Essay · Austrian School · 1896

حول اختتام نظام Marx

Reading time
138 min
Published
1896
Summary

يفحص Eugen von Böhm-Bawerk في هذه الرسالة الجدلية الصادرة سنة 1896 ما إذا كان المجلد الثالث من 'رأس المال' لـ Marx، المنشور بعد وفاته، يحلّ التناقض الذي أُعلن عنه في المجلد الأول: وهو أن السلع تتبادل من جهة بمقدار العمل المتجسّد فيها، بينما تدرّ رؤوس الأموال المتساوية في المقدار من جهة أخرى ربحاً متساوياً. يعرض Böhm-Bawerk أولاً نظرية Marx في القيمة والقيمة الزائدة وكذلك نظريته في أسعار الإنتاج، ثم يفكّك أربع حجج يدّعي بها Marx استمرار سريان قانون القيمة، وينتهي إلى أن المجلد الثالث ينكر المجلد الأول. وفي القسم الرابع يردّ الخطأ إلى اشتقاق قضية قيمة العمل اشتقاقاً جدلياً محضاً، منقطعاً عن التجربة وعن التحليل النفسي. ويتناول قسم ختامي نقدياً محاولة Werner Sombart في إنقاذ النظرية، إذ يؤوّل القيمة عند Marx على أنها مجرد واقعة فكرية.

ملاحظة تمهيدية

لقد كان Karl Marx ككاتب رجلاً سعيداً يُحسَد على حظه. لن يرغب أحد في الادعاء بأن مؤلَّفه يُعدُّ من الكتب سهلة القراءة سهلة الفهم. إن قدراً أقل بكثير من العبء المتمثل في الجدلية الصعبة وفي الاستنتاجات المُجهِدة التي تعمل بأدوات رياضية لكان قد غدا، بالنسبة إلى معظم الكتب الأخرى، عائقاً لا يُتغلَّب عليه أمام شقّ طريقها إلى الجمهور الواسع. ومع ذلك صار Marx رسولاً لأوسع الأوساط، ولا سيما لأوساطٍ ليست قراءة الكتب الصعبة من شأنها في العادة. على أن حججه الجدلية لم تكن البتة ذات قوة ووضوح آسِرَين على نحوٍ لا يُجادَل فيه. بل على العكس: إن رجالاً كانوا من أكثر مفكري علمنا جدية ووقاراً، مثل Carl Knies، قد أثاروا منذ اللحظة الأولى ذلك المأخذ، الذي لا ينبغي بالتأكيد الاستهانة به والمدعوم بحجج ذات وزن، وهو أن المذهب الماركسي مشوبٌ منذ أساسه ذاته بتناقضات منطقية وواقعية من كل صنف. وعليه فقد كان من الممكن أن يحدث بسهولة للمؤلَّف الماركسي ألّا يجد عند أيٍّ من فئات الجمهور موضعاً حسناً: لا عند الجمهور الواسع، لأنه لم يكن يفقه جدليته الصعبة على الإطلاق، ولا عند أهل الاختصاص، لأنهم كانوا يفقهونها ويفقهون نقائصها فقهاً جيداً أكثر مما ينبغي. غير أن الأمر جرى في الواقع على نحوٍ مغاير.

كذلك لم يكن مما يعوق تأثير المؤلَّف الماركسي أنه بقي ناقصاً (Torso) في حياة مؤلِّفه. ففي العادة يميل المرء، وليس عن غير حق، إلى الارتياب على نحوٍ خاص تجاه المجلدات الأولى المعزولة من الأنظمة الجديدة بالذات. ففي «الأجزاء العامة» يمكن بالفعل عرض المبادئ العامة عرضاً جميلاً جداً؛ أما ما إذا كانت تملك حقاً تلك القوة الحلّالة التي ينسبها إليها مؤلِّفها، فذلك إنما يُختبَر أولاً في بناء النظام تفصيلاً، أولاً حين تُعرَض الواحد تلو الآخر على جميع الوقائع المفردة. وفي تاريخ العلوم ليست الحالات نادرة البتة، تلك التي لم يَتبَع فيها مجلداً أولَ أُرسِل بكل أملٍ وادعاءٍ مجلدٌ ثانٍ على الإطلاق، رغم حياة المؤلِّف وصحته الجيدة، وذلك لأن الفكرة الأساسية الجديدة لم تستطع اجتياز محنة النار المتمثلة في الوقائع الملموسة أمام المؤلِّف نفسه الذي ينظر إليها نظرة أدقّ. أما Karl Marx فلم يُعانِ من مثل هذا الارتياب. فقد سلَّفته جموع أتباعه، استناداً إلى المجلد الأول، ثقةً مؤمنةً لا حدّ لها حتى في مضمون مجلدات النظام التي لم تُكتب بعد.

وقد وُضع هذا الإيمان القائم على الائتمان، في حالة واحدة، على محكٍّ صعب على نحوٍ خاص. فقد كان Marx قد علَّم في مجلده الأول أن كل قيمة السلع تقوم على العمل المُجسَّد فيها، وأنه بقوة «قانون القيمة» يجب من ثَمّ أن تتبادل بنسبة العمل المُجسَّد فيها: وأن الربح أو فائض القيمة الذي يؤول إلى الرأسماليين هو، فضلاً عن ذلك، ثمرة استغلالٍ مُمارَس على العمال، غير أن مقدار فائض القيمة لا يقوم بنسبة مقدار رأس المال الكامل الذي يستخدمه الرأسمالي، بل فقط بنسبة مقدار الجزء «المتغيّر» منه، أي الجزء المستخدَم في دفع أجور العمل، في حين أن ما يُسمّى رأس المال «الثابت» المستخدَم في شراء وسائل الإنتاج لا يستطيع «أن يُولِّد فائض قيمة». غير أنه في الواقع، في الحياة العملية، يقوم ربح رأس المال بنسبة رأس المال المُستثمَر كله، وما يرتبط بذلك إلى حدٍّ كبير هو أن السلع في الواقع لا تتبادل أيضاً بنسبة كمية العمل المُجسَّد فيها. فها هنا إذن كان ثمة تناقض بين النظام والوقائع، يكاد توضيحه المُرضي يبدو مستحيلاً. ولم يكن هذا التضارب القائم قد فات Marx نفسه. وهو يقول في شأنه: «إن هذا القانون» ـ أي أن فائض القيمة يقوم بنسبةٍ تقتصر على المكوّنات المتغيّرة لرؤوس الأموال ـ «يناقض بجلاء كل تجربة قائمة على ظاهر العيان». لكنه يمضي في إعلان أن التناقض ليس إلا تناقضاً ظاهرياً، يتطلب حلُّه بعدُ حلقاتٍ وسيطة كثيرة، ويُعِد بأن يُتوقَّع هذا الحل في مجلدات لاحقة من مؤلَّفه. أما النقد العلمي فقد رأى، بكل ما لديه من قطع، أنه يحقّ له أن يتنبأ بأن Marx لن يستطيع أبداً الوفاء بهذا الوعد، لأن التناقض تناقضٌ لا يُصالَح، وسعى إلى إثبات ذلك إثباتاً مستفيضاً. غير أن هذه الاستنتاجات لم تترك أي انطباع البتة على جموع أتباعه؛ فمجرد وعد Marx كان يساوي عندهم أكثر من كل البراهين المنطقية المضادة.

وتنامى التوتر حين لم يأتِ حتى المجلد الثاني من مؤلَّفه، الذي صدر بعد وفاة الأستاذ، لا بمحاولة الحل المُعلَن عنها، التي كانت بحسب خطة المؤلَّف بأسره مُدّخَرة للمجلد الثالث، ولا حتى بأخفّ إشارة إلى الاتجاه الذي كان Marx يعتزم أن يلتمس فيه الحل. في المقابل، تضمّنت مقدمة الناشر Friedrich Engels من جهةٍ الإعلانَ القاطعَ من جديد بأن الحل وارد في المخطوطة التي خلّفها Marx، ومن جهة أخرى تحدياً علنياً موجَّهاً ابتداءً إلى أتباع المنافِس الأدبي Rodbertus، يدعوهم إلى أن يحاولوا، في الفترة الفاصلة إلى حين صدور المجلد الثالث، بقواهم الخاصة حلَّ اللغز المتمثل في «كيف يمكن، بل يجب، أن يتشكّل معدّل ربح متوسط متساوٍ، لا من دون انتهاك قانون القيمة فحسب، بل على أساسه بالأحرى».

إنني أعدّ من أبهى التكريمات التي أمكن تقديمها للمفكر Marx أن ذلك التحدي قد لُبّي تلبيةً بهذه الكثرة، ومن أوساطٍ أوسع بكثير من تلك التي كان قد وُجِّه إليها ابتداءً. فلم يَكدّ نفسَه في الدخول إلى البنية المفترَضة لمسارات أفكار Marx التي كانت لا تزال محجوبة بالسرّ، متسابقين، أتباعُ Rodbertus وحدهم، بل كذلك رجالٌ من معسكر Marx نفسه، بل حتى اقتصاديون لم يكونوا يَدينون بالتبعية لأيٍّ من رأسَي النظرية الاشتراكية هذين، بل كان Marx من المرجَّح أن يصفهم بـ«الاقتصادي العامّي» (Vulgärökonom). وهكذا تطوّر بين سنة 1885، عام صدور المجلد الثاني، وسنة 1894، عام صدور المجلد الثالث من «رأس المال» الماركسي، أدبٌ من قبيل ألغاز المسابقات حول «الأرباح المتوسطة» وعلاقتها بـ«قانون القيمة». غير أنه، في الحق، لم يَظفر أيٌّ من المتسابقين بالجائزة، كما أثبت Fr. Engels، الذي رحل هو أيضاً الآن، في الحكم الذي أصدره عليهم في مقدمته للمجلد الثالث.

وبصدور هذا المجلد الختامي من النظام الماركسي بعد تأخّرٍ طويل، دخل الأمر أخيراً في طور الفصل النهائي. فمن مجرد الوعد بحلٍّ كان في وسع كل امرئ أن يأخذ بقدر ما يشاء، قليلاً أو كثيراً. فالوعود من جهة والحجج من جهة أخرى كانتا، إلى حدٍّ ما، غير قابلتَين للقياس بعضهما ببعض. كذلك لم يكن على أتباع النظرية الماركسية أن يعترفوا بأي انتصارات تُحرَز على محاولات حلٍّ غريبة، حتى لو كانت هذه المحاولات، بحسب رأي أصحابها وجهدهم، محفوظة على نحوٍ بالغ في روح النظرية الماركسية: فقد كان في وسعهم دوماً أن يستأنفوا من النسخة المُخفِقة إلى النموذج الأصلي الموعود. أما الآن فقد خرج هذا النموذج أخيراً إلى النور، وبذلك انتُزع للنزاع الذي دام ثلاثين عاماً ميدانُ قتالٍ ثابتٌ محدَّد المعالم بدقةٍ ووضوح، يجب على الطرفين داخله، بدلاً من التَلهية المستمرة بكشوفات مقبلة أو القفز إلى تأويلات غير أصيلة متبدّلة على نحوٍ بروتيوسيّ، أن يصمدا على النحو اللائق وأن يخوضا الأمر إلى نهايته. فهل حلّ Marx نفسه لغزه؟ هل ظلّ نظامه المكتمل أميناً لذاته وللوقائع أم لا؟

Chapter I.

النظرية في القيمة وفائض القيمة

إن الدعامتَين الأساسيتَين للنظام الماركسي هما مفهومه عن القيمة وقانونه في القيمة. فمن دونهما لكانت، كما يكرّر Marx مراراً، كلُّ معرفة علمية بالعمليات الاقتصادية مستحيلة. والطريقة التي يشتقّ بها كليهما قد عُرضت ونوقشت مرات لا تُحصى. ومع ذلك، فحرصاً على ربط الكلام، لا بد لنا من أن نُلخّص بإيجاز أهمّ حلقات مسار فكره.

إن مجال البحث الذي يتعهّد Marx بتقصّيه كي «يقتفي أثر القيمة» (I. 23)1، يقصره ابتداءً على السلع، التي ينبغي أن نفهم منها بمعناه لا جميع الأموال الاقتصادية، بل فقط منتجات العمل المُنتَجة للسوق⁶. وهو يبدأ بـ«تحليل السلعة» (I. 9). فالسلعة من جهةٍ، بوصفها شيئاً نافعاً يُشبع بخواصّه حاجاتٍ بشرية من نوعٍ ما، هي قيمة استعمال، ومن جهة أخرى تشكّل الحامل المادي لقيمة التبادل. وإلى هذه الأخيرة ينتقل التحليل الآن. «إن قيمة التبادل تظهر أولاً بوصفها النسبة الكمّية، التناسب، الذي تتبادل بمقتضاه قِيَمُ استعمالٍ من نوعٍ ما مقابل قِيَم استعمالٍ من نوع آخر، نسبةٌ تتبدّل باستمرار بتبدّل الزمان والمكان». فيبدو إذن أنها شيء عَرَضيّ. ومع ذلك لا بد أن يكون في هذا التبدّل شيء باقٍ يتعهّد Marx باقتفاء أثره. وهو يفعل ذلك على طريقته الجدلية المعروفة. «لنأخذ سلعتَين، مثلاً القمح والحديد. فأياً تكن نسبة تبادلهما، فإنها قابلة دوماً للعرض في معادلةٍ يُساوى فيها مقدارٌ معطى من القمح بمقدارٍ ما من الحديد، مثلاً 1 رِبع (Quarter) قمح = a قنطار حديد. فماذا تقول هذه المعادلة؟ تقول إن شيئاً مشتركاً من المقدار نفسه موجود في شيئَين مختلفَين، في 1 رِبع قمح وكذلك في a قنطار حديد. فكلاهما إذن مساوٍ لشيءٍ ثالث، هو في ذاته ولذاته لا هذا ولا ذاك. فكل واحدٍ منهما، بقدر ما هو قيمة تبادل، يجب إذن أن يكون قابلاً للإرجاع إلى هذا الثالث».

«هذا الشيء المشترك» ـ يمضي Marx ـ «لا يمكن أن يكون خاصية هندسية أو فيزيائية أو كيميائية أو غيرها من الخواص الطبيعية للسلع. فإن خواصها الجسمية لا تأتي في الاعتبار على الإطلاق إلا بقدر ما تجعلها نافعة، أي قِيَم استعمال. ومن جهة أخرى فإن نسبة تبادل السلع تتميّز، فيما يبدو للعين، بالتجريد من قِيَم استعمالها. فضمن هذه النسبة تساوي قيمةُ استعمالٍ تماماً ما تساويه كلُّ قيمة استعمال أخرى، ما دامت موجودة بالتناسب اللائق. أو، كما يقول الشيخ Barbon: ’إن صنفاً من السلع جيد كالآخر تماماً، إذا تساوت قيمة تبادلهما. فلا توجد ثمة أي مغايرة أو قابلية للتمييز بين أشياء متساوية القدر في قيمة التبادل. فالسلع بوصفها قِيَم استعمال هي قبل كل شيء مختلفةُ الكيف، وبوصفها قِيَم تبادل لا يمكن أن تكون إلا مختلفةَ الكمّ، فهي إذن لا تحتوي على ذرّةٍ من قيمة الاستعمال».

«فإذا صرفنا النظر الآن عن قيمة استعمال أجسام السلع، لم تبقَ لها إلا خاصية واحدة، هي خاصية كونها منتجاتِ عمل. غير أن منتَج العمل قد تحوّل هو أيضاً بين أيدينا. فإذا جرّدنا من قيمة استعماله، جرّدنا أيضاً من المكوّنات والأشكال الجسمية التي تجعله قيمة استعمال. فلم يعد طاولةً ولا بيتاً ولا غزلاً ولا أي شيءٍ نافعٍ آخر. فقد طُمست كل خواصّه الحسّية. كما أنه لم يعد منتَج عمل النجّارة أو عمل البناء أو عمل الغزل أو أي عملٍ منتِج محدَّد آخر. فمع زوال الطابع النافع لمنتجات العمل يزول الطابع النافع للأعمال المُمثَّلة فيها، وتزول إذن أيضاً مختلف الأشكال الملموسة لهذه الأعمال؛ فهي لم تعد تتمايز، بل غدت جميعها مُرجَعة إلى عملٍ بشري متساوٍ، عملٍ بشري مجرّد».

"لننظر الآن في بقايا منتجات العمل. لم يبقَ منها سوى تلك الموضوعية الشبحية ذاتها، أي مجرّد هلام من العمل البشري عديم التمايز، بمعنى إنفاق قوة العمل البشري بصرف النظر عن صورة إنفاقها. هذه الأشياء لم تعد تمثّل سوى أنّ قوة العمل البشري قد أُنفقت في إنتاجها، وأنّ العمل البشري قد تراكم فيها. وبوصفها بلّورات لهذا الجوهر الاجتماعي المشترك بينها، فإنها ـ قِيَم."

وبهذا يكون مفهوم القيمة قد وُجد وحُدِّد. وهو من حيث الصورة الجدلية ليس مطابقًا للقيمة التبادلية، لكنه يقوم معها، كما أودّ أن أثبت من الآن، في أوثق العلاقات وأشدّها تلاحمًا وعدم انفصال: فهو نوع من التقطير المفهومي المستخلص من القيمة التبادلية. إنه، إذا تكلّمنا بكلمات Marx نفسه، "ذلك المشترك الذي يتجلّى في نسبة التبادل أو القيمة التبادلية للسلع"، كما أنّ "القيمة التبادلية"، على العكس، هي بدورها "صيغة التعبير الضرورية أو صورة الظهور للقيمة" (I. 13).

ينتقل Marx من تحديد مفهوم القيمة إلى عرض مقياسها ومقدارها. ولمّا كان العمل هو جوهر القيمة، فإنّ مقدار قيمة جميع السلع يُقاس أيضًا، باتّساق، بكمّ العمل المتضمَّن فيها، أو بزمن العمل. ولكن ليس بذلك الزمن الفردي الذي صادف أن احتاج إليه الفرد بعينه الذي أنتج السلعة، بل بـ"زمن العمل الضروري اجتماعيًا"، الذي يفسّره Marx بأنه "زمن العمل اللازم لإنتاج أيّ قيمة استعمالية في ظلّ شروط الإنتاج العادية اجتماعيًا والقائمة، وبالدرجة الاجتماعية من المهارة وكثافة العمل" (I. 14). "إنّ كمّ العمل الضروري اجتماعيًا، أو زمن العمل الضروري اجتماعيًا لإنتاج قيمة استعمالية، هو وحده ما يحدّد مقدار قيمتها. وتُعدّ السلعة المنفردة هنا، عمومًا، نموذجًا متوسّطًا من نوعها. ولذلك فإنّ السلع التي تتضمّن كمّيات متساوية من العمل، أو التي يمكن إنتاجها في زمن العمل نفسه، لها مقدار القيمة نفسه. وتتناسب قيمة سلعة ما إلى قيمة أيّ سلعة أخرى كما يتناسب زمن العمل الضروري لإنتاج الأولى إلى زمن العمل الضروري لإنتاج الأخرى. والسلع جميعها، بوصفها قِيَمًا، ليست سوى كُتل محدّدة من زمن العمل المتجمّد."

من كلّ ذلك يُستمدّ الآن مضمون "قانون القيمة" العظيم، الذي هو "ملازم لتبادل السلع" (I. 141، 150) ويحكم نسب التبادل. وهو يقول، ولا يمكنه بعد ما سبق أن يقول شيئًا آخر، إنّ السلع تتبادل فيما بينها بحسب نسبة العمل المتوسّط الضروري اجتماعيًا المتجسّد فيها (مثلًا I. 52). وثمة صيغ أخرى للتعبير عن القانون نفسه، وهي أنّ السلع "تتبادل بحسب قِيَمها" (مثلًا I. 142، 183، III. 167)، أو أنّ "المكافئ يُتبادَل بالمكافئ" (مثلًا I. 150، 183). صحيح أنه في الحالة المنفردة، تبعًا للتقلّبات اللحظية في العرض والطلب، تظهر أيضًا أسعار تقع فوق القِيَم أو تحتها. غير أنّ هذه "التذبذبات الدائمة لأسعار السوق... يعوّض بعضها بعضًا، ويلغي بعضها بعضًا تبادليًا، وتختزل نفسها إلى السعر المتوسّط بوصفه قاعدتها الداخلية" (I. 151، حاشية 37) (MEW 23، S. 180). وعلى المدى الطويل، يفرض "زمن العمل الضروري اجتماعيًا" نفسه دائمًا "في نسب التبادل العَرَضية والمتقلّبة على الدوام بوصفه قانونًا طبيعيًا منظِّمًا فرضًا قسريًا" (I. 52). ويخاطب Marx هذا القانون بوصفه "القانون الأزلي لتبادل السلع" (I. 182)، وبوصفه "العقلاني"، و"القانون الطبيعي للتوازن" (III. 167): أما الحالات التي تتبادل فيها السلع، كما قيل، بأسعار تنحرف عن قِيَمها، فينبغي النظر إليها قياسًا إلى القاعدة على أنها "عَرَضية" (I. 150، حاشية 37)، وإلى الانحراف نفسه على أنه "انتهاك لقانون تبادل السلع" (I. 142).

على هذه الأسس النظرية للقيمة يقيم Marx بعد ذلك الجزء الثاني من صرحه التعليمي، أي مذهبه الشهير عن "القيمة الزائدة". إنه يبحث في مصدر الربح الذي يجنيه الرأسماليون من رساميلهم. فالرأسماليون يطرحون مبلغًا معيّنًا من المال، ويحوّلونه إلى سلع، ثمّ يعيدون تحويل هذه السلع ـ بعملية إنتاج تتوسّط ذلك أو من دونها ـ عن طريق البيع إلى مزيد من المال. فمن أين يأتي هذا التزايد، هذا الفائض في المبلغ المسحوب على المبلغ المُقدَّم أصلًا، أو، كما يسمّيه Marx، "القيمة الزائدة"؟

يبدأ Marx أولًا، على طريقته الخاصة في الإقصاء الجدلي، بتحديد شروط المشكلة. فيبيّن أولًا أنّ القيمة الزائدة لا يمكن أن تنشأ لا من كون الرأسمالي، بوصفه مشتريًا، يشتري السلع بانتظام دون قيمتها، ولا من كونه، بوصفه بائعًا، يبيعها بانتظام فوق قيمتها. وعليه تُطرح المشكلة على النحو التالي: "إنّ مالكنا للنقود... لا بدّ أن يشتري السلع بقيمتها، وأن يبيعها بقيمتها، ومع ذلك أن يسحب في نهاية العملية مالًا أكثر مما طرح فيها... هذه هي شروط المشكلة. Hic Rhodus, hic salta!" (I. 150 وما بعدها).

