجه ونوعيته، من زارع الجنجل، أو الصيّاد، أو حتى صيّاد اللؤلؤ. ومهما بلغت هذه الفوارق بين مختلف فروع الإنتاج، وحتى وإن كان تقدّم الحضارة ينزع إلى تقليل ما ينطوي عليه الأمر من عدم يقين، فمن المؤكّد أن قدرًا يُعتدّ به من عدم اليقين بشأن كمّية المنتَج الذي يُحصَل عليه في النهاية ونوعيته سيكون حاضرًا دائمًا، وإن كان أحيانًا بدرجةٍ أكبر وأحيانًا بدرجةٍ أقل، تبعًا لطبيعة الحالة.
يكمن السبب الأخير لهذه الظاهرة في الوضع الخاصّ للإنسان إزاء العملية السببية التي تُسمّى إنتاج السلع. فسلع الرتبة الأعلى تتحوّل، وفقًا لقوانين السببية، إلى سلع الرتبة الأدنى التالية؛ ثم تتحوّل هذه أيضًا إلى أن تصير سلع الرتبة الأولى، فتُحدِث أخيرًا الحالة التي نسمّيها إشباع الحاجات الإنسانية. وسلع الرتبة الأعلى هي أهمّ عناصر هذه العملية السببية، لكنها ليست بحالٍ العناصر الوحيدة. فثمّة عناصر أخرى، إلى جانب تلك التي تنتمي إلى عالم السلع، تؤثّر في كمّية محصّلة العملية السببية التي تُسمّى إنتاج السلع ونوعيتها. وهذه العناصر الأخرى إما أن تكون من نوعٍ لم نُدرك ارتباطه السببي برفاهنا، وإما أن تكون عناصر نعرف جيّدًا تأثيرها في المنتَج لكنها، لسببٍ ما، خارجة عن سيطرتنا.
وهكذا، حتى وقتٍ قريب، لم يكن الناس يعرفون تأثير مختلف أنواع التُّرَب والمواد الكيميائية والأسمدة في نموّ مختلف النباتات، ومن ثَمّ لم يكونوا يعرفون أن هذه العوامل تُحدِث أحيانًا أثرًا أكثر مواتاةً وأحيانًا أقلّ مواتاة (بل وحتى أثرًا غير موات) في محصّلة عملية الإنتاج، من حيث كمّيتها ونوعيتها معًا. ونتيجةً للاكتشافات في حقل الكيمياء الزراعية، فقد أُزيل بالفعل قدرٌ معيّن من حالات عدم اليقين في الزراعة، وأصبح الإنسان في وضعٍ يمكّنه، بالقدر الذي تتيحه الاكتشافات نفسها، من استحثاث الآثار المواتية للعوامل المعروفة في كل حالة، وتجنّب الآثار الضارّة منها.
وتقدّم تقلّبات الطقس مثالًا من الفئة الثانية. فالمزارعون عادةً ما يكونون على وضوحٍ تامّ بشأن نوع الطقس الأكثر مواتاةً لنموّ النباتات. لكن لمّا كانوا لا يملكون القدرة على صنع طقسٍ موات أو منع طقسٍ ضارّ بالشتلات، فإنهم يعتمدون اعتمادًا غير قليل على تأثيره في كمّية منتَجهم المحصود ونوعيته. ومع أن الطقس، كسائر القوى الطبيعية، يُحدِث أثره وفقًا لقوانين سببية لا تُقهَر، فإنه يبدو للناس المدبّرين لاقتصادهم سلسلةً من المصادفات، إذ هو خارج عن نطاق سيطرتهم.
إن درجة اليقين الأكبر أو الأقل في التنبؤ بنوعية وكمية المنتَج الذي سيكون تحت تصرف الناس بفضل امتلاكهم لسلع المرتبة الأعلى اللازمة لإنتاجه، تتوقف على درجة اكتمال معرفتهم الأكبر أو الأقل بعناصر العملية السببية للإنتاج، وعلى درجة السيطرة الأكبر أو الأقل التي يمكنهم ممارستها على هذه العناصر. أما درجة عدم اليقين في التنبؤ بكمية المنتَج ونوعيته معًا فتتحدد بعلاقات معاكسة. فإن عدم اليقين البشري بشأن كمية ونوعية المنتَج (سلع المرتبة الأولى المقابلة) للعملية السببية بأكملها يكون أكبر كلما ازداد عدد العناصر الداخلة بأي شكل في إنتاج سلع الاستهلاك، تلك العناصر التي إما لا نفهمها، أو التي لا نملك السيطرة عليها حتى مع فهمنا لها، أي كلما ازداد عدد العناصر التي لا تتصف بصفة السلعة.