يجد Marx الحلّ الآن في أنّ هناك سلعة تمتلك قيمتها الاستعمالية الخاصية المميَّزة المتمثّلة في كونها مصدرًا للقيمة التبادلية. وهذه السلعة هي مَلَكة العمل أو قوة العمل. وهي تُعرَض للبيع في السوق بشرطٍ مزدوج: أن يكون العامل حرًّا شخصيًا ـ وإلا لما عُرضت قوة عمله للبيع، بل شخصه كلّه، بوصفه عبدًا ـ وأن يكون العامل مجرَّدًا من "جميع الأشياء اللازمة لتحقيق قوة عمله"، وإلا لفضّل أن ينتج لحسابه الخاصّ وأن يعرض منتجاته للبيع بدلًا من قوة عمله. فعن طريق التجارة بهذه السلعة يكتسب الرأسمالي الآن القيمة الزائدة. وذلك على النحو التالي.

تتحدّد قيمة سلعة "قوة العمل"، شأن كلّ سلعة أخرى، بحسب زمن العمل اللازم لإعادة إنتاجها، أي في هذه الحالة بحسب زمن العمل اللازم لإنتاج ما يكفي من وسائل المعيشة للحفاظ على العامل. فإذا لزم، مثلًا، لإنتاج وسائل المعيشة الضرورية ليوم واحد زمن عملٍ اجتماعي قدره 6 ساعات، وإذا كان في الوقت نفسه، كما سنفترض، زمن العمل هذا متجسّدًا في 3 شلنات ذهبًا، فإنّ قوة عملٍ ليومٍ واحد ستكون قابلة للشراء بـ3 شلنات. فإذا أبرم الرأسمالي هذه الصفقة، صارت القيمة الاستعمالية لقوة العمل ملكًا له، وهو يحقّقها بأن يجعل العامل يعمل لحسابه. فلو جعله يعمل يوميًا عددًا من الساعات بقدر ما هو متجسّد في قوة العمل نفسها، وبقدر ما كان عليه أن يدفعه عند شرائها، لما نشأت قيمة زائدة. ذلك أنّ 6 ساعات عملٍ لا يمكنها، بحسب الافتراض، أن تضيف إلى المنتج المتجسّدة فيه قيمةً أكبر من 3 شلنات؛ وهذا القدر هو بالضبط ما دفعه الرأسمالي أجرًا. لكنّ الرأسماليين لا يتصرّفون هكذا. فحتى لو اشتروا قوة العمل بسعرٍ لا يقابل سوى زمن عملٍ مدّته ستّ ساعات، فإنهم يجعلون العامل يعمل لحسابهم اليوم بأكمله. والآن تكون في المنتج الذي يُخلَق خلال هذا اليوم ساعات عملٍ متجسّدة أكثر مما كان على الرأسمالي أن يدفعه؛ ولذلك تكون له قيمة أكبر من الأجر المدفوع، والفارق هو "القيمة الزائدة" التي تؤول إلى الرأسمالي.

وإليك مثالًا. لنفترض أنّ عاملًا يستطيع في 6 ساعات أن يغزل 10 أرطال من القطن خيوطًا. ولنفترض أنّ هذا القطن قد تطلّب لإنتاجه هو نفسه 20 ساعة عمل، وأنّه يملك بالتالي قيمة قدرها 10 شلنات. ولنفترض كذلك أنّ الغازل يستهلك خلال ساعات الغزل الستّ من الأداة ما يقابل عملًا مدّته أربع ساعات، ويمثّل بالتالي قيمة قدرها 2 شلن ـ عندئذٍ تبلغ القيمة الإجمالية لوسائل الإنتاج المستهلَكة في الغزل 12 شلنًا تقابل 24 ساعة عمل. وفي عملية الغزل "يمتصّ" القطن 6 ساعات عملٍ إضافية أخرى: فيكون الخيط الجاهز بمجمله ناتج 30 ساعة عمل، وتكون له بالتالي قيمة قدرها 15 شلنًا. وبافتراض أنّ الرأسمالي يجعل العامل المستأجَر يعمل 6 ساعات فقط في اليوم، فإنّ إنتاج الخيط يكون قد كلّف الرأسمالي أيضًا 15 شلنًا كاملة: 10 شلنات للقطن، و2 شلن لتآكل الأدوات، و3 شلنات أجرًا. ولا تظهر هنا قيمة زائدة.

ويختلف الأمر تمامًا إذا جعل الرأسمالي العامل يعمل 12 ساعة يوميًا. ففي 12 ساعة يعالج العامل 20 رطلًا من القطن، متجسّدة فيها سلفًا 40 ساعة عمل، وتساوي بالتالي 20 شلنًا، ويستهلك علاوة على ذلك من الأدوات ناتج 8 ساعات عملٍ بقيمة 4 شلنات، لكنه يضيف إلى المادة الخام خلال يومٍ واحد 12 ساعة عمل، أي قيمةً جديدة قدرها 6 شلنات. والآن يكون الميزان على النحو التالي. لقد كلّف الخيط المُنتَج خلال يومٍ واحد ما مجموعه 60 ساعة عمل، وله بالتالي قيمة قدرها 30 شلنًا؛ أما نفقات الرأسمالي فقد بلغت 20 شلنًا للقطن، و4 شلنات لتآكل الأدوات، و3 شلنات للأجر، فهي معًا 27 شلنًا فقط؛ ويتبقّى الآن "قيمة زائدة" قدرها 3 شلنات.

فالقيمة الزائدة هي إذن، بحسب Marx، نتيجة لكون الرأسمالي يجعل العامل يعمل لحسابه جزءًا من اليوم من دون أن يدفع له أجرًا عن ذلك. ويمكن أن نميّز في يوم عمل العامل جزأين. ففي الجزء الأول، أي "زمن العمل الضروري"، ينتج العامل قُوت معيشته الخاصّ، أو قيمته؛ وعن هذا الجزء من عمله يتلقّى مكافئًا في الأجر. وخلال الجزء الثاني، أي "زمن العمل الفائض"، يُستغَلّ، فينتج "القيمة الزائدة" من دون أن ينال هو نفسه أيّ مكافئ عنها (I. 205 وما بعدها). "إنّ كلّ قيمة زائدة... هي من حيث جوهرها تجسيد لزمن عملٍ غير مدفوع" (I. 554).

ومهمّة جدًا، ومميِّزة للنظام الماركسي، هي تحديدات مقدار القيمة الزائدة التي تتبع الآن. فيمكن وضع مقدار القيمة الزائدة في علاقة بمقادير أخرى مختلفة. والنسب والأرقام النسبية التي تنشأ عن ذلك يجب أن يُفصَل بعضها عن بعض بحدّة.

أولًا، ينبغي أن نميّز، داخل الرأسمال الذي يخدم الرأسمالي في تملّك القيمة الزائدة، جزأين يؤدّيان فيما يتعلّق بنشوء القيمة الزائدة دورين مختلفين تمامًا. فالذي يستطيع وحده أن يخلق قيمة زائدة جديدة فعلًا هو العمل الحيّ الذي يجعل الرأسمالي العمال يؤدّونه، في حين أنّ قيمة وسائل الإنتاج المستهلَكة تُحفَظ ببساطة فحسب، إذ تظهر من جديد في صورة متبدّلة في قيمة المنتج، لكنها لا تستطيع أن تضيف قيمة زائدة. "فالجزء من الرأسمال إذن الذي يتحوّل إلى وسائل إنتاج، أي إلى مادة خام ومواد مساعدة ووسائل عمل، لا يغيّر مقدار قيمته في عملية الإنتاج" ـ ولهذا يسمّيه Marx "الرأسمال الثابت". "أما الجزء من الرأسمال المتحوّل إلى قوة عمل، فيغيّر بالمقابل قيمته في عملية الإنتاج. إنه يعيد إنتاج مكافئه الخاصّ وفائضًا عليه"، أي القيمة الزائدة بالذات. ولذلك يسمّيه Marx "الجزء المتغيّر من الرأسمال" أو "الرأسمال المتغيّر" (I. 199) (I. S. 244). أما النسبة التي تقوم بها القيمة الزائدة إلى الجزء المتغيّر المُقدَّم من الرأسمال، والذي "يثمّن نفسه" فيه، فيسمّيها Marx معدّل القيمة الزائدة. وهي مطابقة للنسبة القائمة بين زمن العمل الفائض وزمن العمل الضروري، أو بين العمل غير المدفوع والعمل المدفوع، ولذلك تُعدّ عند Marx "التعبير الدقيق عن درجة استغلال العمل" (I. 207 وما بعدها). فإذا بلغ، مثلًا، زمن العمل الضروري الذي ينتج فيه العامل قيمة أجره اليومي البالغ 3 شلنات 6 ساعات، بينما يبلغ زمن العمل اليومي 12 ساعة، حيث ينتج العامل خلال الساعات الستّ الثانية، بوصفها زمن عملٍ فائض، قيمة قدرها 3 شلنات أيضًا، بوصفها قيمة زائدة، فإنّ القيمة الزائدة تبلغ تمامًا قدر الرأسمال المتغيّر المُقدَّم لأغراض الأجر، ويُحسَب معدّل القيمة الزائدة بـ100 ٪.

ويختلف عن ذلك تمامًا معدّل الربح. فالرأسمالي يحسب القيمة الزائدة التي يتملّكها لا على الجزء المتغيّر من الرأسمال وحده، بل على رأسماله المستخدَم بأكمله. فإذا بلغ، مثلًا، الرأسمال الثابت 410 جنيهات إسترلينية، والمتغيّر 90 جنيهًا إسترلينيًا، والقيمة الزائدة كذلك 90 جنيهًا إسترلينيًا، فإنّ معدّل القيمة الزائدة يكون، كما سبق، 100 ٪، لكنّ معدّل الربح لا يكون سوى 18 ٪، أي 90 جنيهًا إسترلينيًا ربحًا على رأسمال إجمالي مستثمَر قدره 500 جنيه إسترليني.

ومن الواضح الآن كذلك أن معدلًا واحدًا بعينه لفائض القيمة يمكن، بل يجب، أن يتجلى في معدلات ربح شديدة التباين، تبعًا لتركيب رأس المال المعني: فمعدل الربح يكون أعلى كلما كان الجزء المتغير من رأس المال أقوى تمثيلًا والجزء الثابت أضعف، إذ إن هذا الأخير لا يسهم في نشوء فائض القيمة، لكنه يوسّع القاعدة التي يُحسب عليها فائض القيمة بوصفه ربحًا، فائض القيمة الذي لا يتحدد إلا تبعًا للجزء المتغير من رأس المال. فإذا كان مثلًا، وهو أمر يكاد لا يكون ممكنًا عمليًا، رأس المال الثابت مساويًا للصفر ورأس المال المتغير 50 جنيهًا إسترلينيًا، وكان معدل فائض القيمة، وفق الافتراض السابق، 100%، فإن فائض القيمة المُنتَج يبلغ هو الآخر 50 جنيهًا إسترلينيًا، وبما أنه يُحسب على رأس مال إجمالي قدره 50 جنيهًا إسترلينيًا فقط، فإن معدل الربح في هذه الحالة يبلغ هو الآخر 100% كاملة. أما إذا كان رأس المال الإجمالي مركّبًا من رأس مال ثابت ومتغير بنسبة 4 : 1، أي بعبارة أخرى إذا أُضيف إلى رأس المال المتغير البالغ 50 جنيهًا إسترلينيًا رأسُ مال ثابت قدره 200 جنيه إسترليني، فإن فائض القيمة البالغ 50 جنيهًا إسترلينيًا، المتكوّن عند معدل لفائض القيمة قدره 100%، يجب أن يُوزّع على رأس مال إجمالي قدره 250 جنيهًا إسترلينيًا، فلا يمثّل بالنسبة إليه سوى معدل ربح قدره 20%. وأخيرًا، لو كانت نسبة التركيب 9 : 1، أي 450 جنيهًا إسترلينيًا رأس مال ثابت مقابل 50 جنيهًا إسترلينيًا رأس مال متغير، لكان فائض قيمة قدره 50 جنيهًا إسترلينيًا يقع على رأس مال إجمالي قدره 500 جنيه إسترليني، ولما بلغ معدل الربح سوى 10%.

وهذا يقود الآن إلى نتيجة بالغة الطرافة والأهمية، ويقود، في تتبّعها الأبعد، إلى مرحلة جديدة كل الجدّة في النظام الماركسي، وهي أهم ابتكار في المجلد الثالث.

Chapter II.

نظرية معدل الربح المتوسط وأسعار الإنتاج

بيد أن تلك النتيجة هي الآتية. إن "التركيب العضوي" (III. 124) لرؤوس الأموال يكون بالضرورة، لأسباب تقنية، مختلفًا في مختلف "مجالات الإنتاج". ففي مختلف الصناعات، التي تتطلب بالفعل معالجات تقنية شديدة التباين، يُعالَج في يوم عمل واحد كمٌّ شديد التفاوت من المواد الخام؛ أو إذا كان كمّ المواد الخام، عند تشابه المعالجات، متساويًا تقريبًا، فقد تكون مع ذلك قيمتها شديدة التباين، كما هو الحال مثلًا بين النحاس والحديد بوصفهما مادتين خامتين لصناعة المعادن؛ أو أخيرًا، قد يكون مقدار وقيمة تجهيزات المصنع والأدوات والآلات، التي تخص كل عامل مشتغل، متفاوتًا. وكل هذه العوامل المسبّبة للتباين تستلزم، ما لم يحدث أن يعوّض بعضها بعضًا مصادفةً في حالات استثنائية نادرة، نسبةً مختلفةً بالنسبة لمختلف فروع الإنتاج بين رأس المال الثابت المستثمر في وسائل الإنتاج، ورأس المال المتغير المستخدَم في شراء العمل. ومن ثمّ يكون لكل فرع من فروع الإنتاج في اقتصاد قومي "تركيبُه العضوي" الخاص المتمايز لرأس المال المستخدَم فيه. وبمقتضى ما سبق عرضه، ينبغي ويجب إذن، عند تساوي معدل فائض القيمة، أن يُظهر كل فرع من فروع الإنتاج معدلَ ربح آخر متمايزًا، إن كانت السلع تتبادل فعلًا، كما افترض ماركس دائمًا حتى الآن، "بقيمها" أو بنسبة العمل المتجسّد فيها.

وبهذا يصل ماركس إلى تلك الصخرة الكبرى الشهيرة في نظريته، التي شكّلت إمكانيةُ تجاوزها أهمَّ نقاط الخلاف في الأدبيات الماركسية على مدى السنوات العشر الأخيرة. فنظريته تقتضي أن تُظهر رؤوسُ الأموال المتساوية في الحجم، المختلفة في التركيب العضوي، أرباحًا متفاوتة؛ بيد أن العالم الواقعي يتبدّى محكومًا على نحو غاية في الوضوح بالقانون القائل إن رؤوس الأموال المتساوية في الحجم تدرّ ربحًا متساويًا، بصرف النظر عن تباينها المحتمل في التركيب العضوي. فلندع ماركس يقرّر هذا التناقض بعباراته الخاصة:

"لقد بيّنّا إذن: أنه في مختلف فروع الصناعة، تبعًا للتركيب العضوي المختلف لرؤوس الأموال، وفي الحدود المبيّنة تبعًا أيضًا لأزمنة دورانها المختلفة، تسود معدلاتُ ربح متفاوتة، وأنه لذلك، حتى عند تساوي معدل فائض القيمة، لا يسري القانون (من حيث الميل العام) القائل إن الأرباح تتناسب مع أحجام رؤوس الأموال، وإن رؤوس الأموال المتساوية في الحجم تدرّ في أزمنة متساوية أرباحًا متساوية في الحجم، إلا على رؤوس الأموال ذات التركيب العضوي المتساوي، بافتراض تساوي أزمنة الدوران. وما عُرض إنما يسري على الأساس الذي كان عمومًا أساس عرضنا حتى الآن: أن السلع تُباع بقيمها. ومن جهة أخرى، لا يخالطه شك في أنه في الواقع، بصرف النظر عن الفروق غير الجوهرية والعرضية والمتعادلة، لا وجود لتباين معدلات الربح المتوسطة بين مختلف فروع الصناعة، ولا يمكن أن يوجد، دون أن يُلغى نظام الإنتاج الرأسمالي برمّته. فيبدو إذن أن نظرية القيمة هنا غير قابلة للتوفيق مع الحركة الواقعية، غير قابلة للتوفيق مع الظواهر الفعلية للإنتاج، وأنه لذلك يجب التخلّي عمومًا عن فهم هذه الأخيرة." (III. 131 fg.)

فكيف يحاول ماركس نفسه الآن حلّ هذا التناقض؟ إن ذلك يحدث، باختصار، على حساب الافتراض الذي ظلّ ماركس ينطلق منه دائمًا حتى الآن، أي أن السلع تُباع بقيمها. فماركس يتخلّى الآن عن هذا الافتراض ببساطة. أما ما يعنيه هذا التخلّي بالنسبة للنظام الماركسي، فسيكون علينا أن نكوّن حكمنا النقدي بشأنه بعد قليل. وفي الوقت الراهن أواصل عرضي التلخيصي لمسار الفكر الماركسي، وذلك من خلال مثال جدوليّ جعله ماركس هو الآخر أساسًا لعرضه.

وهذا المثال يضع في مقارنة خمسة مجالات إنتاج مختلفة، لكلٍّ منها تركيب عضوي مختلف لرؤوس الأموال المستثمرة فيه، ويتمسّك في ذلك بدايةً بالافتراض السابق نفسه، أي أن السلع تُباع بقيمها. ولإيضاح الجدول التالي، الذي يبيّن نتائج هذا الافتراض، تجدر الإشارة كذلك إلى أن c تعني رأس المال الثابت، وأن v تعني رأس المال المتغير، وأنه، إنصافًا للتباينات الفعلية في الحياة الواقعية، يُفترض في المثال (مع ماركس) أن رؤوس الأموال الثابتة المستخدَمة "تَبلى" بسرعات متفاوتة، بحيث لا يُستهلك سنويًا إلا جزء من رأس المال الثابت، جزءٌ متفاوت الحجم في مختلف مجالات الإنتاج. ولا يدخل في قيمة المنتَج بطبيعة الحال سوى الجزء المستهلَك من رأس المال الثابت، أي "c المستهلَك"، في حين يؤخذ في الحسبان، عند حساب معدل الربح، كاملُ "c المستخدَم".

الجدول 1

رأس المال رقم معدل فائض القيمة فائض القيمة معدل الربح c المستهلَك قيمة السلع
I 80 c + 20 v 100% 20 20% 50 90
II 70 c + 30 v 100% 30 30% 51 111
III 85 c + 15 v 100% 15 15% 40 70
IV 60 c + 40 v 100% 40 40% 51 131
V 95 c + 5 v 100% 5 5% 10 20

وكما يُرى، يُظهر هذا الجدول لمختلف مجالات الإنتاج، عند استغلال متساوٍ للعمل، معدلاتِ ربح شديدة التباين، تبعًا للتركيب العضوي المختلف لرؤوس الأموال. غير أن المرء يستطيع أن ينظر إلى الوقائع والمعطيات نفسها من زاوية أخرى أيضًا.

"إن المجموع الكلي لرؤوس الأموال المستثمرة في المجالات الخمسة = 500؛ والمجموع الكلي لفائض القيمة المُنتَج منها = 110؛ والقيمة الإجمالية للسلع المُنتَجة منها = 610. ولو اعتبرنا الـ 500 رأسَ مال واحدًا، تشكّل I ـ V منه أجزاءً مختلفة فحسب (كما توجد مثلًا في مصنع للقطن، في الأقسام المختلفة، في حجرة التمشيط وحجرة الغزل التمهيدي وقاعة الغزل وقاعة النسيج، نسبٌ مختلفة من رأس المال المتغير والثابت، ويجب أن تُحسب النسبة المتوسطة للمصنع بأكمله أولًا)، لكان التركيب المتوسط لرأس المال البالغ 500 = 390 c + 110 v، أو بالنسب المئوية 78 c + 22 v. ولو اعتُبر كلٌّ من رؤوس الأموال البالغة 100 خُمسًا فقط من رأس المال الإجمالي، لكان تركيبه هو هذا المتوسط البالغ 78 c + 22 v؛ وكذلك لوقع على كل 100 فائضُ قيمة متوسط قدره 22؛ ومن ثمّ لكان معدل الربح المتوسط = 22%" (III. 133/4)

فبأي أسعار يجب الآن أن تُباع السلع المفردة، حتى يحقّق كلٌّ من رؤوس الأموال الجزئية الخمسة فعلًا معدلَ الربح المتوسط المتساوي هذا؟ هذا ما يبيّنه الجدول التالي. وقد أُدرج فيه بوصفه حلقة وسطى بندُ "سعر الكلفة"، ويعني به ماركس ذلك الجزء من قيمة السلعة الذي يعوّض للرأسمالي سعرَ وسائل الإنتاج المستهلَكة وسعرَ قوة العمل المستخدَمة، لكنه لا يحتوي بعدُ على أي فائض قيمة أو ربح، فيساوي بذلك مجموعَ v + c المستهلَك.

الجدول 2

20 v | 20 | 50 | 90 | 70 | 92 | 22% | + 2 | | II

70 c +

30 v | 30 | 51 | 111 | 81 | 103 | 22% | - 8 | | III

40 v | 40 | 51 | 131 | 91 | 113 | 22% | - 18 | | IV

رأس المال رقم فائض القيمة c المستهلَك قيمة السلع سعر كلفة السلع سعر السلع معدل الربح انحراف السعر عن القيمة
I
80 c +
60 c +
85 c +
95 c + 5
v 5 10 20 15 37 22% + 17

"إجمالًا" ـ يعلّق ماركس على نتائج هذا الجدول ـ "تُباع السلع بمقدار 2 + 7 + 17 = 26 فوق القيمة و 8 + 18 = 26 دون القيمة، بحيث إن انحرافات الأسعار يلغي بعضها بعضًا عبر التوزيع المتساوي لفائض القيمة، أو عبر إضافة الربح المتوسط البالغ 22 على كل 100 من رأس المال المُقدَّم إلى أسعار الكلفة المعنية للسلع I ـ V؛ فبالنسبة نفسها التي يُباع بها جزء من السلع فوق قيمته، يُباع جزء آخر دون قيمته. وبيعها بمثل هذه الأسعار وحده هو ما يجعل معدل الربح متساويًا بالنسبة لـ I ـ V، أي 22%، بصرف النظر عن التركيب العضوي المختلف لرؤوس الأموال I ـ V" (III, 135).

كل هذا، كما يبيّن Marx فيما بعد، ليس مجرد افتراض نظري، بل واقع كامل. والعامل الفاعل هو المنافسة. صحيح أنه نتيجة للتركيب العضوي المختلف لرؤوس الأموال المستثمرة في فروع الإنتاج المختلفة تكون "معدلات الربح السائدة في فروع الإنتاج المختلفة مختلفة جدًا في الأصل". لكن "هذه المعدلات المختلفة للربح تُسوّى بفعل المنافسة إلى معدل ربح عام يكون هو متوسط جميع معدلات الربح المختلفة هذه. والربح الذي يصيب رأس مال ذا حجم معطى وفقًا لمعدل الربح العام هذا، أيًا كان تركيبه العضوي، يُسمى الربح المتوسط. وسعر سلعةٍ ما، المساوي لسعر كلفتها مضافًا إليه الجزء من الربح السنوي المتوسط على رأس المال المستخدم في إنتاجها (وليس فقط المستهلك في الإنتاج) الذي يصيبها بنسبة شروط دورانها، هو سعر إنتاجها" (III. 136). وهذا في الواقع مطابق لـ natural price عند Adam Smith، ولـ price of production عند Ricardo، ولـ prix nécessaire عند الفيزيوقراطيين (III. 178). والنسبة الفعلية لتبادل السلع المفردة لم تعد تتحدد بقيمها، بل بأسعار إنتاجها، أو كما يحب Marx أن يعبّر عنها: "تتحول القيم إلى أسعار إنتاج" (مثلًا III. 176). والقيمة وسعر الإنتاج لا يتطابقان إلا على سبيل الاستثناء، وكأنه بمحض الصدفة، عند تلك السلع التي تُنتَج بمساعدة رأس مال يصادف أن يكون تركيبه العضوي مساويًا تمامًا للتركيب المتوسط لمجمل رأس المال الاجتماعي. وفي جميع الحالات الأخرى تتباعد القيمة وسعر الإنتاج بالضرورة ومن حيث المبدأ. وذلك بالمعنى التالي. نسمي، تبعًا لـ Marx، "رؤوس الأموال التي تحتوي نسبيًا على رأس مال ثابت أكثر، ومن ثم رأس مال متغير أقل من رأس المال الاجتماعي المتوسط: رؤوس أموال ذات تركيب أعلى؛ وبالعكس تلك التي يشغل فيها رأس المال الثابت حيزًا صغيرًا نسبيًا، والمتغير حيزًا أكبر مما هو عليه في رأس المال الاجتماعي المتوسط، رؤوس أموال ذات تركيب أدنى". وهكذا، في جميع تلك السلع المنتجة بمساعدة رأس مال ذي تركيب "أعلى" من المتوسط، يكون سعر الإنتاج فوق قيمتها، وفي الحالة المعاكسة دون القيمة. أو إن سلع النوع الأول تُباع بالضرورة وبانتظام فوق قيمتها، وسلع النوع الثاني دون قيمتها (III. 142 وما يليها، وفي مواضع أخرى كثيرة).

"رغم أن رأسماليي مجالات الإنتاج المختلفة يستردون عند بيع سلعهم قيم رؤوس الأموال المستهلكة في إنتاج هذه السلع، فإنهم لا يحصّلون فائض القيمة، ومن ثم الربح، المنتَج في مجالهم الخاص عند إنتاج هذه السلع، بل يحصّلون فقط ذلك القدر من فائض القيمة، ومن ثم الربح، الذي يصيب كل جزء متناسب من مجمل رأس المال عند توزيعٍ متساوٍ لمجمل فائض القيمة أو مجمل الربح المنتَج في فترة زمنية معطاة بفعل مجمل رأس مال المجتمع في كل مجالات الإنتاج مجتمعةً. فعن كل 100 يجني كل رأس مال مُقدَّم، أيًا كان تركيبه، في كل سنة أو فترة زمنية أخرى، الربح الذي يصيب الـ 100 لتلك الفترة بوصفها جزءًا من مجمل رأس المال. والرأسماليون المختلفون يتصرفون هنا، فيما يخص الربح، كمجرد مساهمين في شركة مساهمة، تُوزَّع فيها حصص الربح بالتساوي عن كل 100، ومن ثم لا تختلف بالنسبة للرأسماليين المختلفين إلا بحسب حجم رأس المال الذي وضعه كلٌّ منهم في المشروع الكلي، بحسب مشاركته النسبية في المشروع الكلي، بحسب عدد أسهمه." (III. 136 وما يليها)

مجمل الربح ومجمل فائض القيمة كمّيتان متطابقتان (III. 151, 152). والربح المتوسط ليس شيئًا آخر سوى "مجموع كتلة فائض القيمة، موزَّعةً على كتل رأس المال في كل مجال إنتاجي بنسبة أحجامها" (III. 153).

ومن النتائج المهمة المترتبة على ذلك أن الربح الذي يجنيه الرأسمالي المفرد لا ينبع بأي حال من العمل الذي يستخدمه هو نفسه وحده (III. 149)، بل غالبًا ما ينبع في جزء كبير منه، وأحيانًا، كما هو الحال في رأس المال التجاري مثلًا (III. 265)، كليًا من عمّال لا يكون للرأسمالي المعني أي تماس معهم على الإطلاق. ويجد Marx في الختام بعدُ سؤالًا يطرحه ويجيب عنه، يعدّه "السؤال الصعب فعلًا": وهو السؤال عن كيفية حدوث "هذه التسوية للأرباح إلى معدل الربح العام، ما دامت هي بكل وضوح نتيجةً، ولا يمكن أن تكون نقطة انطلاق؟" (III. 153)

يطوّر أولًا الرأي القائل إنه في حالة اجتماعية لا يسود فيها بعدُ نمط الإنتاج الرأسمالي، أي حالة يكون العمال أنفسهم فيها في حيازة وسائل الإنتاج اللازمة، تتبادل السلع فعليًا بحسب قيمتها الحقيقية، ومن ثم لا تتساوى معدلات الربح. غير أن التفاوت القائم فعليًا في معدلات الربح يكون، ما دام العمال يحصلون عند ذلك دائمًا على فائض قيمة متساوٍ لقاء زمن عمل متساوٍ، أي على قيمة متساوية تفيض عن حاجاتهم الضرورية، ويمكنهم الاحتفاظ بها لأنفسهم، "ظرفًا لا يهمّ في شيء، تمامًا كما لا يهمّ العامل الأجير اليوم في شيءٍ في أي معدل ربحٍ يُعبَّر عن الكمّية من فائض القيمة المنتزعة منه" (III. 155). وبما أن هذه العلاقات، التي تكون فيها وسائل الإنتاج ملكًا للعامل، هي تاريخيًا الأسبق، وتوجد في العالم القديم كما في العالم الحديث، مثلًا عند الفلاح المالك للأرض العامل بنفسه وعند الحرفي، فإن Marx يرى نفسه محقًا في القول بأنه "ملائم تمامًا من الناحية الفنية أن يُنظر إلى قيم السلع لا نظريًا فحسب، بل تاريخيًا أيضًا، باعتبارها السابق على أسعار الإنتاج (Prius)" (III. 156)

أما في المجتمع المنظَّم رأسماليًا فإن هذا التحول للقيم إلى أسعار إنتاج، وما يرتبط به من تسوية لمعدلات الربح، يحدث بالفعل. وعن القوى المحركة لعملية التسوية هذه وعن طريقة عملها يفصح Marx، بعد مناقشات تمهيدية طويلة يجري فيها الحديث عن تكوّن قيمة السوق وسعر السوق، ولا سيما في حالة إنتاج أجزاء مختلفة من السلعة الواردة إلى السوق في ظل شروط إنتاج متفاوتة المؤاتاة، بوضوح وإيجاز كبيرين في الكلمات التالية: "إذا بِيعت السلع ... بقيمها، نشأت ... معدلات ربح شديدة التفاوت ... لكن رأس المال ينسحب من مجالٍ ذي معدل ربح منخفض ويلقي بنفسه على آخر يدرّ ربحًا أعلى. وبهذه الهجرة المستمرة خروجًا ودخولًا، أي بكلمة واحدة بتوزيعه بين المجالات المختلفة بحسب أين يهبط معدل الربح وأين يرتفع، يُحدِث نسبةً للعرض إلى الطلب بحيث يصير الربح المتوسط واحدًا في مجالات الإنتاج المختلفة، ومن ثم تتحول القيم إلى أسعار إنتاج" (III. 175/6)2

15 v | 15 | 40 | 70 | 55 | 77 | 22% | + 7 | | V

Chapter III.

مسألة التناقض

لقد كان كاتب هذه السطور قد صاغ، قبل سلسلة طويلة من السنين، أي قبل وقت طويل من نشوء الأدبيات الموصوفة في المقدمة حول قابلية معدل ربح متوسط متساوٍ للتوفيق مع قانون القيمة الماركسي، رأيه في هذا الموضوع بالكلمات التالية: "إما أن تتبادل المنتجات فعليًا على المدى الطويل بنسبة العمل المتجسد فيها ... ـ فعندئذٍ يكون تسوية أرباح رأس المال مستحيلة. وإما أن تحدث تسوية لأرباح رأس المال ـ فعندئذٍ يستحيل أن تستمر المنتجات في التبادل بنسبة العمل المتجسد فيها".⁹

إن عدم القابلية الفعلية للتوفيق بين هذين الافتراضين قد اعترف به من داخل المعسكر الماركسي أولًا، قبل بضع سنين، Conrad Schmidt.¹⁰ وها نحن نملك الآن التأكيد الموثوق من المعلّم نفسه. فقد صرّح بوضوح كامل وصراحة تامة بأن معدل ربح متساويًا لا يصبح ممكنًا إلا ببيع السلع بأسعار يُباع فيها جزء من السلع فوق قيمته وجزء آخر دون قيمته، أي تتبادل على نحوٍ منحرف عن نسبة العمل المتجسد فيها. كما لم يتركنا في شكٍّ بشأن أيٍّ من القانونين غير القابلين للتوفيق يعدّه ذاك المطابق للواقع. فهو يعلّم بوضوح وصراحة تستحقان الشكر أن ذاك هو تسوية أرباح رأس المال. ولا يتردد في أن يعلّم، بالوضوح والصراحة نفسيهما، أن السلع المفردة لا تتبادل فيما بينها فعليًا بنسبة العمل المتجسد فيها، بل بتلك النسبة المنحرفة عنه التي تستلزمها تسوية أرباح رأس المال.

فما هي العلاقة التي تربط هذا التعليم الوارد في المجلد الثالث بقانون القيمة الشهير الوارد في المجلد الأول؟ هل يتضمن الحلَّ المنتظَر بكل هذا الترقّب للتناقض "الظاهري"؟ هل يتضمن البرهنة على "كيف يمكن، بل يجب، أن يتكوّن معدل ربح متوسط متساوٍ لا من دون انتهاك قانون القيمة فحسب، بل بالأحرى على أساسه"؟ أم إنه يتضمن بالأحرى عين العكس: أي إثبات تناقض حقيقي لا يقبل المصالحة، والبرهنة على أن معدل الربح المتوسط المتساوي لا يمكن أن يتكوّن إلا إذا، ولأنّ، قانون القيمة المزعوم لا يسري؟

أعتقد أن من ينظر بحياد ورزانة لن يبقى في الشك طويلًا. ففي المجلد الأول كان قد عُلِّم بأشد ما يمكن من التوكيد أن كل قيمة تتأسس على العمل وعلى العمل وحده، وأن قيم السلعة يتناسب بعضها مع بعض كتناسب زمن العمل اللازم لإنتاجها؛ وقد استُنبِطت هذه القضايا واستُقطِرت تحديدًا وحصرًا من نسب تبادل السلع التي تكون "كامنة" فيها؛ وكنا قد أُرشِدنا إلى "الانطلاق من قيمة التبادل ونسبة تبادل السلع لتتبّع أثر القيمة المختبئة فيها" (I. 23)؛ وفُسِّرت لنا القيمة بوصفها المشترَك "الذي يتمثل في نسبة تبادل السلع" (I. 13)، وقد قيل لنا، بصيغة استنتاجٍ قاهر لا يحتمل أي استثناء وبتوكيده، إن مساواة سلعتين في التبادل تعني أن "مشترَكًا من الحجم نفسه" موجودٌ فيهما، يجب أن تكون كلٌّ من السلعتين "قابلة للرد إليه" (I. 11)، ومن ثم يجب، بصرف النظر عن انحرافات لحظية عرضية، تظهر مع ذلك "كانتهاك لقانون تبادل السلع" (I. 142)، أن تتبادل على المدى الطويل ومن حيث المبدأ السلعُ التي تجسّد قدرًا متساويًا من العمل بعضها ببعض. ـ والآن، في المجلد الثالث، يُفسَّر لنا بإيجاز وجفاف أن ما يجب أن يكون بحسب تعليم المجلد الأول ليس كائنًا ولا يمكن أن يكون؛ وأن السلع المفردة تتبادل، ولا بالصدفة أو بشكل عابر بل بالضرورة وعلى الدوام، بنسبةٍ غير نسبة العمل المتجسد، ويجب أن تتبادل كذلك!

لا حيلة لي، فأنا لا أرى هنا شيئًا من تفسير تناقضٍ والتوفيق بينه، بل أرى التناقض العاري نفسه. إن المجلد الثالث من Marx ينكر المجلد الأول. فنظرية معدل الربح المتوسط وأسعار الإنتاج لا تتوافق مع نظرية القيمة. هذا هو الانطباع الذي أعتقد أن كل مفكّر منطقي لا بد أن يتلقّاه. ويبدو أنه قد ساد إلى حدٍّ بعيدٍ بصورة عامة. فـ Loria، بأسلوبه الحيّ الغني بالصور، يجد نفسه مدفوعًا إلى "حكم قاسٍ لكنه عادل"، وهو أن Marx قدّم "تضليلًا بدلًا من حل"؛ وهو يرى في نشر المجلد الثالث "الحملة الروسية" لنظام Marx، و"إفلاسه النظري الأكمل"، و"انتحارًا علميًا"، و"أصرحَ تخلٍّ عن تعليمه الخاص" (l'abdicazione più esplicita alla dottrina stessa)، و"التحاقًا تامًا وكاملًا بأكثر تعاليم الاقتصاديين المقيتين أرثوذكسيةً".¹¹

لكن حتى رجلٌ قريب من النظام الماركسي قُربَ Werner Sombart لا يسعه إلا أن يصف الأثر الأرجح الذي سيُحدثه المجلد الثالث لدى أغلب القرّاء بأنه "هزٌّ عامٌّ للرؤوس". "فأغلب القرّاء لن يميلوا إطلاقًا إلى اعتبار 'حلّ' 'لغز معدّل الربح المتوسط'، بالصورة التي قُدّم بها الآن، 'حلًّا' بالفعل؛ بل سيرون أن العقدة قد قُطعت لا أنها حُلّت بأيّ حال. ذلك أنه إذا برزت فجأةً من العمق نظريةُ تكاليف إنتاجٍ 'عاديةٌ تمامًا'، فهذا يعني تحديدًا أن نظرية القيمة الشهيرة قد سقطت تحت الطاولة. فإذا كنتُ في نهاية المطاف سأصل مع ذلك إلى تكاليف الإنتاج لتفسير الربح: فما الحاجة إذن إلى كلّ ذلك الجهاز المتثاقل لنظرية القيمة وفائض القيمة؟"¹² غير أن Sombart يحتفظ لنفسه بحكمٍ آخر بالطبع. فهو يُقدِم على محاولة إنقاذٍ غريبة الطابع، لكنه يُلقي فيها بالكثير من الشيء المراد إنقاذه في عرض البحر، حتى ليبدو لي من المشكوك فيه جدًّا ما إذا كان سينال بذلك شكرَ أيٍّ من المعنيين. وسأتناول هذه المحاولة الإنقاذية، المثيرة والمفيدة على كلّ حال، بمزيدٍ من القرب. غير أننا لم نبلغ ذلك الحدّ بعدُ؛ فقبل المدافع بعد وفاته يجب علينا أن نُصغي إلى الأستاذ نفسه، وذلك بكلّ ما يستحقّه أمرٌ بهذه الأهمية من انتباهٍ وعناية.

وكما هو بدهيٌّ تمامًا، فإن Marx نفسه كان لا بدّ أن يتوقّع أن يُوجَّه إلى "حلّه" مأخذُ أنه ليس "حلًّا" بل تخلٍّ عن قانونه في القيمة. ومن هذا التوقّع نشأت على ما يبدو دفاعٌ ذاتيٌّ مُسبَق، يَرِد في عمل Marx وإن لم يكن في صورته فمن حيث جوهره. فإن Marx لا يُغفل أن يُضمِّن في مواضع عديدة الزعمَ الصريح بأنه على الرغم من السيطرة المباشرة لأسعار الإنتاج المنحرفة عن القيم على نِسَب التبادل، فإن كلّ شيء لا يزال يتحرّك في إطار قانون القيمة، وأن هذا القانون لا يزال، "في المحلّ الأخير" على الأقل، يُمارس السيطرة على الأسعار. وهو يحاول أن يجعل هذا الفهم معقولًا عبر شروحٍ وملاحظاتٍ مختلفة. وهذه الشروح لا تحمل طابعًا موحّدًا. فإن Marx لا يُجري حول هذا الموضوع، خلافًا لعادته في غير ذلك، برهنةً رسميةً مُحكمة متماسكة، بل يكتفي بعددٍ من الملاحظات العَرَضية المتوازية التي تتضمّن حُججًا متباينة الأنواع أو عباراتٍ يمكن تأويلها بوصفها كذلك. وفي هذا الوضع لا يمكن الحكم على أيٍّ من هذه الحجج كان Marx نفسه يريد أن يُلقي عليها الثِّقَل الأكبر، ولا كيف كان يتصوّر العلاقة المتبادلة بين هذه الحجج المتباينة الأنواع. ومهما يكن من أمر، فإننا في كلّ الأحوال، إذا أردنا أن نُنصِف الأستاذ ومهمّتنا النقدية معًا، مَدينون لكلٍّ من هذه الحجج بأدقّ انتباهٍ وأنزه تقدير.

حجّة: حتى وإن كانت السلع المفردة تُباع فيما بينها فوق قيمها أو دونها، فإن هذه الانحرافات المتقابلة يُلغي بعضها بعضًا، وفي المجتمع نفسه إذن – إذا نُظر إلى مجموع فروع الإنتاج كلّها – يبقى مع ذلك مجموع أسعار إنتاج السلع المنتَجة مساويًا لمجموع قيمها.

حجّة: قانون القيمة يحكم حركة الأسعار، من حيث إن نقصان أو ازدياد وقت العمل اللازم للإنتاج يجعل أسعار الإنتاج ترتفع أو تنخفض (III. 158، وعلى نحوٍ مشابه III. 156).

حجّة: قانون القيمة يحكم، بحسب زعم Marx، بسلطةٍ غير منقوصة تبادلَ السلع في مراحل "أصلية" معيّنة، لم يتمّ فيها بعدُ تحوّل القيم إلى أسعار إنتاج.

حجّة: في الاقتصاد الوطني المعقّد "يُنظّم" قانون القيمة على الأقل بصورة غير مباشرة و"في المحلّ الأخير" أسعارَ الإنتاج، من حيث إن مجموع قيمة السلع، الذي يتحدّد وفقًا لقانون القيمة، يُنظّم مجموع فائض القيمة، وهذا بدوره يُنظّم مقدار الربح المتوسط، ومن ثَمّ معدّل الربح العام (III. 159).

لنفحص هذه الحجج، كلًّا منها على حِدة، من حيث مضمونها.

الحجّة الأولى

يُسلّم Marx بأن السلع المفردة، بحسب ما إذا كان رأس المال الثابت قد أسهم في إنتاجها بنصيبٍ فوق المتوسط أو دونه، تُبادَل فيما بينها فوق قيمتها أو دونها. لكنه يُولي أهميةً لكون هذه الانحرافات الفردية، التي تحدث في اتجاهين متقابلين، يُعوّض بعضها بعضًا أو يُلغيه في كلّ حين، بحيث إن مجموع كلّ الأسعار المدفوعة يطابق مع ذلك بالضبط مجموعَ كلّ القيم. "فبالنسبة نفسها التي يُباع بها جزءٌ من السلع فوق قيمته، يُباع جزءٌ آخر دونها" (III. 135). "فالسعر الإجمالي للسلع I - V (في المثال الجدولي الذي يستخدمه Marx) يكون إذن مساويًا لقيمتها الإجمالية، ... أي أنه في الواقع التعبير النقدي عن الكمّ الإجمالي للعمل، الماضي والمضاف حديثًا، المتضمَّن في السلع I - V. وعلى هذا النحو يكون في المجتمع نفسه – إذا نُظر إلى مجموع فروع الإنتاج كلّها – مجموعُ أسعار إنتاج السلع المنتَجة مساويًا لمجموع قيمها" (III. 138). ومن ذلك تُستخلَص في نهاية المطاف – بوضوحٍ أكثر أو أقلّ – الحجّةُ القائلة بأن قانون القيمة يُثبت سريانه على الأقلّ بالنسبة لمجموع كلّ السلع أو للمجتمع في جملته. "غير أن هذا يَؤول دائمًا إلى أن ما يدخل في إحدى السلع زائدًا عن المقدار يدخل في أخرى ناقصًا عنه بالنسبة لفائض القيمة، وأن الانحرافات عن القيمة الكامنة في أسعار إنتاج السلع يُلغي بعضها بعضًا. وعلى العموم، فإنه في الإنتاج الرأسمالي بكامله، لا يفرض القانون العام نفسه بوصفه النزعة المسيطرة إلا بطريقةٍ بالغة التعقيد وتقريبية، بوصفه متوسطًا لا يمكن تثبيته أبدًا لتقلّباتٍ أبدية." (III. 140)

وهذه الحجّة ليست جديدةً في الأدبيات الماركسية. فقد ساقها قبل بضع سنين، في وضعٍ مماثل، Conrad Schmidt بإلحاحٍ كبير، وربما بوضوحٍ مبدئيٍّ أكبر مما يفعله الآن Marx نفسه. ففي محاولته حلَّ لغز معدّل الربح المتوسط، كان Schmidt أيضًا، وإن بدافعٍ وسيطٍ مختلفٍ عن دافع Marx، قد بلغ النتيجة القائلة بأن السلع المفردة لا يمكن أن تُبادَل فيما بينها بنسبة العمل المتعلّق بها. وكان عليه هو أيضًا أن يطرح على نفسه السؤال عمّا إذا كان لا يزال يمكن، في ضوء ذلك، الحديث عن سريان قانون القيمة الماركسي وكيف، فأسند رأيه الإيجابي تحديدًا إلى الحجّة المعروضة الآن.3

وأنا أرى هذه الحجّة غير صائبة على الإطلاق. وقد قلتُ هذا في حينه إزاء Conrad Schmidt بتعليلٍ لا أجد سببًا، حتى اليوم وإزاء Marx نفسه، لتغيير كلمةٍ واحدة منه. ولذلك يمكنني أن أكتفي بإعادته حرفيًّا ببساطة. لقد سألتُ إزاء Schmidt كم بقي أو كم ضؤل ما بقي من قانون القيمة الشهير بعد ذلك التسليم الواقعي، ثم أردفتُ قائلًا:

"لكن أنه لا يبقى الكثير، فإن أفضل ما يُبيّنه هو تحديدًا الجهود التي يبذلها المؤلف في إثبات أن قانون القيمة يظلّ مع ذلك كلّه ساري المفعول. فبعد أن سلّم بأن السعر الفعلي للسلع يتباين عن قيمتها، يلاحظ أن هذا التباين لا يتعلّق مع ذلك إلا بتلك الأسعار التي تُحقّقها السلع المفردة؛ وأنه، في المقابل، يتلاشى بمجرّد أن يُنظَر إلى مجموع كلّ السلع المفردة، أي إلى الناتج الوطني السنوي. فمجموع الأسعار، المدفوع للناتج الوطني بأكمله مأخوذًا معًا، يتطابق فعلًا تطابقًا تامًّا مع مجموع القيمة المتبلور فيه فعليًّا." (Böhm-Bawerk, S. 51)

ولا أدري ما إذا كنتُ سأُوفَّق في إبراز مدى هذا الزعم على النحو اللائق. لكني أريد على الأقلّ أن أحاول إيراد إشارةٍ إليه.