إن عدم اليقين هذا هو أحد أهم العوامل في عدم اليقين الاقتصادي لدى الناس، وهو، كما سنرى فيما يلي، ذو أعظم أهمية عملية في الاقتصاد البشري.
5. أسباب التقدم في الرفاه البشري
يقول Adam Smith: «إن أعظم تحسين في القوى المنتِجة للعمل، والجزء الأكبر من المهارة والبراعة والحصافة التي يُوجَّه بها العمل أو يُطبَّق في أي مكان، يبدو أنها كانت من آثار تقسيم العمل.»12 ويقول أيضًا: «إن التكاثر العظيم لمنتجات جميع الفنون المختلفة، نتيجةً لتقسيم العمل، هو ما يُحدِث في مجتمع جيد الحكم ذلك الرخاء العام الذي يمتد حتى أدنى طبقات الشعب.»13
على هذا النحو جعل Adam Smith من تقسيم العمل التدريجي العامل المحوري في التقدم الاقتصادي للبشرية، انسجامًا مع الأهمية الطاغية التي يُسندها إلى العمل بوصفه عنصرًا في الاقتصاد البشري. غير أنني أعتقد أن المؤلف البارز الذي اقتبست منه للتو قد ألقى الضوء، في فصله عن تقسيم العمل، على سبب واحد فقط من أسباب التقدم في الرفاه البشري، في حين فاتت انتباهَه أسبابٌ أخرى لا تقل عنه فعالية.
لنا أن نفترض أن المهام في الاقتصاد الجامع لقبيلة أسترالية مقسَّمة، في معظمها، على نحو بالغ الكفاءة بين مختلف أفراد القبيلة. فبعضهم صيادون؛ وآخرون صيادو أسماك؛ وآخرون منشغلون على نحو حصري بجمع الأطعمة النباتية البرية. وبعض النساء منهمكات كليًّا في إعداد الطعام، وأخريات في صناعة الملابس. ولنا أن نتصور تقسيم العمل في القبيلة وقد بلغ مدى أبعد، بحيث يصبح كل مهمة متمايزة منوطةً بفرد متخصص بعينه من أفراد القبيلة. فلنتساءل الآن: هل كان لتقسيم العمل المدفوع إلى هذا الحد أثرٌ في زيادة كمية السلع القابلة للاستهلاك المتاحة لأفراد القبيلة، شبيهٌ بذلك الأثر الذي اعتبره Adam Smith نتيجةً لتقسيم العمل التدريجي؟ من الواضح أن هذه القبيلة (أو أي شعب آخر) ستحقق، نتيجةً لمثل هذا التغيير، إما النتيجة ذاتها من عملها ببذل جهد أقل، أو نتيجةً أكبر مما سبق ببذل الجهد نفسه. وبذلك ستحسِّن حالها، بقدر ما هو ممكن أصلًا، بواسطة توزيع أكثر ملاءمةً وكفاءةً للمهام المهنية. لكن هذا التحسُّن مختلف جدًّا عن ذلك الذي يمكننا ملاحظته في الحالات الفعلية للشعوب المتقدمة اقتصاديًّا.