"فما هي أصلًا مهمّة 'قانون القيمة'؟ ليست شيئًا آخر سوى توضيح نسبة التبادل المُلاحَظة في الواقع بين السلع. فنحن نريد أن نعرف لماذا، مثلًا، يُساوي مِعطفٌ في التبادل تحديدًا ما تُساويه 20 ذراعًا من الكتّان، ولماذا يُساوي 10 أرطالٍ من الشاي ما يُساويه 1/2 طنٍّ من الحديد، وهكذا دواليك. وعلى هذا النحو فهم Marx نفسه أيضًا مهمّة التفسير المنوطة بقانون القيمة. ومن البيّن أنه لا يمكن الحديث عن نسبة تبادل إلا بين سلعٍ مفردةٍ مختلفة فيما بينها. غير أنه بمجرّد أن يُنظَر إلى كلّ السلع مأخوذةً معًا وتُجمَع أسعارها، يُصرَف النظرُ بالضرورة وعن قصدٍ عن النسبة القائمة داخل هذا المجموع. فالفروق السعرية النسبية في الداخل يُعوّض بعضها بعضًا في المجموع. فبقدر ما يُساويه الشاي أكثر مقابل الحديد، يُساوي الحديد أقلّ مقابل الشاي، والعكس بالعكس. وعلى أيّة حال، فإنه ليس جوابًا عن سؤالنا، إذا استفسرنا عن نسبة التبادل بين السلع في الاقتصاد الوطني، أن يُجاب علينا بمجموع الأسعار الذي تُحقّقه جميعًا معًا؛ تمامًا كما لو استفسرنا بكم دقيقةً أو ثانيةً احتاج الفائزُ في سباق عَدوٍ لقطع المضمار أقلّ من منافسيه، فأُجبنا: لقد احتاج كلّ المنافسين مأخوذين معًا 25 دقيقة و13 ثانية" (Böhm-Bawerk).

"والآن، يقف الأمر على النحو الآتي. على سؤال مشكلة القيمة يُجيب الماركسيون أوّلًا بقانونهم في القيمة، بأن السلع تُبادَل بنسبة وقت العمل المتجسّد فيها؛ ثم يتراجعون – صراحةً أو مواربةً – عن هذا الجواب في مجال تبادل السلع المفردة، أي تحديدًا في المجال الذي يكون فيه للسؤال معنى أصلًا، ولا يُبقونه قائمًا بكامل نقائه إلا للناتج الوطني كلّه مأخوذًا معًا، أي لمجالٍ لا يمكن فيه طرحُ ذلك السؤال أصلًا لكونه عديم الموضوع. وبذلك يُكذّب الواقعُ "قانونَ القيمة"، باعتراف أصحابه، بوصفه جوابًا عن السؤال الفعلي لمشكلة القيمة، أما في التطبيق الوحيد الذي لا يُكذَّب فيه، فإنه لم يعد جوابًا عن السؤال الذي يطلب الحلّ فعلًا، بل قد يكون في أحسن الأحوال جوابًا عن سؤالٍ آخر ما" (Böhm-Bawerk).

"لكنه ليس حتى جوابًا عن سؤالٍ آخر، بل ليس جوابًا على الإطلاق، إنه مجرّد حشوٍ تكراري (تحصيل حاصل). ذلك أنه، كما يعلم كلّ اقتصاديٍّ وطني، فإن السلع، إذا نظرنا من خلال الصور المُحجِبة للتعامل النقدي، تُبادَل في نهاية المطاف من جديد بالسلع. فكلّ سلعةٍ تدخل في التبادل هي في آنٍ واحد سلعةٌ، لكنها أيضًا ثمنُ مقابلها. ومجموع السلع إذن مطابقٌ لمجموع الأسعار المدفوعة لقاءها. أو: إن الثمن المدفوع للناتج الوطني بأكمله مأخوذًا معًا ليس شيئًا آخر سوى – الناتج الوطني نفسه. وفي ظلّ هذه الظروف يكون صحيحًا تمامًا بالطبع أن مجموع الأسعار، المدفوع للناتج الوطني بأكمله معًا، يتطابق تطابقًا تامًّا مع مجموع القيمة أو العمل المتبلور في هذا الأخير. غير أن هذا القول التحصيليّ (التكراري) لا يعني أيّ زيادةٍ في المعرفة الحقيقية، ولا يمكن أن يُستخدم على وجه الخصوص اختبارًا تصحيحيًّا للقانون المزعوم، القائل بأن السلع تُبادَل بنسبة العمل المتجسّد فيها. ذلك أنه على هذا الطريق يمكن بالقدر نفسه من الجودة – أو بالأحرى بالقدر نفسه من الرداءة – التحقّقُ أيضًا من أيّ "قانون" آخر شئنا، مثلًا "قانون" أن السلع تُبادَل بمقياس وزنها النوعي! فلئن كان رِطلٌ من الذهب، بوصفه "سلعةً مفردة"، لا يُبادَل برِطلٍ من الحديد بل بـ 40.000 رطلٍ من الحديد، فإن مجموع الأسعار المدفوع لرِطلٍ من الذهب و40 000 رطلٍ من الحديد مأخوذَين معًا ليس أكثر ولا أقلّ من 40.000 رطلٍ من الحديد ورِطلٍ واحدٍ من الذهب. فالوزن الإجمالي لمجموع الأسعار – 40.001 رطلًا – يطابق إذن تمامًا بالضبط الوزنَ الإجمالي المتجسّد في مجموع السلع، وهو أيضًا 40.001 رطلًا، ومن ثَمّ يكون الوزنُ هو المقياس الحقيقي الذي تتنظّم وفقه نسبةُ التبادل بين السلع؟!" (Böhm-Bawerk)

ليس لديّ اليوم، إذ أوجِّه هذا الحكم ضد Marx نفسه، ما أتنازل عنه منه ولا ما أضيفه إليه، اللهمّ إلا أن أقول إن Marx يقع، عند إيراده للحجة المنظور فيها هنا، في غلطة إضافية معيّنة لم يكن Schmidt قد ارتكبها في زمانه. ذلك أن Marx يسعى، في الموضع المُقتبَس للتوّ في صفحة 140 من المجلد الثالث، إلى أن يهيّئ المزاج لفكرة أنه يمكن مع ذلك أن يُنسَب إلى قانون قيمته نوع من السيادة الواقعية، حتى وإن لم تنصع له الحالات المفردة، وذلك بقول عامّ موضوعه طريقة عمل هذا القانون. فبعد أن تحدّث عن أن «الانحرافات عن القيمة، الكامنة في أسعار الإنتاج، يُلغي بعضها بعضاً»، أضاف الملاحظة بأن القانون العام لا يفرض نفسه في الإنتاج الرأسمالي برمّته «إلا دائماً وعلى الإطلاق بطريقة معقّدة جداً وتقريبية، بوصفه متوسّطاً يُمكن إثباته من تقلّبات أبدية، بوصفه النزعة المسيطرة».

يخلط Marx هنا بين أمرين مختلفين جداً: متوسّطٍ لتقلّبات، ومتوسّطٍ بين مقادير غير متساوية بصورة دائمة ومبدئية. فهو على حقّ تماماً في أن غير قليل من القوانين العامة لا يفرض نفسه إلا بطريقة أن يطابق المتوسّطُ، الناتج عن تقلّبات مستمرة، المعيارَ الذي ينطق به القانون. وكل عالِم اقتصاد يعرف مثل هذه القوانين، مثل القانون القائل إن الأسعار تساوي تكاليف الإنتاج، وإن مستوى أجر العمل في فروع التشغيل المختلفة، ومستوى ربح رأس المال في فروع الإنتاج المختلفة، يميل إلى أن يستقرّ على مستوى واحد، بصرف النظر عن أسباب خاصة لعدم المساواة، وكل عالِم اقتصاد يميل إلى الاعتراف بهذه القوانين بوصفها «قوانين»، وإن لم تطابقها ربما حالة واحدة بأدقّ دقّة. ولذلك أيضاً تنطوي الإشارة إلى مثل هذه الطريقة في العمل، التي لا تتجلّى إلا في المتوسّط وفي المجموع، على عنصر آسِر بقوة. غير أن الحالة التي يستخدم Marx لصالحها هذه الإشارة الآسرة هي من نوع مختلف تماماً. ففي حالة أسعار الإنتاج التي تنحرف عن «القيم»، لا يتعلق الأمر بتقلّبات، بل بتباينات ضرورية ودائمة. فمن سلعتَين A وB، تجسّدان قدراً متساوياً من العمل، لكنهما أُنتجتا برأسمالَين ذوي تركيب عضوي غير متساوٍ، لا تتقلّب كلٌّ منهما حول متوسّط واحد بعينه، مثلاً حول متوسّط 50 فلوريناً، بل تتّخذ كلٌّ منهما بصورة دائمة مستوىً سعرياً آخر، مثلاً السلعة A، التي شارك فيها قدر قليل من رأس المال الثابت ويطلب فائدةً، تتّخذ مستوى 40 فلوريناً، والسلعة B، التي عليها أن تدفع فائدة على قدر كبير من رأس المال الثابت، تتّخذ مستوى 60 فلوريناً، مع التحفّظ بتقلّبات حول هذه المستويات المتباينة. ولو كنا أمام تقلّبات حول المستوى نفسه فحسب، بحيث تكون السلعة A تارةً بـ48 فلوريناً والسلعة B بـ52 فلوريناً، وتارةً بالعكس السلعة A بـ52 والسلعة B بـ48 فلوريناً فقط، لأمكن حينئذ القول إن السلعتَين تقفان في المتوسّط على سعر متساوٍ، ولأمكن، لو أمكن ملاحظة هذه الواقعة بصورة عامة، أن نرى فيها، رغم التقلّبات، تحقيقاً لـ«القانون» القائل إن السلعتَين اللتين يتجسّد فيهما قدر متساوٍ من العمل تتبادلان على قدم المساواة.

أما إذا كانت من سلعتَين تجسّدان قدراً متساوياً من العمل، إحداهما تثبت بصورة دائمة ومنتظمة على سعر 40 والأخرى تثبت كذلك بصورة دائمة ومنتظمة على سعر 60 فلوريناً، فحينئذ يستطيع عالِم الرياضيات بطبيعة الحال أن يستخرج بين هذه المقادير غير المتساوية أيضاً متوسّطاً قدره 50 فلوريناً. غير أن مثل هذا المتوسّط له معنى مختلف تماماً، أو بعبارة أصحّ، ليس له بالنسبة إلى قانوننا أيّ معنى البتّة. فالمتوسّط الرياضي يمكن دائماً أن يُستخرَج أيضاً بين أشدّ المقادير تفاوتاً، ومتى استُخرج، فإن الانحرافات المتضادة عنه «يُلغي بعضها بعضاً» من حيث المقدار دائماً: فبقدر ما يفوق أحد المقدارَين المتوسّطَ، بهذا القدر بالضبط يجب حينئذ بالضرورة أن يتخلّف الآخر عنه! لكن من الواضح أنه لا يمكن، بمثل هذا اللعب بـ«المتوسّطات» و«الانحرافات التي يُلغي بعضها بعضاً»، أن تُحوَّل واقعةُ وجود فروق سعرية ضرورية ودائمة بين سلع متساوية تكاليف العمل لكن غير متساوية تركيب رأس المال، من دحضٍ لقانون القيمة المزعوم إلى تأكيد له، تماماً كما لا يحقّ لنا أن يكون لدينا ميل ولا مسوّغ لأن نبرهن بذلك القولَ إن جميع أنواع الحيوان، بما فيها ذباب اليوم الواحد والفِيَلة، تملك عمراً متساوياً. فالفِيَلة بطبيعة الحال تعيش في المتوسّط 100 سنة، وذباب اليوم الواحد يوماً واحداً لا غير. لكن يمكن أن يُستخرَج بين هذين المقدارَين متوسّط مشترك قدره 50 سنة؛ فبقدر ما تعيش الفِيَلة أطول، يعيش ذباب اليوم الواحد أقصر؛ فالانحرافات عن المتوسّط إذن «يُلغي بعضها بعضاً»، وفي المجموع وفي المتوسّط ينتصر إذن مع ذلك القانون القائل إن جميع أنواع الحيوان تملك عمراً متساوياً! ـ

لنمضِ قدماً.

الحجة الثانية

يدّعي Marx في مواضع مختلفة من المجلد الثالث لقانون القيمة أنه «يسيطر على حركة الأسعار»، ويرى دليلاً على هذه السيادة واقعةَ أنه حيث يهبط وقت العمل اللازم لإنتاج السلع تهبط الأسعار أيضاً، وحيث يرتفع ترتفع الأسعار أيضاً، مع بقاء الظروف الأخرى على حالها.4

هذا الاستنتاج أيضاً يقوم على غلطة فكرية لافتة إلى حدّ يجعل من المستغرب كيف فاتت Marx نفسه. فأن ترتفع الأسعار وتهبط، مع بقاء الظروف الأخرى على حالها، مع مقدار العمل المبذول، إنما يبرهن في الواقع لا أكثر ولا أقل من أن العمل عامل محدِّد للأسعار. فهو يبرهن إذن واقعةً يتّفق عليها الجميع، ليست رأياً خاصاً بـMarx، بل يعترف بها ويعلّمها الكلاسيكيون و«الاقتصاديون العامّيّون» تماماً على السواء. غير أن Marx ادّعى بقانون قيمته أكثر من ذلك بكثير: فقد ادّعى أن مقدار العمل المبذول هو الظرف الوحيد الذي ينظّم نِسَب التبادل بين السلع (بصرف النظر عن التقلّبات العَرَضية اللحظية في العرض والطلب). وأن هذا القانون يسيطر على حركة الأسعار، إنما يمكن القول به فيما يبدو فقط متى تعذّر أن يُحدِث أو يتوسّط تغيّراً (دائماً) في الأسعار أيُّ سبب آخر سوى تغيّر في مقدار وقت العمل. غير أن Marx لا يدّعي ذلك البتّة ولا يمكنه أن يدّعيه؛ إذ يقتضي مذهبه نفسه أن تغيّراً في السعر لا بدّ أن يحدث مثلاً أيضاً حين يبقى مقدار العمل المبذول دون تغيّر، لكن التركيب العضوي لرأس المال يتغيّر نتيجة قِصَر عملية الإنتاج وما شابه. فيمكن إذن أن يُوضَع، بكل بساطة، إلى جانب القول الذي استند إليه Marx، قولٌ آخر له المشروعية التامّة نفسها: إن الأسعار ترتفع وتهبط حيث ترتفع وتهبط، مع بقاء الظروف الأخرى على حالها، مدّةُ استثمار رأس المال. وكما أنه لا يمكن فيما يبدو بالقول الأخير أن يُبرهَن أو يُتحقَّق أن مدّة استثمار رأس المال هي الظرف الوحيد المسيطر على نِسَب التبادل، فكذلك تماماً لا يمكن بالعكس أن يُرى، في واقعة أن التغيّرات في مقدار العمل المبذول تترك على الإطلاق آثاراً في حركة الأسعار، تأييدٌ للقانون المزعوم القائل إن العمل وحده يسيطر على نِسَب التبادل.

الحجة الثالثة

هذه الحجة لم يطوّرها Marx بوضوح صريح، لكن مادّتها قد نُسجت داخل تلك العروض التي موضوعها إيضاح «المسألة الصعبة فعلاً»، «كيف تجري مساواة معدّل الربح بالمعدّل العام للربح» (المجلد الثالث 153 وما يليها).

يمكن استخلاص لُبّ الحجة بأوجز عبارة على النحو التالي. يدّعي Marx ـ وعليه أن يدّعي ـ أن «معدّلات الربح متباينة جداً في الأصل» (المجلد الثالث 136)، وأن مساواتها بمعدّل عام للربح إنما هي «نتيجة ولا يمكن أن تكون نقطة انطلاق» (المجلد الثالث 153). وتتضمّن هذه الأطروحة كذلك الادّعاء بأن ثمّة حالاتٍ «أصلية» ما، لم يتمّ فيها بعدُ «تحوّل القيم إلى أسعار إنتاج» المؤدّي إلى مساواة معدّلات الربح، والتي تخضع بناءً على ذلك بعدُ للسيادة التامّة والحرفية لقانون القيمة. فيُدّعى إذن لهذا القانون نطاقُ سريانٍ معيّن خاضع له خضوعاً كاملاً.

لننظر بدقّة أكثر، ما هي هذه النطاقات المفترَضة، وما هي الأدلّة التي يقدّمها Marx على أن نِسَب التبادل فيها لا تُعيَّر في الواقع إلا بالعمل المجسَّد في السلع.

مساواة معدّلات الربح مرتبطة عند Marx بشرطَين: أولاً، أن يكون نمط إنتاج رأسمالي قد ساد أصلاً (المجلد الثالث 154)، وثانياً، أن تُظهِر المنافسة نشاطها المسوِّي بفعالية (المجلد الثالث 136، 151، 159، 175/76). ولذلك سيكون علينا منطقياً أن نبحث عن «الحالات الأصلية» ذات النظام الصافي لقانون القيمة هناك حيث يَنقُص إما أحد الشرطَين أو الآخر (أو بطبيعة الحال كلاهما معاً).

في الحالة الأولى أبدى Marx نفسه رأيه باستفاضة. فهو يجعل الأحداث الجارية في حالة مجتمعية لا يُنتَج فيها بعدُ إنتاجاً رأسمالياً، بل «حيث تكون وسائل الإنتاج ملكاً للعامل»، موضوعاً لوصف مفصّل، يُظهِر أن أسعار السلع في هذه المرحلة تسيطر عليها في الواقع قيمُها وحدها على نحو حصري. ولكي أتيح للقارئ حكماً غير متحيّز على مقدار ما يكمن في هذا الوصف من قوة برهانية، يجب أن أعرضه بنصّه الكامل.

"يبرز punctum saliens في الغالب حين نتناول المسألة على النحو التالي: لنفترض أن العمال أنفسهم يملكون وسائل إنتاجهم الخاصة وأنهم يتبادلون سلعهم فيما بينهم. عندئذٍ لن تكون هذه السلع منتجاتٍ لرأس المال. وتبعًا للطبيعة التقنية لأعمالهم تختلف قيمة وسائل العمل ومواد العمل المستخدمة في فروع العمل المختلفة؛ وكذلك، بصرف النظر عن القيمة غير المتساوية لوسائل الإنتاج المستخدمة، تُطلَب كمياتٌ مختلفة منها مقابل كمية عمل معطاة، تبعًا لما إذا كانت سلعة معينة يمكن إنجازها في ساعة، وأخرى لا تُنجَز إلا في يوم، إلخ. ولنفترض كذلك أن هؤلاء العمال يعملون في المتوسط القدر نفسه من الزمن، مع احتساب التسويات الناشئة عن اختلاف شدة العمل إلخ. عندئذٍ يكون كلا العاملين قد حقّق في السلع التي تشكّل ناتج عمله اليومي، أولًا، تعويضَ نفقاته، أي أسعار تكلفة وسائل الإنتاج المستهلكة. وهذه تختلف تبعًا للطبيعة التقنية لفروع عملهما. وثانيًا يكون كلاهما قد خلق القدر نفسه من القيمة الجديدة، أي يوم العمل المضاف إلى وسائل الإنتاج. ويتضمن ذلك أجر عملهما زائدًا فائض القيمة، أي العمل الفائض عن حاجاتهما الضرورية، غير أن حاصله يخصّهما هما نفسيهما. وإذا عبّرنا بلغة رأسمالية، فإن كليهما يتلقّى الأجر نفسه زائدًا الربح نفسه، بل أيضًا القيمة، معبّرًا عنها مثلًا في ناتج يوم عمل من عشر ساعات. لكن، أولًا، تكون قيمتا سلعتيهما مختلفتين. ففي السلعة I مثلًا يكون الجزء القيمي المتضمَّن مقابل وسائل الإنتاج المستخدمة أكبر منه في السلعة II. ومعدّلا الربح يكونان أيضًا شديدي الاختلاف بالنسبة إلى I وII، إذا سمّينا هنا نسبة فائض القيمة إلى مجموع قيمة وسائل الإنتاج المُقدَّمة معدّلَ الربح. أما وسائل المعيشة التي يستهلكها I وII يوميًّا أثناء الإنتاج، والتي تحلّ محل الأجر، فستشكّل هنا ذلك الجزء من وسائل الإنتاج المُقدَّمة الذي نسمّيه عادةً رأس المال المتغيّر. لكن فائضي القيمة يكونان، لزمن عمل متساوٍ، متساويين بالنسبة إلى I وII، أو بمزيد من الدقة: بما أن I وII يتلقّى كلٌّ منهما قيمة ناتج يوم عمل، فإنهما يتلقّيان، بعد خصم قيمة العناصر "الثابتة" المُقدَّمة، قيمًا متساوية، يمكن اعتبار جزء منها تعويضًا عن وسائل المعيشة المستهلكة في الإنتاج، والآخر فائضَ قيمة زائدًا على ذلك. فإذا كانت نفقات I أكبر، فإنها تُعوَّض بالجزء القيمي الأكبر من سلعته، الذي يعوّض هذا الجزء "الثابت"، ومن ثَمّ يتعيّن عليه أيضًا أن يعيد تحويل جزء أكبر من مجموع قيمة منتجه إلى العناصر المادية لهذا الجزء الثابت، في حين أن II، إذا قبض أقل من ذلك، فإن عليه بالمقابل أن يعيد تحويل قدر أقل بمقدار ما. وعليه فإن اختلاف معدّلات الربح، في ظل هذا الافتراض، أمرٌ لا أهمية له، تمامًا كما أنه اليوم بالنسبة إلى العامل بأجر أمرٌ لا أهمية له في أيّ معدّل ربح يُعبَّر عن كمّ فائض القيمة المنتزَع منه، وتمامًا كما أن اختلاف معدّلات الربح بين الأمم المختلفة في التجارة الدولية أمرٌ لا أهمية له بالنسبة إلى تبادل سلعها." (III. 154 fg.)

وهنا ينتقل Marx فجأةً من الأسلوب الافتراضي القائم على "الفرض"، بصيغه مثل "ليكونوا" و"لكان"، إلى استنتاجات إيجابية تمامًا. "وعليه فإن تبادل السلع بقيمها أو على نحو يقارب قيمها يتطلّب مرحلةً أدنى بكثير من تبادلها بأسعار الإنتاج..." .. و"من ثَمّ فمن المطابق للموضوع تمامًا أن نعتبر قيم السلع، لا نظريًّا فحسب بل تاريخيًّا أيضًا، السابقَ (Prius) على أسعار الإنتاج. ويصدق هذا على الأحوال التي يملك فيها العاملُ وسائلَ الإنتاج، وهذه الحال توجد في العالم القديم كما في العالم الحديث، لدى الفلاح المالك للأرض الذي يعمل بنفسه، ولدى الحِرفي" (III. 155, 156).

فما الذي ينبغي أن نراه في هذه الاستدلالات؟

قبل كل شيء أرجو من القارئ أن يتثبّت ويتيقّن من أن الجزء المصوغ بنبرة "الفرض" يتضمّن بالفعل تصويرًا متّسقًا غاية الاتساق لكيفية ما كان ينبغي أن يبدو عليه التبادل التجاري في تلك الأحوال المجتمعية البدائية، لو أن كل شيء جرى وفق قانون القيمة الماركسي، لكنه لا يتضمّن مع ذلك ولا ظلًّا لبرهان، أو حتى لمحاولة برهان، على أن كل شيء كان لا بدّ أن يجري على هذا النحو في ظل الافتراضات المعطاة. إن Marx يروي و"يفترض" ويزعم، لكنه لا يبرهن بكلمة واحدة. ومن ثَمّ فإنها لقفزةٌ جريئة، إن لم نقل ساذجة، حين يعلن Marx بناءً على ذلك، وكأنه قد أنجز بنجاح مسارًا برهانيًّا حقيقيًّا، أنه قد ثبت كنتيجة مقرَّرة أنه "من ثَمّ" من المطابق للموضوع تمامًا أن تُعتبَر القيم تاريخيًّا أيضًا السابقَ على أسعار الإنتاج. والواقع أنه لا مجال للقول بأن Marx قد أثبت بـ"فرضه" الوجودَ التاريخي لمثل تلك الحال؛ بل إنه لم يفعل سوى أن افترضها انطلاقًا من نظريته كفرضية، يبقى لنا بطبيعة الحال حقّ تكوين حكم مدلَّل عليه بشأن مدى مصداقيتها.

والواقع أن أخطر الاعتراضات الداخلية والخارجية قائمةٌ الآن ضد مصداقيتها. فهي غير محتملة من الداخل، وبقدر ما يمكن الحديث هنا عن اختبار تجريبي، فإن هذا الاختبار أيضًا يشهد ضدها.

إنها غير محتملة من الداخل على نحو تام. فهي تقتضي أن يكون الزمن الذي يتلقّى فيه المنتِجون أجرَ نشاطهم أمرًا لا يعنيهم في شيء على الإطلاق ـ وهذا مستحيل اقتصاديًّا ونفسيًّا. ولنوضّح ذلك بأن نصوغ المثال الذي استخدمه Marx نفسه صياغةً عددية. يقارن Marx بين عاملين I وII. فالعامل I يمثّل فرعًا إنتاجيًّا يحتاج تقنيًّا إلى وسائل إنتاج تحضيرية ومواد خام وأدوات ومواد مساعدة كثيرة وثمينة نسبيًّا. ولنفترض، لصياغة المثال عدديًّا، أن إنتاج وسائل الإنتاج التحضيرية يستلزم خمس سنوات عمل، في حين تتم معالجتها لتصير منتجاتٍ تامة في سنة عملٍ سادسة. ولنفترض كذلك، وهو ما لا يتعارض قطعًا مع روح فرضية Marx التي تريد أن تصوّر حالًا بدائيةً أصلية حقًّا، أن العامل I يؤدّي بنفسه كلا الضربين من العمل، أي إنتاج وسائل الإنتاج التحضيرية ومعالجتها لتصير منتجاتٍ تامة على السواء. وفي ظل هذه الظروف من الواضح أنه سيتلقّى، من بيع المنتج التام الذي لا يمكن أن يتم قبل نهاية سنة العمل السادسة، أجرَ العمل التحضيري في السنوات الأولى أيضًا، أو بعبارة أخرى سينتظر خمس سنوات لقاء أجر عمل السنة الأولى، وأربع سنوات لقاء عمل السنة الثانية، وثلاث سنوات لقاء عمل السنة الثالثة، وهكذا، أو سيضطر في المتوسط على امتداد سنوات العمل الست جميعًا إلى الانتظار قرابة ثلاث سنوات بعد إنجاز العمل لقاء الأجر. أما العامل II بالمقابل، الذي يمثّل فرعًا إنتاجيًّا يحتاج إلى وسائل إنتاج تحضيرية قليلة نسبيًّا، فربما ينجز جميع الأعمال التحضيرية وأعمال الإتمام في دورة لا تتجاوز شهرًا واحدًا، ومن ثَمّ سيتلقّى أيضًا أجر عمله، من حصيلة منتجه، عقب أدائه لعمله مباشرةً تقريبًا.

أما فرضية Marx فتزعم الآن أن أسعار نوعَي السلعة I وII تتحدّد بالضبط بنسبة كميات العمل المبذولة، بحيث إن ناتج ست سنوات عمل في النوع I لا يُباع إلا بالقدر نفسه بالضبط من الغلاء الذي يُباع به مجموع نواتج ست سنوات عمل في النوع II. ويترتّب على ذلك كذلك أن العامل في النوع I يقنع، لقاء كل سنة عمل، بأن يُدفَع له بتأخير قدره ثلاث سنوات في المتوسط المبلغُ نفسه الذي يتلقّاه العامل في النوع II دون أي تأخير؛ وأن التأخير الزمني في تلقّي الأجر هو من ثَمّ أمرٌ لا يؤدّي في فرضية Marx أيّ دور البتة، ولا يقدر بوجه خاص على ممارسة أيّ تأثير على المنافسة، على ازدحام الفروع الإنتاجية المختلفة بقدر أكبر أو أقل بحسب ما إذا كانت تفرض، بسبب طول فترة إنتاجها، زمن انتظار أقصر أو أطول.

وأمّا هل هذا محتمل، فأترك للقارئ الحكم عليه. إن Marx يقرّ من جهة أخرى على نحو صائب تمامًا بأن الظروف العَرَضية الخاصة الملازمة لعمل فرعٍ إنتاجي ما، كالشدة الخاصة أو الجهد أو ما يلابس العمل من إزعاج، تفرض لنفسها عبر لعبة المنافسة تعويضًا في مقدار الأجر. أفلا ينبغي أن يكون تأجيلُ أجر العمل سنواتٍ ظرفًا يستوجب التعويض هو أيضًا؟ ثم أبعد من ذلك: لنفترض أن جميع المنتِجين يرغبون فعلًا في الانتظار ثلاث سنوات لقاء أجرهم برضى مساوٍ لرغبتهم في عدم الانتظار البتة، فهل يستطيعون جميعًا الانتظار أصلًا؟ صحيحٌ أن Marx يفترض "أن العمال يملكون وسائل إنتاجهم الخاصة"، لكنه لا يفترض، وربما لا يجوز له أن يفترض، أن كلًّا منهم يملك من وسائل الإنتاج ما يكفي لممارسة ذلك الفرع الإنتاجي الذي يستلزم لأسباب تقنية التصرّفَ في أكبر مجموع من وسائل الإنتاج. ومن ثَمّ فإن الفروع الإنتاجية المختلفة ليست متاحةً قطعًا لجميع المنتِجين على قدم المساواة. بل إن تلك الفروع التي تستلزم أقل قدرٍ مُقدَّم من وسائل الإنتاج هي الأكثر إتاحةً للعموم، أما الفروع ذات المتطلَّبات الرأسمالية الأكبر فهي متاحة لأقلية تتضاءل باطّراد. أفلا يكون لهذا أيّ تأثير على أن العرض في الفروع الأخيرة يلقى تقييدًا معيّنًا، يرتفع به في النهاية سعر منتجاتها فوق المستوى النسبي لتلك الفروع التي تُمارَس دون الشرط العَرَضي البغيض المتمثّل في الانتظار، والتي هي متاحة لدائرة أوسع بكثير من المتنافسين؟

وأن ثمة قدرًا معيّنًا من عدم الاحتمال قائمًا هنا قد أحسّ به Marx نفسه أيضًا. فهو يسجّل أولًا، ولو في صورة أخرى، أن قياس الأسعار بمحض نسبتها إلى كمية العمل يفضي من زاوية أخرى إلى عدم تناسب. وهو يسجّل هذا في صورة ـ هي فضلًا عن ذلك صائبة أيضًا ـ مفادها أن "فائض القيمة" الذي يحقّقه عمّال كلا الفرعين الإنتاجيين فوق حاجتهم المعيشية يمثّل، محسوبًا على وسائل الإنتاج المُقدَّمة، معدّلات ربح غير متساوية. ومن البديهي أن يطرح السؤال نفسه: لماذا لا يُصقَل هذا التفاوت بفعل المنافسة، تمامًا كما يحدث في المجتمع "الرأسمالي"؟ ويحسّ Marx بضرورة تقديم جواب على ذلك، وهذه أيضًا هي الإضافة الوحيدة التي تحمل، إلى جانب مجرد المزاعم، طابعَ محاولةٍ للتأسيس. فبماذا يجيب إذن؟ يقول إن الجوهري هو أن كلا العاملين يتلقّيان لقاء زمن عمل متساوٍ فائضَي قيمة متساويين، أو بمزيد من الدقة: أنهما يتلقّيان لقاء زمن عمل متساوٍ "بعد خصم قيمة العناصر الثابتة المُقدَّمة، قيمًا متساوية"، وأن اختلاف معدّلات الربح في ظل هذا الافتراض هو بالنسبة إليهما "أمرٌ لا أهمية له، تمامًا كما أنه اليوم بالنسبة إلى العامل بأجر أمرٌ لا أهمية له في أيّ معدّل ربح يُعبَّر عن كمّ فائض القيمة المنتزَع منه".

أهذه مقارنة موفَّقة؟ إذا كنت لا أحصل على شيء، فقد يكون من الجائز فعلًا أن يستوي عندي تمامًا ما إذا كان ذلك الذي لا أحصل عليه يشكّل، محسوبًا على رأس مال طرف ثالث، نسبةً مئوية مرتفعة أو منخفضة. لكن إذا كنت أحصل على شيءٍ من حيث المبدأ، كما يُفترَض أن العامل في الفرضية غير الرأسمالية يحصل على فائض القيمة كربح، فعندئذٍ ليس من قبيل ما لا أهمية له بالنسبة إليّ البتةَ بأيّ مقياس يُقدَّر هذا الربح ويُوزَّع. وقد يكون من قبيل المسائل المفتوحة، على أبعد تقدير، ما إذا كان ينبغي تقدير هذا الربح وتوزيعه بمحض مقياس العمل المؤدَّى أم بمقياس وسائل الإنتاج المُقدَّمة أيضًا: لكن هذا قطعًا ليس "أمرًا لا أهمية له" بالنسبة إلى المعنيّين، ومن ثَمّ فإذا زُعمت الواقعةُ غير المحتملة بعض الشيء، وهي أن معدّلات ربح غير متساوية يمكن أن تتعايش جنبًا إلى جنب على نحو دائم دون أن تُصقَل بفعل المنافسة، فإن هذا لا يمكن بالتأكيد تعليله بأن مقدار معدّلات الربح أمرٌ لا أهمية له البتة بالنسبة إلى مصالح المعنيّين.

لكن هل عُومل العمّال في فرضية Marx معاملةً متساوية ولو بوصفهم عمّالاً فحسب؟ إنهم يحصلون لقاء زمن العمل المتساوي على قيمٍ وقيمٍ فائضة متساوية أجراً، غير أنهم يحصلون عليها في أوقاتٍ مختلفة: أحدهما فور إنجاز العمل، والآخر عليه أن ينتظر سنوات طويلة كي يُكافأ. أفهذه معاملةٌ متساوية حقاً، أم أن هذه العملية تنطوي بالأحرى على لامساواةٍ في ظرفٍ ثانوي من ظروف الأجر، ظرفٍ لا يمكن أن يكون العمّال غير مكترثين به، بل هم على العكس، كما تُظهر التجربة، وبكامل الحق، حسّاسون له أشدّ الحساسية؟ أيُّ عاملٍ اليوم لا يكترث بما إذا كان يتقاضى أجره الأسبوعي مساء السبت أم بعد عامٍ أو بعد ثلاثة أعوام؟ وأمثال هذه اللامساواة الحسّاسة لا تُمحى بفعل المنافسة؟ تلك مفارقةٌ غير محتملة، ظلّ Marx مديناً لنا بتفسيرها.

بيد أن فرضيته ليست غير محتملة في ذاتها فحسب، بل هي أيضاً متناقضة مع وقائع التجربة. صحيحٌ أننا لا نملك بطبيعة الحال أيّ تجربةٍ مباشرة عن الحالة المفترَضة في نقائها النموذجي التام، إذ إن وضعاً لا يوجد فيه عملٌ مأجور البتّة، ويكون فيه كل منتجٍ مالكاً مستقلاً لوسائل إنتاجه، لم يعد ممكناً ملاحظته في نقائه التام في أي مكان. غير أنه توجد أيضاً "في العالم الحديث" أوضاعٌ وعلاقاتٌ تطابق فرضية Marx تطابقاً تقريبياً على الأقل. وهي توجد، كما يبرز Marx نفسه (III. 156)، "لدى الفلاح المالك للأرض الذي يعمل بنفسه ولدى الحرفي". وبحسب فرضية Marx ينبغي إذن أن يكون بالإمكان ملاحظة أن مقدار دخل هؤلاء الأشخاص مستقلٌ استقلالاً تاماً عن مقدار رأس المال الذي يستخدمونه في إنتاجهم. إذ ينبغي أن يحصل كلٌّ منهم على المبلغ نفسه من أجر العمل والقيمة الفائضة، سواءٌ أكان رأس المال الذي تمثّله وسائل إنتاجهم 10 فلورينات أم 10.000 فلورين. لكنني لا أظنني سألقى من أيّ قارئٍ ارتياباً حين أزعم أنه نادراً ما توجد في الأوساط الموصوفة محاسبةٌ دقيقة إلى حدٍّ يتيح تحديد العلاقات بدقةٍ عددية، بيد أن الانطباع السائد لن يؤكّد فرضية Marx بكل تأكيد، بل سيذهب على العكس إلى أنه إجمالاً يُلفى دخلٌ أوفر لدى تلك الفروع الاقتصادية والأشخاص الذين يعملون بدعمٍ من رأس مالٍ معتبر، مقارنةً بأولئك الذين لا يملكون سوى سواعد المنتِج.

على أن هذا الاختبار الواقعي غير المؤاتي لفرضية Marx ينال أخيراً تأكيداً غير مباشرٍ ليس بالهيّن، من جرّاء أنه حتى في الحالة الثانية، التي كان ينبغي بحسب نظرية Marx أن تُلاحَظ فيها سيادةٌ خالصة لقانون القيمة، والتي هي أكثر قابليةً بكثير للاختبار الواقعي المباشر، لا يُعثَر فعلياً على أيّ أثرٍ لمجرى الظواهر الذي يدّعيه Marx.

ذلك أن Marx يُعلِّم، كما نعلم، أنه حتى في اقتصادٍ متطورٍ تمام التطور لا تتمّ مساواة معدّلات الربح المختلفة أصلاً إلا بفعل المنافسة. "إذا بِيعت السلع بقيمها" يكتب في أكثر المواضع المعنية إسهاباً5 "نشأت، كما بُيِّن، معدّلات ربحٍ شديدة الاختلاف في مجالات الإنتاج المختلفة، تبعاً للتركيب العضوي المختلف لكتل رأس المال المستثمرة فيها. لكن رأس المال ينسحب من مجالٍ ذي معدّل ربحٍ منخفض ويندفع إلى الآخر الذي يدرّ ربحاً أعلى. وبهذه الهجرة الدائمة، خروجاً ودخولاً، أي بكلمةٍ واحدة بتوزّعه بين المجالات المختلفة، تبعاً لانخفاض معدّل الربح هناك وارتفاعه هنا، يُحدِث نسبةً بين العرض والطلب تجعل الربح المتوسط في مجالات الإنتاج المختلفة واحداً".

ومنطقياً ينبغي أن نتوقع الآن أنه حيثما لم تصبح هذه الضروب من منافسة رؤوس الأموال فاعلةً بكاملها، أو على الأقل لم تصبح بعدُ فاعلةً بكاملها، يمكن أيضاً أن نصادف ذلك التشكُّل الأصلي لتكوّن الأسعار والأرباح الذي يزعمه Marx في نقائه التام، أو على الأقل تقريبياً. وبعبارةٍ أخرى، ينبغي أن تظهر آثارٌ واقعية تدل على أنه قبل تسوية معدّلات الربح كانت فروع الإنتاج ذات رأس المال الثابت الأكبر نسبياً تحصل وتُحصِّل على أصغر معدّل ربح، بينما تُحصِّل الفروع ذات رأس المال الثابت الأصغر على أكبر معدّل ربح. وأمثال هذه الآثار لا تُلفى في الواقع في أيّ مكان، لا في الماضي التاريخي ولا في الحاضر. وقد بيّن هذا مؤخراً أحد العلماء المتحمّسين لـ Marx إلى حدٍّ بعيدٍ في سائر الأحوال، بياناً مقنعاً إلى درجةٍ يتعذّر معها عليّ أن أفعل أفضل من أن أقتبس كلمات Werner Sombart اقتباساً بسيطاً.

"لم يتمّ التطور قطّ بالكيفية المذكورة، ولا هو يتمّ كذلك، مع أنه لا بدّ أن يكون كذلك على الأقل في كل فرعٍ تجاري ناشئ حديثاً. لو كان ذلك التصوّر صحيحاً، لوجب علينا بداهةً أن نتصوّر تقدّم الرأسمالية تاريخياً على نحوٍ يجعلها قد احتلّت أولاً المجال الذي يغلب فيه العمل الحيّ، أي ذا التركيب الرأسمالي دون المتوسط (c صغير، v كبير)، ثم انتقلت ببطءٍ إلى مجالاتٍ أخرى بقدر ما هبطت الأسعار في تلك المجالات الأولى نتيجة تفاقم الإنتاج فيها. أما في مجالٍ تبرز فيه وسائل الإنتاج إزاء العمل الحيّ، فلو كانت معتمدةً على القيمة الفائضة المُنتَجة فردياً، لكانت قد حقّقت بطبيعة الحال في البدايات ربحاً ضئيلاً إلى حدٍّ لا يُغريها بشيءٍ بالانتقال إلى ذلك المجال. غير أن الإنتاج الرأسمالي يبدأ تاريخياً بالتطور جزئياً في فروع إنتاجٍ من النوع الأخير بالذات: التعدين وغيره. ولم يكن لرأس المال أيُّ داعٍ للانتقال من مجال التداول، حيث كان يجد نفسه في غاية الارتياح، إلى مجال الإنتاج، من دون أملٍ في "ربحٍ معتادٍ في البلد"، ربحٍ كان موجوداً — وهذا ما يجب التأمل فيه — قبل كل إنتاجٍ رأسمالي في صورة الربح التجاري. لكن يمكن أيضاً إثبات خطأ ذلك الافتراض من الجهة الأخرى: لو كانت أرباحٌ باهظة الارتفاع تُجنى في بدايات الإنتاج الرأسمالي في مجالاتٍ يغلب فيها العمل الحيّ، لافترض ذلك أن رأس المال قد شغّل دفعةً واحدة دائرة المنتجين المعنيّين، الذين كانوا حتى ذلك الحين مستقلّين، بوصفهم عمّالاً مأجورين، أي — فلنقل — بنصف معدّل الكسب الذي كانوا يجنونه من قبل، ووضع الفرق كاملاً في جيبه عند أسعار سلعٍ تطابق القيمَ في بادئ الأمر. وهذا كذلك تصوّرٌ غير واقعي تماماً: فقد بدأ الإنتاج الرأسمالي بوجوداتٍ هابطةٍ في فروع إنتاجٍ مستحدثةٍ كلياً في جانبٍ منها، ومن المؤكّد أنه انطلق فوراً عند تحديد الأسعار من حجم الإنفاق الرأسمالي" (Werner Sombart).

"لكن مثلما أن افتراض ارتباطٍ تجريبي بين معدّل الربح ومعدّل القيمة الفائضة خاطئٌ تاريخياً، أي بالنسبة لبدايات الرأسمالية، فإنه كذلك، بل أكثر من ذلك، خاطئٌ بالنسبة لأوضاع نمط الإنتاج الرأسمالي المتطور. فأيّاً تكن مؤسسةٌ تُنشأ اليوم بتركيبٍ رأسمالي شديد الارتفاع أو شديد الانخفاض: فإن تحديد أسعار منتجاتها وحساب الربح (وتحقيقه) يجريان حصراً على أساس الإنفاق الرأسمالي".