لنقارن هذه الحالة الأخيرة بحالة أخرى. لنفترض شعبًا يمدّ اهتمامه إلى سلع المرتبة الثالثة والرابعة والمراتب الأعلى، بدلًا من أن يقصر نشاطه على مهام اقتصاد جامع بدائي فحسب، أي على اقتناء السلع المتاحة طبيعيًّا من أدنى مرتبة (وهي عادةً سلع المرتبة الأولى، وربما الثانية). فإذا وجَّه هذا الشعب تدريجيًّا سلعًا من مراتب أعلى فأعلى إلى إشباع حاجاته، ولا سيما إذا اقترنت كل خطوة في هذا الاتجاه بتقسيم عمل ملائم، فسنلاحظ بلا ريب ذلك التقدم في الرفاه الذي كان Adam Smith ميّالًا إلى نسبته على وجه الحصر إلى العامل الأخير. سنرى الصياد، الذي يطارد الطريدة في البداية بهراوة، يتحوّل إلى الصيد بالقوس وشَبَكة الصيد، ثم إلى تربية الماشية بأبسط صورها، وعلى التوالي إلى صور أكثر كثافةً من تربية الماشية. وسنرى الناس، الذين كانوا في البداية يعيشون على النباتات البرية، يتحوّلون إلى صور أكثر كثافةً من الزراعة. وسنرى نشوء الصناعات التحويلية وتحسُّنها بواسطة الأدوات والآلات. وفي أوثق ارتباط بهذه التطورات، سنرى رفاه هذا الشعب يتنامى.
وكلما تقدّمت البشرية في هذا الاتجاه، ازدادت أنواع السلع تنوّعًا، وازدادت بالتبعية المهن تنوّعًا، وازداد تقسيم العمل التدريجي ضرورةً واقتصاديةً. لكن من الواضح أن الزيادة في سلع الاستهلاك المتاحة للناس ليست الأثر الحصري لتقسيم العمل. بل إن تقسيم العمل لا يمكن حتى وصفه بأنه السبب الأهم في التقدم الاقتصادي للبشرية. والصواب أن يُنظر إليه باعتباره عاملًا واحدًا فقط بين المؤثرات العظيمة التي تنقل البشرية من البربرية والبؤس إلى الحضارة والثروة.
أما تفسير أثر التوظيف المتزايد لسلع المرتبة الأعلى في الكمية المتنامية من السلع المتاحة للاستهلاك البشري (سلع المرتبة الأولى)، فهو مسألة قليلة الصعوبة.
في أكثر صوره بدائيةً، يقتصر الاقتصاد الجامع على جمع تلك السلع من أدنى مرتبة التي يصادف أن تقدّمها الطبيعة. وبما أن الأفراد المدبِّرين لا يمارسون أي تأثير على إنتاج هذه السلع، فإن نشأتها مستقلة عن رغبات الناس وحاجاتهم، ومن ثَمّ فهي بالنسبة إليهم عَرَضية. لكن إذا تخلّى الناس عن هذه الصورة الأكثر بدائيةً للاقتصاد، وفحصوا السبل التي يمكن بها أن تتركّب الأشياء في عملية سببية لإنتاج سلع الاستهلاك، واستحوذوا على الأشياء القابلة لأن تُركَّب على هذا النحو، وعاملوها بوصفها سلع مرتبة أعلى، فإنهم سيحصلون على سلع استهلاك تكون نتائجَ لعمليات طبيعية بقدر ما هي عليه سلع استهلاك الاقتصاد الجامع البدائي، لكن الكميات المتاحة من هذه السلع لن تظل مستقلة عن رغبات الناس وحاجاتهم. بل ستتحدد كميات سلع الاستهلاك بعملية تكون في قدرة الناس وتنظِّمها المقاصد البشرية ضمن الحدود التي ترسمها القوانين الطبيعية. فسلع الاستهلاك، التي كانت من قبلُ نتاج تزامن عَرَضي لظروف نشأتها، تغدو نتاجًا للإرادة البشرية، ضمن الحدود التي ترسمها القوانين الطبيعية، حالما يدرك الناس هذه الظروف ويحقّقون السيطرة عليها. والكميات من سلع الاستهلاك المتاحة للناس لا تحدّها إلا سعة المعرفة البشرية بالروابط السببية بين الأشياء، وسعة السيطرة البشرية على هذه الأشياء. وقد أدّى الفهم المتزايد للروابط السببية بين الأشياء والرفاه البشري، والسيطرة المتزايدة على الشروط الأبعد المسؤولة عن الرفاه البشري، إلى نقل البشرية، من ثَمّ، من حال البربرية والبؤس الأعمق إلى طورها الراهن من الحضارة والرفاهية، وإلى تحويل أقاليم شاسعة كان يسكنها قليلٌ من البشر البائسين المفرطي الفقر إلى بلدان متحضرة كثيفة السكان. وما من شيء أكثر يقينًا من أن درجة التقدم الاقتصادي للبشرية ستظل، في حِقَب المستقبل، متناسبةً مع درجة تقدّم المعرفة البشرية.