"وإذا كانت رؤوس الأموال، في كل وقت، فيما مضى كما هو الحال الآن، تنتقل في الواقع بلا انقطاع من مجال إنتاجٍ إلى آخر، فإن سببها الرئيس يكمن بكل تأكيد في تفاوت معدّلات الربح. لكن هذا التفاوت لا ينجم بكل يقينٍ عن التركيب العضوي لرؤوس الأموال، بل عن أسبابٍ ما من أسباب المنافسة. وأكثر فروع الإنتاج ازدهاراً اليوم هي جزئياً تلك التي تتميّز بتركيبٍ رأسمالي شديد الارتفاع بالذات، كالمناجم والمصانع الكيميائية ومعامل تخمير الجعة ومطاحن البخار وغيرها. أفهذه مجالاتٌ سحبت منها رؤوسُ الأموال نفسها، وهاجرت منها، حتى تقلّص الإنتاج تبعاً لذلك وارتفعت الأسعار؟"6

ولو شئنا، لقدّمت هذه الإيضاحات مادةً لكثيرٍ من التطبيقات النافعة الموجَّهة ضد نظرية Marx. غير أني أستخلص منها في الوقت الراهن تطبيقاً واحداً، له صلةٌ مباشرة بالحجّة التي تقف عندها دراستنا الآن: إن قانون القيمة، الذي يُسلَّم بأنه مضطرٌّ في الاقتصاد القومي الخاضع للمنافسة التامة إلى التنازل عن سيادته المزعومة لصالح أسعار الإنتاج، لم يمارس قطّ سيادةً فعلية حتى في الأوضاع الأصلية، بل لم يكن في وسعه أن يمارسها.

وهكذا نكون قد رأينا تباعاً ثلاثة مطالب تُخفِق، مطالب كانت تزعم وجود مجالات سيادةٍ محجوزة معينة، يُفترَض أن يبلغ فيها قانون القيمة نفاذاً مباشراً: فتطبيق قانون القيمة على مجموع السلع جميعها وأسعارها بدلاً من علاقات تبادلها الفردية (الحجّة الأولى) قد تبيّن أنه هراءٌ مفهومي من أساسه؛ وحركة الأسعار (الحجّة الثانية) لا تطيع في الواقع قانون القيمة المزعوم، كما أن هذا القانون لا يمارس سيادةً فعلية في الأوضاع "الأصلية" (الحجّة الثالثة). ولم يبقَ الآن سوى إمكانٍ واحد: أَفَلعلّ قانون القيمة، الذي لا يظهر في أيّ مكانٍ في نفاذٍ فعلي مباشر، يمارس على الأقل سيادةً غير مباشرة، نوعاً من السيادة العليا؟

ولا يفوّت Marx ادّعاء هذا أيضاً. وهو مادة الحجّة الرابعة، التي علينا أن نتجه الآن إلى تأمّلها.

الحجّة الرابعة

هذه الحجّة كثيراً ما يلمّح إليها Marx على نحوٍ شعاري، غير أنه، على قدر ما أرى، لا يشرحها بدقةٍ إلا في موضعٍ واحدٍ فحسب. وهي تذهب في جوهرها إلى أن "أسعار الإنتاج" التي تتحكّم في تكوّن الأسعار الفعلي إنما تخضع هي نفسها بدورها لتأثير قانون القيمة، وأن هذا القانون يتحكّم بذلك، عبر وسيط أسعار الإنتاج، في علاقات التبادل الواقعية. فالقيم "تقف وراء أسعار الإنتاج" و"تحدّدها في نهاية المطاف" (III. 188)؛ وأسعار الإنتاج، كما يعبّر Marx مراراً، ليست سوى "قيمٍ متحوّلة" أو "أشكالٍ متحوّلة للقيمة" (III. 142, 147, 152 وفي مواضع أخرى كثيرة). أما كيفية التأثير الذي يمارسه قانون القيمة على أسعار الإنتاج ومقداره، فيجدان شرحهما الدقيق في موضعٍ على الصفحتين 158 و159. "إن الربح المتوسط، الذي يحدّد نمط الإنتاج، لا بد أن يكون دائماً مساوياً تقريباً لكمّ القيمة الفائضة التي تقع على رأس مالٍ معيّن بوصفه جزءاً مقسوماً من رأس المال الاجتماعي الكلّي. وبما أن القيمة الكلّية للسلع تنظّم القيمة الفائضة الكلّية، وهذه بدورها تنظّم مقدار الربح المتوسط ومن ثَمّ معدّل الربح العام — بوصفها قانوناً عاماً أو بوصفها المتحكّم في التقلّبات — فإن قانون القيمة ينظّم أسعار الإنتاج".

لنتتبّع هذا المسار الفكري خطوةً خطوة فاحصين. يقول Marx في البداية إن الربح المتوسط يحدّد أسعار الإنتاج. وهذا صحيحٌ بمعنى تعاليم Marx، لكنه ليس كاملاً. فلنُجلِ العلاقة بكاملها.

يتألّف سعر إنتاج السلعة في بادئ الأمر من "سعر تكلفة" وسائل الإنتاج بالنسبة للمقاول، ومن ربحه المتوسط على رأس المال المُنفَق. أما سعر تكلفة وسائل الإنتاج فيتألّف بدوره من عنصرين: من الإنفاق على رأس المال المتغيّر، أي من الأجور المدفوعة مباشرة، ومن الإنفاق على رأس المال الثابت المستهلَك أو المُبلى، من موادّ أولية وآلاتٍ وما إلى ذلك. وكما يوضّح Marx فضلاً عن ذلك توضيحاً صحيحاً تماماً في الصفحات 138 وما يليها و144 و186، فإنه في مجتمعٍ تحوّلت فيه القيم بالفعل إلى أسعار إنتاج، لا يطابق أيضاً سعر شراء أو تكلفة وسائل الإنتاج المادية هذه قيمتَها، بل يطابق مجموع النفقات التي أنفقها منتجو وسائل الإنتاج هذه بدورهم على الأجور والوسائل المساعِدة المادية، مضافاً إليها الربح المتوسط على هذه النفقات. وإذا واصلنا هذا التحليل، بلغنا، تماماً كما هو الحال مع natural price لدى Adam Smith، الذي يطابق Marx بينه وبين سعر إنتاجه صراحةً (III. 178)، أخيراً إلى حلّ سعر الإنتاج إلى عنصرين أو محدِّدين: إلى مجموع جميع الأجور المدفوعة خلال مراحل الإنتاج المختلفة، التي تشكّل مجتمعةً سعر التكلفة الفعلي للسلعة7، وإلى مجموع جميع الأرباح المحسوبة من نفقات الأجور هذه pro rata temporis، والمحسوبة تحديداً وفق معدّل الربح المتوسط.

فالربح المتوسط الذي ينشأ عند إنتاج سلعةٍ ما هو إذن بالفعل أحد محدِّدات سعر إنتاج السلعة المعنية. أما المحدِّد الثاني، أي مجموع الأجور المدفوعة، فلا يتحدّث عنه Marx في هذا الموضع أكثر من ذلك. لكن بما أنه، كما ذُكر، يتحدّث في موضعٍ آخر على نحوٍ عام تماماً عن أن "القيم تقف وراء أسعار الإنتاج"، وأن "قانون القيمة يحدّدها في نهاية المطاف"، فإن علينا، كي لا نترك ثغرة، أن ندرج هذا العامل الثاني أيضاً في دراستنا، وأن ننظر تبعاً لذلك فيما إذا كان يمكن، وإلى أيّ درجة، أن يُزعَم بشأنه أنه محدَّدٌ بقانون القيمة.

من الواضح أن مجموع الأجور المدفوعة هو حاصل ضرب كمية العمل المبذول في مقدار معدل الأجر. ولمّا كانت نسب التبادل، بحسب قانون القيمة، يُفترض أن تتحدد حصريًا بكمية العمل المبذول، وكان Marx يُنكر مرارًا وبأشد التأكيد أيّ تأثير لمقدار أجر العمل على قيمة السلع،8 فمن الواضح بالقدر نفسه أن واحدًا فقط من مكوّني عامل «نفقة الأجر»، وهو كمية العمل المبذول، ينسجم مع قانون القيمة، في حين يَدخل في المكوّن الثاني، أي مقدار أجر العمل، محددٌ غريب عن قانون القيمة بين محددات أسعار الإنتاج.

ولكي نقطع الطريق على أيّ سوء فهم، فلتُوضَّح طبيعة هذا العامل وقدر فاعليته بمثال عددي بسيط أيضًا.

لنأخذ ثلاث سلع A وB وC، تمثّل في البداية سعر الإنتاج نفسه البالغ 100 مارك لكل منها، ولكن مع تركيب نموذجي مختلف لعناصر التكلفة. ولنفترض كذلك أن أجر العمل لليوم الواحد يبلغ في البداية 5 ماركات، وأن معدل فائض القيمة أو درجة الاستغلال يبلغ 100%، بحيث إنه من قيمة السلع الإجمالية البالغة 300 مارك يقع 150 مارك على الأجور و150 مارك آخر على فائض القيمة؛ وأن رأس المال الإجمالي (المطبَّق على السلع الثلاث بنسبة غير متساوية) يبلغ 1500 مارك، وعليه فإن الأرباح المتوسطة تبلغ 10%. ويوافق هذا الافتراض العرض الجدولي التالي:

الجدول 3

السلعة أيام العمل المبذولة أجور العمل المبذولة رأس المال المطبَّق الربح المتوسط الواقع عليها سعر الإنتاج
A 10 50 500 50 100
B 6 30 700 70 100
C 14 70 300 30 100
المجموع 30 150 1500 150 300

لنفترض الآن ارتفاعًا في أجر العمل من 5 إلى 6 ماركات. وهذا الارتفاع، مع بقاء سائر الظروف على حالها، لا يمكن أن يكون بحسب Marx إلا على حساب فائض القيمة.9 ومن ثمّ، فمن مجموع الناتج الكلي الذي بقي على حاله البالغ 300 مارك سيقع على أجور العمل 180 مارك، وعلى فائض القيمة 120 مارك فحسب، مع انخفاض درجة الاستغلال، وبموجب ذلك ينخفض معدل الربح المتوسط لرأس المال المستخدَم البالغ 1500 مارك إلى 8%. والإزاحات التي تطرأ بهذا على تركيب عناصر رأس المال وعلى أسعار الإنتاج يبيّنها الجدول التالي.

الجدول 4

السلعة أيام العمل المبذولة أجور العمل المبذولة رأس المال المطبَّق الربح المتوسط الواقع عليها سعر الإنتاج
A 10 60 500 40 100
B 6 36 700 56 92
C 14 84 300 24 108
المجموع 30 180 1500 120 300

يتبيّن من ذلك إذن أن ارتفاع أجور العمل، مع بقاء كمية العمل على حالها، قد أحدث إزاحة محسوسة في أسعار الإنتاج ونسب التبادل التي كانت في البداية متساوية. وهذه الإزاحة تُردّ في جزء منها، ولكن ليس كليًّا فيما هو ظاهر، إلى التغيّر المتزامن والضروري في معدل الربح المتوسط الذي تأثّر بتخفيف الأجر. وأقول قطعًا ليس كليًّا، لأن سعر إنتاج السلعة C مثلًا قد ارتفع رغم انخفاض مقدار الربح الداخل فيها، ومن ثمّ لا يمكن أن يكون هذا التغيّر في السعر قد أحدثه تغيّر الربح وحده. ولا أُبرز هذا الأمر، البديهي على كل حال، إلا لأضع خارج كل شك أننا نتعامل في مقدار الأجر مع محدِّد لتحديد السعر لا تنفد فاعليته في التأثير على مقدار الربح، بل يمارس فضلًا عن ذلك تأثيرًا مباشرًا خاصًّا به أيضًا، وأننا من ثمّ كنا محقّين بالفعل في أن نُخضِع لتأمل مستقل الحلقةَ من محددات السعر التي تخطّاها Marx في الموضع المقتبَس أعلاه. أما تلخيص النتائج النهائية لهذا التأمل فأحتفظ به لوقت لاحق. ولنتابع في هذه الأثناء، فاحصين خطوة خطوة، العرض الذي يقدّمه Marx للطريقة التي يُفترض أن يُنظَّم بها المحدِّد الثاني لأسعار الإنتاج، أي الربح المتوسط، من خلال قانون القيمة.

السلع؛10 والقيمة الإجمالية للسلع تحدِّد فائض القيمة الإجمالي المتضمَّن فيها؛ وهذا، بعد توزيعه على رأس المال الاجتماعي الإجمالي، يضبط معدل الربح المتوسط؛ وهذا المعدل، إذ يُطبَّق على رأس المال المستخدَم في إنتاج سلعة مفردة، ينتج عنه الربح المتوسط المحسوس، الذي يدخل أخيرًا بوصفه عنصرًا في سعر إنتاج السلعة المعنية. وعلى هذا النحو «ينظّم» العاملُ الواقف في بداية هذه السلسلة، أي «قانون القيمة»، الحلقةَ الختامية، أي أسعار الإنتاج.

فلنرافق هذه السلسلة المنطقية بملاحظاتنا.

يلفت النظر أولًا، ولا بد من إثباته، أن Marx لا يدّعي البتة وجود ارتباط بين الربح المتوسط الداخل في سعر إنتاج السلع وبين القيمة المتجسّدة في سلع مفردة معيّنة على أساس قانون القيمة. بل إنه على العكس يُبرز بإلحاح في مواضع عديدة أن كمية فائض القيمة الداخلة في سعر إنتاج سلعة ما مستقلةٌ عن «فائض القيمة المُنتَج فعلًا في مجال الإنتاج الخاص» (III. 146؛ وعلى نحو مشابه III. 144 وكثيرًا غيره)، بل مختلفة عنه من حيث المبدأ. ومن ثمّ فهو لا يربط البتة التأثيرَ المنسوب إلى قانون القيمة بالوظيفة المميِّزة لقانون القيمة، تلك التي يُنظّم بمقتضاها هذا القانون نسب التبادل بين السلع المفردة، بل يربطه فقط بوظيفة أخرى مزعومة، وقد كوّنّا حكمنا في وقت سابق عن طابعها البالغ الإشكالية: أي بتحديد القيمة الإجمالية لجميع السلع مأخوذة مجتمعة. وفي هذا التطبيق، كما تيقّنّا، يكون قانون القيمة ببساطة عديم المضمون. فإذا كان المرء، كما يفعل Marx بالفعل أيضًا، يصكّ مفهوم القيمة وقانونها على نسب تبادل السلع،11 فلا معنى لتطبيق المفهوم والقانون على كلٍّ لا يمكنه بوصفه كذلك أن يدخل أبدًا في تلك النسب: فبالنسبة إلى التبادل غير الواقع لهذا الكل، لا يوجد بالطبع لا مقياس ولا محدِّد، ومن ثمّ لا يمكن أن يكون هناك مضمون لـ«قانون القيمة». أما إذا كان قانون القيمة لا يملك أصلًا أيّ تأثير واقعي على «قيمة إجمالية لجميع السلع مأخوذة مجتمعة» وهميّة، فمن الطبيعي أن مثل هذا التأثير لا يمكن أن يُمرَّر كذلك إلى نسب أخرى، ومن ثمّ فإن السلسلة المتعددة الحلقات بأكملها، التي اجتهد Marx في مواصلة عقدها بمنطق نظيف في ظاهره، تظلّ معلّقة في الهواء.

ولكن لنصرف النظر تمامًا عن هذا النقص الأساسي الأول، ولنفحص سائر حلقات السلسلة بمعزل عنه من حيث صلابتها الذاتية. فلنفترض إذن أن القيمة الإجمالية للسلع مقدارٌ واقعي حقًّا، بل محدَّد بقانون القيمة: فإن الحلقة الثانية تقول إن هذه القيمة الإجمالية للسلع تضبط فائض القيمة الإجمالي. فهل هذا صحيح؟

لا يمثّل فائض القيمة بلا شك حصة ثابتة أو غير متغيّرة من الناتج القومي الكلي، بل ينجم عن الفرق بين «القيمة الإجمالية» للناتج القومي ومقدار الأجر المدفوع للعمال. فتلك القيمة الإجمالية إذن لا تضبط على كل حال وحدها بمفردها مقدار فائض القيمة الإجمالي، بل تستطيع في أحسن الأحوال أن تقدّم محدِّدًا لمقداره، يقف إلى جانبه بوصفه محدِّدًا ثانيًا غريبًا مقدارُ أجر العمل. ولكن أفلا يخضع هذا أيضًا ربما لقانون القيمة الماركسي؟

في المجلد الأول كان Marx لا يزال يدّعي هذا دون قيد. «إن قيمة قوة العمل»، يكتب في الصفحة 155، «شأنها شأن قيمة أيّ سلعة أخرى، تتحدد بزمن العمل اللازم لإنتاج هذا الصنف النوعي، ومن ثمّ لإعادة إنتاجه أيضًا». وفي الصفحة التالية يمضي، محدِّدًا هذه القضية على نحو أدقّ، فيقول: «يحتاج الفرد الحيّ، للحفاظ على نفسه، إلى مقدار معيّن من وسائل العيش. فينحلّ زمن العمل اللازم لإنتاج قوة العمل إذن إلى زمن العمل اللازم لإنتاج وسائل العيش هذه، أو إن قيمة قوة العمل هي قيمة وسائل العيش اللازمة للحفاظ على صاحبها». لكن في المجلد الثالث يُضطر Marx إلى التخفيف بقدر كبير من صرامة هذا الادعاء أيضًا. إذ يلفت النظر بحقّ تامّ في الصفحة 186 من المجلد الثالث إلى إمكان أن تُباع أيضًا وسائل العيش الضرورية للعمال بأسعار إنتاج تنحرف عن زمن العمل اللازم. وفي هذه الحالة، كما يعلّم Marx، يمكن أن «ينحرف عن قيمته» أيضًا الجزءُ المتغير من رأس المال (أي الأجور المدفوعة). وبعبارة أخرى: يمكن أيضًا لأجر العمل (بمعزل تمامًا عن مجرد تذبذبات مؤقتة) أن ينحرف على نحو دائم عن المعدل الذي يوافق كمية العمل المتجسّدة في وسائل العيش الضرورية أو المتطلب الصارم لقانون القيمة. فعند تحديد فائض القيمة الإجمالي إذن يشارك بالفعل محدِّدٌ واحد على الأقل غريب عن قانون القيمة.

والعامل المحدَّد على هذا النحو، أي فائض القيمة الإجمالي، «يضبط» بحسب Marx معدل الربح المتوسط. لكن من الواضح أنه لا يفعل ذلك مجددًا إلا على نحو يقدّم فيه فائض القيمة الإجمالي المحدِّدَ، في حين يؤثّر بوصفه محدِّدًا ثانيًا مستقلًّا تمامًا عن هذا وعن قانون القيمة أيضًا مقدارُ رأس المال الموجود في المجتمع. فإذا كان فائض القيمة الإجمالي، كما في الجدول أعلاه، 150 مارك عند فائض قيمة قدره 100%، فإن معدل الربح يبلغ 10% إذا، ولأن، رأس المال الإجمالي المستخدَم في جميع فروع الإنتاج يبلغ 1500 مارك؛ ومن الواضح أنه، مع بقاء فائض القيمة الإجمالي على حاله تمامًا، لن يبلغ سوى 5% إذا بلغ رأس المال الإجمالي المشارك فيه 3000 مارك، وسيبلغ 20% كاملة إذا لم يبلغ رأس المال الإجمالي سوى 750 مارك. فمن الواضح إذن أنه يدخل من جديد محدِّدٌ غريب تمامًا عن قانون القيمة في سلسلة التأثير.

ومعدل الربح المتوسط، كما يتعيّن علينا أن نستنتج كذلك، يضبط مقدار الربح المتوسط المحسوس المتراكم عند إنتاج سلعة معيّنة. وهذا صحيح من جديد بالقيد نفسه الذي صحّت به الحلقات السابقة. ذلك أن مجموع الربح المتوسط المتراكم عند سلعة معيّنة هو حاصل ضرب عاملين: مقدار رأس المال المتقدَّم به مضروبًا في معدل الربح المتوسط. لكن مقدار رأس المال الواجب تقديمه في مختلف المراحل يتحدد بدوره وفق عاملين: أي وفق كمية العمل الواجب أجره (وهو عامل لا يقف بالطبع في تنافر مع قانون القيمة الماركسي)، ولكن أيضًا وفق مقدار الأجر الواجب دفعه، وعند هذا العامل يدخل في اللعبة، كما تيقّنّا للتوّ، عامل غريب عن قانون القيمة.

وبالحلقة التالية نعود من جديد إلى البداية. فالربح المتوسط المحدَّد بحسب الحلقة 4 يُفترض أن يضبط سعر إنتاج السلعة. وهذا صحيح، مع التصحيح المُقدَّم في البداية، وهو أن الربح المتوسط ليس سوى عامل محدِّد للسعر إلى جانب نفقة الأجر، التي يؤثّر فيها بصورة مشارِكة في التحديد، كما بيّنّا مرارًا، عنصرٌ غريب عن قانون القيمة الماركسي.

فلنلخّص. ما الذي كان موضوع البرهان الذي تعهّد Marx بإثباته؟ كان نصّه: «قانون القيمة ينظّم أسعار الإنتاج»، أو، بصيغة أخرى من التعبير، «القيم تحدِّد في نهاية المطاف أسعار الإنتاج». أو، إذا أدرجنا في الصيغة مضمونَ القيمة وقانونها كما حدّده Marx في المجلد الأول، فإن الادعاء يكون: إن أسعار الإنتاج تحكمها «في نهاية المطاف» القضيةُ القائلة إن كمية العمل هي الظرف الوحيد الذي يقوم عليه نسبُ تبادل السلع.

وماذا يُظهر فحص الحلقات المفردة من مسار البرهان؟ إنه يُظهر أن سعر الإنتاج يتألف بادئ ذي بدء من مكوّنين. أولهما، نفقة الأجور، هو حاصل ضرب عاملين، أحدهما، كمية العمل، متجانس مع جوهر القيمة الماركسية، والثاني، مستوى الأجر، ليس كذلك. أما المكوّن الثاني، أي مجموع الربح المتوسط المتراكم، فلم يستطع Marx نفسه أن يدّعي له ارتباطاً بقانون القيمة على الإطلاق إلا بمساعدة خلعٍ عنيفٍ لهذا القانون من مفصله، إذ نسب إليه فاعليةً في حقلٍ لا توجد فيه نسب تبادلية على الإطلاق. لكن حتى بصرف النظر عن ذلك، كان لا بد على أي حال أن يقتسم العامل «القيمة الإجمالية للسلع»، الذي يريد Marx اشتقاقه أيضاً من قانون القيمة، تحديدَ الحلقة التالية، أي فائض القيمة الإجمالي، مع عاملٍ لم يعد متجانساً مع قانون القيمة هو «مستوى أجر العمل»؛ وكان لا بد لـ«فائض القيمة الإجمالي» أن يقتسم مع عنصرٍ غريبٍ تماماً، هو كتلة رأس المال الاجتماعي، تحديدَ معدل الربح المتوسط، وكان لا بد لهذا الأخير أن يقتسم في النهاية مع العنصر الغريب جزئياً، نفقة الأجور، تحديدَ مجموع الربح المتراكم. ومن ثم فإن العامل «القيمة الإجمالية لجميع السلع»، المقيَّد بحقٍّ مشكوكٍ فيه جداً لحساب قانون القيمة الماركسي، لا يؤثر إلا بعد تخفيفٍ هوميوباثيٍّ ثلاثيٍّ لتأثيره، وبالطبع بحصةٍ من تحديد الربح المتوسط ثم من تحديد أسعار الإنتاج تتناسب في ضآلتها مع هذا التخفيف. ومن ثم كان ينبغي لوصفٍ رصينٍ للوقائع أن يكون على النحو التالي: إن كمية العمل، التي يُفترض بحسب قانون القيمة الماركسي أن تتحكم بالنسب التبادلية للسلع تحكماً تاماً وحصرياً، تتبيّن في الواقع أنها أساسٌ من أُسس تحديد أسعار الإنتاج إلى جانب أُسسٍ مُحدِّدةٍ أخرى. فلها تأثيرٌ قويٌّ ومباشرٌ إلى حدٍّ ما على أحد مكوّني أسعار الإنتاج، المتمثل في نفقة الأجور، وتأثيرٌ أبعدُ بكثيرٍ وأضعفُ وفي معظمه12 حتى مشكوكٌ فيه على المكوّن الثاني، أي الربح المتوسط.

وأنا أسأل الآن: هل تتضمن هذه الواقعة تأكيداً أم تفنيداً للادّعاء بأن قانون القيمة هو الذي يحدد أسعار الإنتاج في نهاية المطاف؟ ـ أعتقد أن الجواب لا يمكن أن يكون موضع شكٍّ للحظةٍ واحدة: فقانون القيمة يدّعي أن كمية العمل وحدها تحدد النسب التبادلية، بينما تتضمن الوقائع أن كمية العمل أو عواملها المتجانسة ليست وحدها ما يحدد النسب التبادلية. وهاتان القضيتان تتعلق إحداهما بالأخرى تعلّق «نعم» بـ«لا»، وتعلّق التأكيد بالتناقض. ومن يُقرّ بالقضية الثانية ـ ونظرية Marx عن أسعار الإنتاج تتضمن هذا الإقرار ـ فإنه ينقض فعلياً القضية الأولى. وإذا كان Marx قد ظنّ حقاً أنه لم يناقض نفسه ولا قضيته الأولى، فقد خدعه خلطٌ فجٌّ. إذ يكون عندئذٍ لم يرَ أنهما شيئان مختلفان جداً، بعد كل شيء: أن يمارس عاملٌ ما، مُستدعىً في قانونٍ ما، نوعاً ما من التأثير بدرجةٍ ما، أو أن يمارس القانون نفسه سيطرته.

لعل المثال الأشد ابتذالاً يكون الأفضل في أمرٍ ملموسٍ هكذا. لِنفترض أن الحديث يدور حول تأثير المدافع في دروع السفن، وأن أحدهم يطرح زعماً مفاده أن درجة التأثير التدميري للطلقة تتوقف وحدها وحصرياً على حجم حشوة البارود المستخدمة. فيُؤخذ على كلامه ويُبيَّن له استناداً إلى التجربة الفعلية، وبموافقته هو نفسه خطوةً خطوةً، أن تأثير الطلقة لا يتوقف على كمية البارود المحشو فحسب، بل أيضاً على قوته، وكذلك على بنية ماسورة المدفع وطولها ونحو ذلك، ثم على شكل القذيفة وصلابتها، وكذلك على مسافة الهدف، وأخيراً وليس آخراً على سُمك ألواح الدرع ومتانتها. والآن، بعد أن سُلِّم بكل ذلك خطوةً خطوةً، قد يقول رجلنا إنه إذن مُحقٌّ مع ذلك في زعمه الأولي؛ لأنه، كما تبيّن، يمارس العامل الذي استدعاه، أي كمية البارود، تأثيراً حاسماً على تأثير الطلقة، وهو ما يثبت من جملة أمورٍ من أن تأثير الطلقة يزداد، مع تساوي الظروف الأخرى، بازدياد قوة حشوة البارود والعكس بالعكس!

وليس Marx مختلفاً. فهو يخطب أولاً بأشد تشديدٍ يمكن تصوّره مؤكداً أنه لا يمكن أن يكمن في أساس النسب التبادلية للسلعة شيءٌ آخر سوى كمية العمل وحدها وحصرياً؛ ويجادل بأشد ما يكون ضد الاقتصاديين الذين يُقرّون، إلى جانب كمية العمل ـ التي لا ينكر أحدٌ تأثيرها في القيمة التبادلية للسلع القابلة للإنتاج بحريةٍ ـ بأُسسٍ مُحدِّدةٍ أخرى للقيمة والسعر؛ ويبني على المكانة الحصرية لكمية العمل بوصفها الأساس الوحيد المحدِّد للنسب التبادلية، طوال مجلّدين، أهمَّ النتائج النظرية والعملية، أي نظريته في فائض القيمة وحُكمَه بالحرمان على التنظيم الاجتماعي الرأسمالي ـ ليطوّر في المجلد الثالث نظريةً في أسعار الإنتاج تُقرّ مادياً بتأثير أُسسٍ مُحدِّدةٍ أخرى أيضاً. لكنه بدلاً من أن يُحلِّل هذه الأُسس المحدِّدة الأخرى تحليلاً تاماً، يضع دائماً، بإيماءةٍ ظافرة، إصبعه على تلك النقاط فحسب التي يمارس عندها مَعبودُه، كمية العمل، تأثيراً حتى الآن فعلياً أو في رأيه: على تغيّر الأسعار حين تتغير كمية العمل، وعلى تأثُّر معدل الربح المتوسط بـ«القيمة الإجمالية» ونحو ذلك. أما عن التأثير المتساوق للأُسس المحدِّدة الغريبة، وكذلك عن تأثُّر معدل الربح بحجم رأس المال الاجتماعي، وعن تغيّر الأسعار بتغيّر التركيب العضوي لرؤوس الأموال أو بتغيّر مستوى الأجر، فيلتزم الصمت في هذا السياق. ولا تخلو مؤلَّفاته من مباحث يُقرّ فيها بهذه التأثيرات. فتأثير مستوى الأجر في الأسعار مطوَّرٌ بصوابٍ مثلاً في ص 179 وما بعدها، ثم 186، وتأثير حجم رأس المال الاجتماعي في مستوى معدل الربح المتوسط في ص 145 و184 و191 وما بعدها و197 وما بعدها و203 وفي مواضع أخرى كثيرة، وتأثير التركيب العضوي لرؤوس الأموال في أسعار الإنتاج في ص 142 وما بعدها. لكن من المميِّز أن Marx، في المواضع المكرَّسة للدفاع عن قانون القيمة، يمرّ على هذه التأثيرات المغايرة من دون كلمةٍ واحدة، ويُبرز من جانبٍ واحدٍ فحسب حصة كمية العمل، لكي يستخلص من المقدمة الصحيحة التي لا ينازع فيها أحد، وهي أن العامل كمية العمل يتدخل عند عدة نقاطٍ مساهماً في تشكيل أسعار الإنتاج، النتيجةَ غيرَ المبرَّرة بتاتاً بأن قانون القيمة، الذي ينطق بسيادة العمل وحده، يحدد مع ذلك أسعار الإنتاج «في نهاية المطاف»! وهذا يعني التملّص من الاعتراف بالتناقض، لكنه بالتأكيد لا يعني تفادي التناقض نفسه!

Chapter IV.

الخطأ في النظام الماركسي؛ منشؤه وتفرّعاته

إن إثبات أن كاتباً قد ناقض نفسه قد يكون مرحلةً ضرورية، لكنه يجب ألّا يكون قط الهدف النهائي لنقدٍ موضوعيٍّ ومثمر. فمعرفة أن في نظامٍ ما خطأً ـ خطأً يمكن تصوّراً أن يكون مجرد خطأٍ عرَضيٍّ وشخصيٍّ من المؤلف ـ ليست سوى درجةٍ فقيرةٍ نسبياً من المعرفة النقدية. ولا يمكن التغلب فعلياً على نظامٍ راسخ البناء إلا إذا نجح المرء في أن يُبيِّن بدقةٍ متناهية النقطةَ التي تسلّل عندها الخطأ إلى النظام، والمسارات التي انتشر وتفرّع عليها فيه. إذ يجب على المرء أن يفهم منطلق الخطأ وتطوّره وكارثته التي تتوّج في التناقض الذاتي، فهماً جيداً، بل يكاد يقول المرء: حتى بوصفه خصماً، فهماً متعاطفاً، بقدر ما يجتهد على العكس في فهم تماسك نظامٍ يُسلِم نفسه إليه.

لقد أدّت ظروفٌ بالغة الخصوصية والحدّة إلى أن مسألة التناقض الذاتي، في حالة Marx، اكتسبت أهميةً أكبر بكثيرٍ مما يليق بها عادةً، ووفقاً لذلك كرّستُ أنا أيضاً لتلك المسألة حيّزاً واسعاً. لكن إزاء مفكِّرٍ بهذه الأهمية وهذا التأثير، يحقّ لنا بالأحرى أن نتملّص أقلَّ ما يكون من الجزء الثاني من المهمة النقدية، وهو الجزء الذي أعتقد أنه، في هذه الحالة أيضاً، أكثر إثماراً وتعليماً من الناحية الموضوعية.

لنبدأ بسؤالٍ يقودنا فوراً إلى صلب الموضوع: بأي طريقٍ بلغ Marx القضيةَ الأساسية النظرية لتعليمه، أي القضية القائلة بأن كل قيمةٍ تستند وحدها وحصرياً إلى كميات العمل المتجسّدة؟

ومما لا شك فيه أن هذه القضية ليست بديهيةً غنيةً بذاتها عن البرهان ومن ثم لا تحتاج إلى برهانٍ البتة. فالقيمة والجَهد، كما سبق أن بيّنتُ مرةً في موضعٍ آخر، ليسا بحالٍ مفهومين متلازمين إلى درجة أن يستولي على المرء على الفور الإدراكُ بأن الجَهد هو أساس القيمة. «إن كوني قد كددتُ من أجل شيءٍ واقعةٌ، وكونَ الشيء يستحق فعلاً هذا الكدّ واقعةٌ ثانية مختلفةٌ عنها، وكونَ الواقعتين لا تسيران دائماً يداً بيد أمرٌ أكّدته التجربة بما لا يدع مجالاً لأي شك. فكلٌّ من حالات الكدّ العقيم التي لا تُحصى، التي تُهدَر يومياً على نتيجةٍ عديمة القيمة بسبب قصورٍ فنيٍّ أو مضاربةٍ فاشلةٍ أو لمجرد سوء حظ، يشهد على ذلك. ولا يقلّ عنها شهادةً كلُّ حالةٍ من الحالات العديدة التي يُكافأ فيها جَهدٌ قليلٌ بقيمةٍ عالية».²³

فإذا زُعم مع ذلك، بالنسبة لمجالٍ ما، توافقٌ ضروريٌّ ومنتظمٌ بين الكمّيتين، وجب على المرء أن يُقدِّم لنفسه ولقُرّائه بياناً عن أسبابٍ ما تكون قادرةً على دعم مثل هذا الزعم.

ويُقدِّم Marx الآن أيضاً في نظامه تأسيساً. لكني أعتقد أنني قادرٌ على إقناع المرء بأن مسار التأسيس المسلوك كان من أساسه غير طبيعيٍّ ولا يناسب طبيعة المشكلة؛ وبأن التأسيس المعروض في النظام لم يكن بوضوحٍ هو ذاك الذي بلغ Marx نفسُه عبره قناعتَه، ـ بل ابتُكر لاحقاً بوصفه دعامةً مُزخرفةً اصطناعياً لرأيٍ مسبقٍ مستمدٍّ من انطباعاتٍ أخرى؛ وبأن البرهنة أخيراً ـ وهذا هو الأكثر حسماً ـ مشبعةٌ بعددٍ متراكمٍ من أوضح الأخطاء المنطقية والمنهجية، التي تجرّدها من أي قوةٍ إثباتية.

لننظر عن كثبٍ أكثر.

الأطروحة الأساسية التي يعرضها Marx على قُرّائه لِيُصدِّقوها هي أن القيمة التبادلية للسلع ـ إذ إن تحليله موجَّهٌ إليها وحدها، لا إلى قيمة الاستعمال ـ تجد أساسها ومقياسها في كميات العمل المتجسّدة في السلع.

والحال أن كلاً من القيم التبادلية، أو بالأحرى أسعار السلع، وكذلك كميات العمل اللازمة لإعادة إنتاجها، مقاديرُ ظاهرةٌ للعيان، تكون في جملتها وعمومها قابلةً جيداً لإثباتٍ تجريبي. ومن ثم كان من البديهي ظاهرياً بالنسبة لـ Marx، للوصول إلى قناعةٍ بقضيةٍ لا بد لصوابها أو خطئها أن يتجلّى في وقائع التجربة، أن يحتكم إلى التجربة، أي بعبارةٍ أخرى: أن يُقيم برهاناً تجريبياً بحتاً على أطروحته القابلة لبرهانٍ تجريبيٍّ بحت. لكن Marx لا يفعل ذلك. ولا يمكن في هذا حتى القول إنه مرّ بإهمالٍ على هذا المصدر الممكن، بل المناسب يقيناً، للمعرفة والبرهان. بل إنه، كما تُبيِّن مباحث مجلده الثالث، يعرف جيداً تماماً كيف تكون الوقائع التجريبية وأنها مناقضةٌ لأطروحته. فهو يعلم أن أسعار السلع لا تتحدد نسبةً إلى كمية العمل المتجسّدة، بل نسبةً إلى تكاليف الإنتاج الكلية التي تشمل أيضاً عناصر أخرى. ومن ثم فإنه تنكّب أكثر اختباراتِ أطروحته طبيعيةً، لا عن مصادفةٍ يقيناً، بل بوعيٍ واضحٍ بأنه لا يمكن على هذا الطريق بلوغ نتيجةٍ مواتيةٍ لأطروحته.

لكن يوجد إلى جانب ذلك مسلك ثانٍ في الإثبات والإقناع يَنسجم تمامًا كذلك مع أطروحات من هذا النوع، وهو المسلك النفسي. إذ يمكن المرء — بمزيج من الاستقراء والاستنباط شائع الاستعمال جدًا في علمنا — أن يبحث في الدوافع التي توجّه الناس من جهة عند إجراء معاملات التبادل وتحديد أسعار التبادل، ومن جهة أخرى عند مشاركتهم في الإنتاج، وأن يستخلص من طبيعة هذه الدوافع نتائج بشأن نمط نموذجي لسلوك الناس، بحيث يمكن أن ينشأ من ذلك، من بين ما هو متصوَّر، أيضًا ارتباطٌ بين الأسعار المطلوبة والممنوحة بانتظام وبين كمية العمل اللازمة لإنتاج السلع. وقد طُبِّقت هذه المنهجية في مسائل مماثلة مرارًا وبأفضل نجاح — فالتأسيس المعتاد، مثلًا، لقانون العرض والطلب، وقانون تكاليف الإنتاج، وتفسير الريع العقاري إلخ، يقوم عليها — بل إن Marx نفسه استعملها، على الأقل في صورتها الإجمالية، غير مرة. غير أنه يتجنّبها مرة أخرى بالضبط في أطروحته الأساسية. ومع أن الارتباط الخارجي المزعوم بين قيم التبادل وكميات العمل لا يمكن أن يجد فهمه الكامل إلا من خلال الكشف عن الحلقات النفسية الوسيطة التي تربط بينهما، فإنه يتخلّى عن عرض هذه الارتباطات الداخلية؛ بل يعلن في مناسبة ما أن «التحليل الأعمق» لِـ«القوّتين المحرّكتين اجتماعيًا» المتمثلتين في «الطلب والعرض»، وهو التحليل الذي يؤدي بالضبط إلى ذلك الترابط الداخلي، «ليس في محله هنا» (III. 169)، حيث إن «هنا» وإن كان يتعلق في بادئ الأمر باستطراد حول تأثير الطلب والعرض في تكوُّن الأسعار، إلا أنه يمتد فعليًا وعمليًا، بقدر ما يتعلق الأمر بتحليل حقيقي «عميق» ومُحكَم، إلى مجمل نظام Marx، وعلى وجه الخصوص أيضًا إلى تأسيس فكرته الجوهرية الأهم.

لكن ها هنا أيضًا يُلاحَظ شيء من نوع خاص. فإن Marx لا يمرّ بهذه المنهجية البحثية الثانية الممكنة والطبيعية مرورَ غير المبالي عن براءة. بل إنه يتجنّبها مجددًا عن قصد وبوعيٍ تام بالنتيجة التي ستأتي بها وبأن هذه النتيجة لن تكون في صالح أطروحته. فهو في المجلد الثالث يستدعي فعلًا تلك القوى الدافعة الفاعلة في الإنتاج والتبادل، التي يتخلّى هنا وفي غير هذا الموضع عن «تحليلها الأعمق»، تحت اسمها الجامع الفجّ «المنافسة»، ويعلم ويبيّن أن هذه الدوافع لا تؤدي في الواقع إلى مواءمة الأسعار مع كميات العمل المتجسّدة في السلع، بل تدفعها على العكس بعيدًا عن هذا المقياس ونحو مستوى يتوافق مع المشاركة الفاعلة لعامل ثانٍ منسّق على الأقل. فـ«المنافسة» هي التي، وفقًا لِـ Marx، تُحدِث تكوُّن معدل الربح المتوسط الشهير و«تحويل» قيم العمل الخالصة إلى «أسعار إنتاج» تنحرف عنها وتنطوي على حصة من الربح المتوسط.

وبدلًا من أن يؤسّس أطروحته من التجربة أو من دوافعها الفاعلة تأسيسًا تجريبيًا أو نفسيًا، يؤثر Marx أن يسلك مسلكًا ثالثًا في الإثبات، وهو مسلك غريب بعض الشيء بالنسبة لمادة من هذا النوع: طريق الإثبات المنطقي الخالص، طريق استنباط جدلي من ماهية التبادل ذاتها.

وجد Marx لدى Aristoteles القديم بالفعل الفكرة القائلة إن «التبادل لا يكون من دون مساواة، والمساواة لا تكون من دون قابلية للقياس المشترك» (I. 35). وإلى هذه الفكرة يستند. فهو يتصوّر تبادل سلعتين في صورة معادلة، ويستنتج أنه لا بد أن يوجد في الشيئين المتبادَلين والمُساوَى بينهما بذلك «شيء مشترك من القدر نفسه»، ويمضي للبحث عن هذا المشترك الذي يجب أن تكون الأشياء المُساوى بينها بوصفها قيمًا تبادلية «قابلة للرد» إليه (I. 11).

أودّ أن أُلاحظ على سبيل الاعتراض أن المقدمة الأولى ذاتها، التي بمقتضاها يُفترض أن تتجلّى في تبادل شيئين «مساواةٌ» بينهما، تبدو لي مفكَّرًا فيها على نحو غير عصري للغاية — وهو أمر لا يهمّ كثيرًا في نهاية المطاف — بل أيضًا غير واقعي جدًا، أو لأقولها بألمانية صريحة: غير صحيح. فحيثما تسود المساواة والتوازن الدقيق، لا يحدث عادةً أي تغيُّر في حالة السكون القائمة. فإذا انتهى الأمر في حالة التبادل بأن تبدّل السلع أصحابها، فهذا أحرى أن يكون علامة على أن نوعًا من اللامساواة أو رجحانًا كان في اللعب، فرض التغيير بترجيحه — تمامًا كما تنعقد روابط كيميائية جديدة بين مكوّنات أجسام مركَّبة قُرِّب بعضها من بعض، عندما لا تكون «القرابة الكيميائية» لمكوّنات الجسم الغريب المُقرَّب متساوية في القوة بالضبط، بل أقوى من قرابتها لمكوّنات التركيب القائم. والواقع أن الاقتصاد القومي الحديث مُجمِع على أن النظرة المدرسية اللاهوتية القديمة القائلة بـ«تكافؤ» القيم المراد تبادلها نظرة غير صائبة. لكنني لا أريد أن أُلقي مزيدًا من الثقل على هذه النقطة، وأتوجّه إلى الفحص النقدي للعمليات المنطقية والمنهجية التي يستخلص بها Marx العملَ بوصفه «المشترك» المنشود.

هذه العمليات هي بالضبط ما أشرتُ إليه أعلاه من أنها تبدو لي تشكّل أشدّ مواضع نظرية Marx ضعفًا. فهي تكاد تنطوي على أخطاء علمية جسيمة بقدر ما تنطوي على حلقات فكرية — وهي ليست قليلة بحال — وتحمل آثارًا ملموسة على أنها قد لُفِّقت وصُنِعت لاحقًا بتكلّف لكي يَخرُج رأي مُسبَق بوصفه نتيجة طبيعية ظاهرًا لمسار بحثي حقيقي.

يتّبع Marx في بحثه عن «المشترك» المميِّز لقيمة التبادل الإجراء التالي. فهو يستعرض مختلف الخصائص التي تمتلكها أصلًا الأشياء المُساوَى بينها في التبادل، ثم يُقصي بطريقة الاستبعاد كلَّ تلك التي لا تجتاز الاختبار، إلى أن لا تبقى في النهاية سوى خاصية واحدة. وهذه الخاصية — وهي خاصية كونها نتاجَ عمل — لا بد أن تكون عندئذٍ الخاصية المشتركة المنشودة.

هذا الإجراء غريب بعض الشيء، لكنه في ذاته ليس مرفوضًا. ومن المؤكد أن فيه شيئًا من الغرابة عندما يكتفي المرء، بدلًا من أن يضع الخاصية المميِّزة المُفترَضة على المحكّ إيجابًا — وهو ما كان سيؤدي بالطبع إلى إحدى المنهجيتين اللتين نُوقشتا سابقًا واللتين تجنّبهما Marx عن قصد — بأن يحصّل قناعته بأن هذه الخاصية بالذات هي المنشودة عن طريق سلبي محض، أي أن جميع الخصائص الأخرى ليست هي المنشودة، بينما لا بد أن تكون إحداها كذلك. ومع ذلك يمكن أن تؤدي هذه المنهجية إلى الهدف المنشود إن استُعملت بما يلزم من الحذر والاكتمال؛ أي إذا حرص المرء بعناية مُضنية على أن كل ما ينبغي إدخاله يُوضَع فعلًا في الغربال المنطقي، وعلى ألا يُرتكب أي خطأ بصدد أي حلقة من الحلقات التي تُستبعَد في سياق الغربلة.