6. الملكية
إن حاجات الناس متعددة، وحياتهم ورفاههم غير مكفولَين إذا لم يكن تحت تصرفهم سوى الوسائل، مهما كانت وافرة، اللازمة لإشباع واحدة فقط من هذه الحاجات. ومع أن طريقة إشباع حاجات الناس ودرجة اكتمال هذا الإشباع يمكن أن تُظهرا تنوّعًا يكاد لا يكون له حد، فإن قدرًا من الانسجام في إشباع حاجاتهم يظل، إلى حدٍّ معيّن، لا غنى عنه لحفظ حياتهم ورفاههم. فقد يعيش أحدهم في قصر، ويتناول أشهى الأطعمة، ويرتدي أغلى الثياب. وقد يجد آخر مَقَرّه في الركن المظلم من كوخ بائس، ويتغذى على البقايا، ويستر نفسه بالأسمال. لكن على كلٍّ منهما أن يسعى إلى إشباع حاجاته إلى المأوى والملبس، فضلًا عن حاجته إلى الطعام. ومن الواضح أن حتى أكمل إشباع لحاجة واحدة لا يمكنه أن يحفظ الحياة والرفاه.
وبهذا المعنى ليس من غير الصواب القول إن جميع السلع التي يملكها الفرد المدبِّر تحت تصرفه متبادلة الاعتماد فيما بينها من حيث صفتها كسلع، إذ إن كل سلعة بعينها لا تستطيع بلوغ الغاية التي تخدمها جميعًا، أي حفظ الحياة والرفاهية، بمفردها، بل فقط في تركيب مع السلع الأخرى.
في اقتصاد منزلي معزول، بل وحتى حين لا يوجد بين الناس سوى قليل من التبادل، يكون هذا الغرض المشترك للسلع اللازمة لحفظ الحياة البشرية والرفاه ظاهرًا، إذ تكون جميعها تحت تصرف فرد مدبِّر واحد. وانسجام الحاجات التي تسعى المنازل الفردية إلى إشباعها ينعكس في ملكيتها.14 وفي طور أعلى من الحضارة، ولا سيما في اقتصادنا التبادلي البالغ التطور، حيث يمنح امتلاك كمية معتبرة من أي سلعة اقتصادية واحدة سيطرةً على كميات مقابلة من جميع السلع الأخرى، يبدو تبادل الاعتماد بين السلع أقل وضوحًا في اقتصاد أفراد المجتمع، لكنه يبرز على نحو أكثر تميّزًا بكثير إذا نُظر إلى النظام الاقتصادي بمجمله.
نرى في كل مكان أن السلع المنفردة ليست هي التي تخدم مقاصد الناس المدبِّرين، بل تركيبات من سلع مختلفة الأنواع. وهذه التركيبات من السلع تكون تحت تصرف الأفراد إما مباشرةً، كما هي الحال في الاقتصاد المنزلي المعزول، أو في جزء منها مباشرةً وفي جزء آخر بصورة غير مباشرة، كما هي الحال في اقتصادنا التبادلي المتطور. وهذه السلع في مجموعها فقط هي التي تُحدِث الأثر الذي نسمّيه إشباع متطلباتنا، ومن ثَمّ كفالة حياتنا ورفاهنا.
إن مجموع السلع كاملًا الذي يكون تحت تصرف الفرد المدبِّر لإشباع حاجاته، نسمّيه ملكيته. على أن ملكيته ليست كميةً من السلع مجموعةً اعتباطًا، بل هي انعكاس مباشر لحاجاته، كلٌّ متكامل لا يمكن إنقاص أو زيادة أي جزء جوهري منه دون المساس بتحقيق الغاية التي يخدمها.