لكن كيف يمضي Marx؟

إنه يضع في الغربال منذ البداية فقط تلك الأشياء ذات القيمة التبادلية التي تمتلك الخاصية التي يريد في النهاية أن يغربلها بوصفها «المشتركة»، ويترك كلّ ما عداها خارجًا. إنه يفعل كمن يرغب رغبة شديدة في أن تَخرُج من الجرّة كرة بيضاء، ويدعم هذه النتيجة بحذرٍ بأن لا يضع في الجرّة سوى كرات بيضاء. فهو يقصر منذ البداية نطاق بحثه عن جوهر قيمة التبادل على «السلع»، آخذًا هذا المفهوم — من دون أن يعرّفه بعناية تحديدًا — بمعنى أضيق على أي حال من مفهوم «الخيرات»، ومُقصِرًا إياه على نتاجات العمل في مقابل عطايا الطبيعة. والآن، أليس من البيّن أنه إذا كان التبادل يعني فعلًا مساواةً تفترض وجود «مشترك من قدر متساوٍ»، فإن هذا المشترك يجب أن يُبحَث عنه ويوجَد لدى جميع أصناف الخيرات التي تدخل في التبادل؛ لا لدى نتاجات العمل فحسب، بل أيضًا لدى عطايا الطبيعة، كالأرض والتربة، والخشب على ساق الشجرة، والقوى المائية، ومناجم الفحم، والمحاجر، ومكامن البترول، والمياه المعدنية، ومناجم الذهب وما شابهها13. وإن استبعاد الخيرات ذات القيمة التبادلية التي ليست نتاجات عمل، عند البحث عن المشترك الكامن في أساس قيمة التبادل، يُعدّ في هذه الظروف خطيئة منهجية مميتة. وليس هذا بمختلف عمّا لو أراد فيزيائي أن يبحث عن أساس خاصية مشتركة بين جميع الأجسام، كالثقل مثلًا، انطلاقًا من غربلة خصائص مجموعة واحدة من الأجسام، كالأجسام الشفافة مثلًا، فيستعرض جميع الخصائص المشتركة بين الأجسام الشفافة، ويبرهن عن سائر خصائصها أنها لا يمكن أن تكون أساس الثقل، ثم يُعلن بناءً على ذلك في النهاية أن الشفافية لا بد أن تكون سبب الثقل!

إن استبعاد عطايا الطبيعة (الذي ما كان ليخطر قطعًا ببال Aristoteles، أبي فكرة المساواة في التبادل) لا يمكن تبريره بأي حال، لا سيما وأن بعض عطايا الطبيعة، كالأرض والتربة، تنتمي إلى أهمّ موضوعات الثروة والتعامل على الإطلاق، ولا سيما وأنه لا يمكن البتة الزعم بأن قيم التبادل لدى عطايا الطبيعة تتحدّد دائمًا على نحو عرَضي واعتباطي محض. فمن جهة تقع الأسعار العرَضية أيضًا لدى نتاجات العمل، ومن جهة أخرى تُظهِر أسعار عطايا الطبيعة في كثير من الأحيان أوضح العلاقات بنقاط ارتكاز ثابتة أو محدِّدات ثابتة. وإن كون سعر شراء العقارات يشكّل، مثلًا، مضاعَفًا لريعها يتحدّد وفق سعر الفائدة المتعارف عليه في البلد، أمر معروف بقدر ما هو مؤكَّد أن الخشب على الساق أو الفحم في المنجم يحقّق سعرًا مختلفًا، عند اختلاف الجودة أو في مواقع مختلفة ذات ظروف نقل متفاوتة، لا عن مجرد المصادفة وما شابه ذلك.

ويحرص Marx أيضًا على ألا يقدّم بيانًا صريحًا بأنه استبعد منذ البداية جزءًا من الخيرات ذات القيمة التبادلية من البحث، ولماذا فعل ذلك. فهو يُحسِن هنا أيضًا، كما في كثير من الأحيان، أن ينزلق فوق المواضع الحرجة من استدلاله ببراعة جدلية زلقة كالأنقليس. فهو يتجنّب أولًا أن يُنبّه قارئه إلى أن مفهومه عن «السلعة» أضيق من مفهوم الخير ذي القيمة التبادلية عمومًا. ويُهيّئ ببراعة فائقة، للتقييد اللاحق للبحث على السلع، نقطةَ ارتباط طبيعية، عبر العبارة العامة التي وضعها على رأس كتابه، وهي تبدو بريئة تمامًا، القائلة إن «ثروة المجتمعات التي يسود فيها نمط الإنتاج الرأسمالي تظهر كركام هائل من السلع». وهذه الجملة خاطئة تمامًا إذا فُهم تعبير السلعة بالمعنى الذي يُسبغه عليه Marx لاحقًا، أي معنى نتاجات العمل. ذلك أن عطايا الطبيعة، بما فيها الأرض والتربة، تشكّل جزءًا كبيرًا للغاية وغير عديم الأهمية بأي حال من الثروة القومية. لكن القارئ غير المتيقّظ يتجاوز بسهولة هذا التجاوُز غير الدقيق، لأنه لا يعلم أن Marx سيُسبغ لاحقًا على تعبير السلعة معنًى أضيق بكثير.

وفي ما يلي أيضاً لا يُوضَّح هذا بعد. بل على العكس، تتناوب في الفقرات الأولى من الفصل الأول العباراتُ عن "الشيء"، و"القيمة الاستعمالية"، و"الخير"، و"السلعة"، دون أن يُرسَم تمييزٌ حاد بين الأخيرة وبين الأولى. "إنّ نفعيّة شيءٍ ما" — كما يُقال في ص 10 — "تجعله قيمةً استعمالية". "إنّ جسم السلعة... هو قيمة استعمالية أو خير". وفي ص 11 نقرأ: "تظهر القيمة التبادلية... بوصفها العلاقةَ الكمّية... التي تُتبادَل فيها قيمٌ استعمالية من نوعٍ ما بقيمٍ استعمالية من نوعٍ آخر". ولْيُلاحَظ أنّه يُسمَّى هنا، بوصفه مجالَ ظاهرة القيمة التبادلية، القيمةُ الاستعمالية = الخير لا غير. وبالعبارة: "لننظر في الأمر عن كثب"، وهي بالتأكيد غير مؤهَّلة للإيذان بقفزٍ إلى مجالٍ آخر أضيق من مجال البحث، يمضي Marx قائلاً: "إنّ سلعةً مفردةً، رُبعَ قمحٍ مثلاً، تُتبادَل بأكثر النسب تنوّعاً مع أصناف أخرى". و"لنأخذ كذلك سلعتين" وما إلى ذلك. بل إنّ تعبير "الأشياء" يعود مرّةً أخرى في الفقرة نفسها، وذلك تحديداً في الصياغة المهمّة بالنسبة إلى المسألة، وهي أنّ "مشتركاً من المقدار نفسه موجودٌ في شيئين مختلفين" (وهما اللذان يُجعَلان متساويين أحدهما للآخر في التبادل). غير أنّ Marx في الصفحة التالية 12 يُجري البحث عن "المشترك" للقيمة التبادلية "للسلع" فحسب، دون أن يلفت الانتباه بكلمةٍ واحدة إلى أنّه يريد بذلك أن يكون قد ضيَّق ميدانَ البحث على جزءٍ من الأشياء ذات القيمة التبادلية.14 وفي الصفحة التالية فوراً، ص 13، يُهجَر التضييق من جديد، ويُطبَّق النتيجةُ التي ظُفِر بها للتوّ من أجل النطاق الأضيق للسلع على الدائرة الأوسع للقيم الاستعمالية للخيرات. "إنّ قيمةً استعمالية أو خيراً ليس له قيمةٌ إذاً إلا لأنّ عملاً إنسانياً مجرَّداً مُتشيِّئٌ أو مُتجسِّدٌ فيه!"

لو أنّ Marx لم يضيِّق البحث في الموضع الحاسم على نواتج العمل، بل بحث عن المشترك لدى الهبات الطبيعية ذات القيمة التبادلية أيضاً، لكان من الجليّ المحسوس أنّ العمل لا يمكن أن يكون هو المشترك. ولو أنّه أنجز ذلك التضييق صراحةً وعلانيةً، لتعثَّر هو نفسه ولتعثَّر قرّاؤه حتماً بهذا الخطأ المنهجي الفظّ، ولاضطُرّوا إلى الابتسام إزاء تلك الحيلة الساذجة التي تُستخلَص بها خاصّيةُ كون الشيء ناتجَ عملٍ، بنجاحٍ، بوصفها خاصّيةً مشتركةً لدائرةٍ، بعد أن يكون المرء قد أقصى مسبقاً عن هذه الدائرة كلَّ الأشياء ذات القيمة التبادلية التي تنتمي إليها بطبيعتها أيضاً ولكنّها ليست نواتجَ عمل. لم يكن في الإمكان إجراء هذه الحيلة إلا على النحو الذي أجراها به Marx، خِفيةً، بجدلٍ ينساب بسرعةٍ وسهولةٍ فوق النقطة الشائكة. وإذ أُعرب عن إعجابي الصادق بالمهارة التي عرف بها Marx أن يقدّم بها إجراءً مَعيباً إلى هذا الحدّ تقديماً مقبولاً، فإنّي لا يسعني بالطبع إلا أن أُثبت أنّ الإجراء كان مَعيباً تماماً.

لكن لنتابع النظر. بالحيلة التي وُصِفت للتوّ لم يكن Marx قد بلغ إلا أن يتمكّن العملُ من الدخول أصلاً في المنافسة. فبفعل التضييق المصطنع للدائرة لم يصِر العملُ خاصّيةً "مشتركة" لهذه الدائرة الضيّقة إلا حينئذٍ. غير أنّه إلى جانبه كان يمكن أن تُطرَح خصائص أخرى أيضاً بوصفها مشتركة. فكيف يُقصى الآن هؤلاء المنافسون الآخرون؟

يحدث ذلك عبر حلقتين فكريتين أخريين، لا تتضمّن كلٌّ منهما إلا بضع كلمات، لكن فيها واحداً من أفدح الأخطاء المنطقية.

في الحلقة الأولى يُقصي Marx جميعَ "الخصائص الهندسية أو الفيزيائية أو الكيميائية أو غيرها من الخصائص الطبيعية للسلع". إذ إنّ "خصائصها الجسدية لا تُؤخَذ في الاعتبار أصلاً إلا بقدر ما تجعلها نافعة، أي قيماً استعمالية. ومن جهةٍ أخرى فإنّ علاقة التبادل بين السلع تتميّز بوضوح بالتجريد من قيمها الاستعمالية". إذ إنّ "ضمن هذه العلاقة (علاقة التبادل) تساوي قيمةٌ استعمالية تماماً أيَّ قيمةٍ أخرى، ما دامت موجودةً بالنسبة المناسبة" (I. 12).

"ماذا كان Marx ليقول في الحجّة التالية؟ في مسرح أوبرا يتقاضى ثلاثة مغنّين بارعين، أحدهم تينور وآخر باص وثالث باريتون، كلٌّ منهم راتباً قدره 20.000 فلورين. يُسأل: ما الظرف المشترك الذي من أجله يُجعَلون متساوين في الراتب؟ فأُجيب: في مسألة الراتب يساوي صوتٌ جميل تماماً أيَّ صوتٍ جميل آخر، صوتُ تينور جميل ما يساوي صوتَ باص جميل أو صوتَ باريتون جميل، ما دام موجوداً أصلاً بالنسبة المناسبة. وبالتالي يُجرَّد المرء «بوضوح» في مسألة الراتب من الصوت الجميل، وبالتالي لا يمكن أن يكون الصوت الجميل هو السبب المشترك للراتب المرتفع. — أنّ هذه الحجّة خاطئة أمرٌ واضح. ولكنّ من الواضح بالقدر نفسه أيضاً أنّ الاستنتاج الماركسي، الذي نُسِخت عنه بدقّة، ليس أصحَّ منها بشَعرة. فكلاهما يعانيان من الخطأ نفسه. إنّهما يخلطان بين التجريد من ظرفٍ ما بإطلاق وبين التجريد من الكيفيات الخاصّة التي يظهر بها هذا الظرف. فما هو لا مبالٍ به في مثالنا بالنسبة إلى مسألة الراتب إنّما هو على نحوٍ بيّن الكيفيةُ الخاصّة وحدها التي يظهر بها الصوت الجميل، أبصفته تينور أم باص أم باريتون، ولكنّه على الإطلاق ليس الصوتَ الجميل بإطلاق. وكذلك يُجرَّد المرء، بالنسبة إلى علاقة التبادل بين السلع، من الكيفية الخاصّة التي قد تظهر بها القيمةُ الاستعمالية للسلع، أتخدم السلعةُ الغذاءَ أم السكنَ أم الملبسَ إلخ، ولكنّه على الإطلاق لا يُجرَّد من القيمة الاستعمالية بإطلاق. وأنّ المرء لا يُجرَّد من هذه الأخيرة على الإطلاق كان Marx قد يستنتجه من أنّه لا يمكن أن توجد قيمةٌ تبادلية حيث لا توجد قيمةٌ استعمالية، وهي حقيقةٌ اضطُرّ Marx نفسه إلى الاعتراف بها مراراً." (Böhm-Bawerk)15

بيد أنّ الحال أسوأ مع الحلقة التالية من سياق البرهان. "إذا صُرف النظرُ عن القيمة الاستعمالية لأجسام السلع" — يمضي Marx حرفياً — "فلا تبقى لها إلا خاصّيةٌ واحدة، خاصّيةُ كونها نواتجَ عمل". حقاً؟ أسأل اليوم، كما سألتُ قبل 12 سنة: خاصّيةٌ واحدة فحسب؟ أوَلا تبقى للخيرات ذات القيمة التبادلية مشتركةً، مثلاً، أيضاً خاصّيةُ أنّها نادرةٌ بالنسبة إلى الحاجة؟ أو أنّها موضوعٌ للطلب والعرض؟ أو أنّها مُتملَّكة؟ أو أنّها "نواتجُ طبيعة"؟ إذ إنّ كونها نواتجَ طبيعة بقدر ما هي نواتجُ عمل، لا يقوله أحدٌ بأوضح ممّا يقوله Marx نفسه، حين يصرّح مرّةً: "إنّ أجسام السلع هي تركيباتٌ من عنصرين، مادّةٍ طبيعية وعمل". أو أوَليست أيضاً تلك الخاصّيةُ مشتركةً بين القيم التبادلية، وهي أنّها تُكبِّد منتِجيها كُلَفاً — خاصّيةٌ يتذكّرها Marx بهذه الدقّة في المجلّد الثالث؟

فلِمَ، أسأل اليوم أيضاً من جديد، لا ينبغي أن يكمن مبدأُ القيمة في إحدى هذه الخصائص المشتركة بالجودة نفسها، بدلاً من أن يكمن في خاصّية كون الشيء ناتجَ عمل؟ إذ إنّ Marx لم يقدّم لصالح هذه الأخيرة ولا أثراً واحداً لسببٍ إيجابي؛ فسببُه الوحيد هو السبب السلبي، أي أنّ القيمة الاستعمالية التي جُرِّد منها بنجاح ليست هي مبدأ القيمة التبادلية. ولكن أوَلا ينطبق هذا السببُ السلبي بالقدر نفسه تماماً على جميع الخصائص المشتركة الأخرى التي أغفلها Marx؟

بل أكثر من ذلك! في الصفحة 12 نفسها، التي جرَّد Marx فيها من تأثير القيمة الاستعمالية على القيمة التبادلية بتعليلٍ مفاده أنّ قيمةً استعمالية تساوي أيَّ قيمةٍ أخرى ما دامت موجودةً بالنسبة المناسبة، يحدّثنا عن نواتج العمل بما يلي:

"بيد أنّ ناتج العمل قد تحوّل بالفعل بين أيدينا. فإذا جرَّدنا من قيمته الاستعمالية، جرَّدنا أيضاً من المكوّنات والأشكال الجسدية التي تجعله قيمةً استعمالية. فلم يعد طاولةً أو بيتاً أو خيطاً أو أيَّ شيءٍ نافعٍ آخر. لقد انمحت جميع خصائصه الحسّية. ولم يعد كذلك ناتجَ عمل النجارة أو عمل البناء أو عمل الغزل أو أيِّ عملٍ إنتاجي محدَّد آخر. ومع زوال الطابع النافع لنواتج العمل يزول الطابعُ النافع للأعمال المتمثّلة فيها، فتزول إذاً أيضاً الأشكالُ العيانية المختلفة لهذه الأعمال؛ فهي لم تعد تتمايز، بل قد رُدّت جميعاً إلى عملٍ إنساني متساوٍ، عملٍ إنساني مجرَّد."

أيمكن القولُ بأوضح وأصرحَ من ذلك إنّ بالنسبة إلى علاقة التبادل لا تساوي قيمةٌ استعمالية فحسب، بل أيضاً نوعٌ من العمل ونواتج العمل، "تماماً ما يساويه أيُّ نوعٍ آخر، ما دام موجوداً بالنسبة المناسبة"؟ أي بعبارةٍ أخرى إنّ الواقعة نفسها بعينها، التي نطق Marx على أساسها للتوّ بحكم الإقصاء ضدّ القيمة الاستعمالية، قائمةٌ أيضاً في ما يخصّ العمل؟ للعمل وللقيمة الاستعمالية جانبٌ كيفي وجانبٌ كمّي. فكما أنّ القيمة الاستعمالية بوصفها طاولةً أو بيتاً أو خيطاً متمايزةٌ كيفياً، كذلك العملُ بوصفه عملَ نجارة أو عملَ بناء أو عملَ غزل. وكما يمكن مقارنةُ عملٍ من أنواعٍ مختلفة بحسب مقداره، كذلك تماماً يمكن مقارنةُ قيمٍ استعمالية من أنواعٍ مختلفة بحسب حجم القيمة الاستعمالية. ومن المستحيل البتّةَ تبيّنُ السبب الذي من أجله ينبغي أن تؤدّي الواقعة المتطابقة بالنسبة إلى منافسٍ إلى الإقصاء، وبالنسبة إلى منافسٍ آخر إلى التتويج بالجائزة! ولو أنّ Marx قلَب مصادفةً ترتيبَ البحث، لأمكنه بجهاز الاستنتاج نفسه بالضبط الذي أقصى به القيمة الاستعمالية أن يُقصي العمل، ثمّ أمكنه من جديد بجهاز الاستنتاج نفسه الذي توَّج به العمل أن يُعلن القيمة الاستعمالية بوصفها الخاصّيةَ المشتركة الوحيدة الباقية والمطلوبة إذاً، وأن يفسّر القيمة بوصفها "هلاماً من قيمةٍ استعمالية". وأظنّ أنّه يمكن الزعم، لا على سبيل المزاح بل بكلّ جدّية، أنّه في فقرتي الصفحة 12، اللتين جُرِّد في أولاهما من تأثير القيمة الاستعمالية وبُرهِن في ثانيتهما على العمل بوصفه المشترك المطلوب، يمكن أن تتبادل الموضوعاتُ مواقعَها بعضها مع بعض دون أيّ تغييرٍ في الصحّة المنطقية الظاهرية؛ وأنّه في البناء النحوي غير المُغيَّر للفقرة الأولى يمكن أن يُوضَع في كلّ موضعٍ بدلاً من القيمة الاستعمالية العملُ ونواتجُ العمل، وفي بناء الفقرة الثانية بدلاً من العمل في كلّ موضعٍ القيمةُ الاستعمالية!

هكذا هي طبيعة المنطق والمنهجية اللذين يُدخِل بهما Marx جملتَه الأساسية — عن العمل بوصفه الأساس الوحيد للقيمة — في نسقه. وأرى أنّه من المستبعَد تماماً أن يكون هذا الشعوذة الجدلية كان بالنسبة إلى Marx نفسه سبباً ومنبعاً لقناعته. إنّ مفكّراً في مرتبة Marx — وأنا أقدّره بوصفه قوّةً فكرية من الطراز الأوّل — لو كان الأمر يتعلّق بالنسبة إليه بأن يكوّن قناعته الخاصّة أوّلاً وأن يبحث حقاً عن الترابط الفعلي للأمور بنظرةٍ حرّةٍ غير منحازة، لما كان في وسعه البتّةَ أن يبحث منذ البداية في طريقٍ مُعوَجٍّ مخالفٍ للطبيعة إلى هذا الحدّ، ولما كان في وسعه البتّةَ، بمجرّد مصادفةٍ تعِسة، أن يتعثّر تباعاً في كلّ الأخطاء المنطقية والمنهجية الموصوفة، وأن يجلب إلى البيت بوصفها نتيجةً طبيعيةً غير معروفةٍ ولا مُرادةٍ مسبقاً لمثل هذا الطريق البحثي أطروحةَ العمل بوصفه المنبعَ الوحيد للقيمة.

وأعتقد أنّ الواقع الفعلي كان مختلفاً. لا أشكّ البتّةَ في أنّ Marx كان مقتنعاً بأطروحته اقتناعاً حقيقياً صادقاً. لكنّ أسباب قناعته ليست تلك التي كتبها في النسق. لقد كانت على الأرجح انطباعاتٍ أكثر منها أسباباً.

قبل كل شيء انطباعات السلطة المرجعية. فإن Smith وRicardo، السلطتين المرجعيتين الكبيرتين، كانا قد علّما القضية نفسها، أو هكذا كان يُعتقد آنذاك على الأقل. غير أنهما لم يبرهنا عليها أكثر مما فعل Marx، بل اكتفيا بافتراضها انطلاقاً من بعض الانطباعات العامة الغامضة. بل على العكس من ذلك، فحيثما دقّقا النظر، وفي المجالات التي لم يكن من الممكن فيها تجنّب التدقيق، ناقضاها صراحةً. ففي ما يخصّ الاقتصاد الوطني التجريبي المتطوّر، علّم Smith، تماماً كما فعل Marx في مجلّده الثالث، أن القيم والأسعار تنجذب نحو مستوى كلفة لا يشمل العمل وحده بل يتضمّن أيضاً ربحاً رأسمالياً متوسطاً، كما بيّن Ricardo بكل وضوح وصراحة في القسم الرابع الشهير من فصل «On value» أنه إلى جانب العمل المباشر وغير المباشر، فإن حجم الاستثمار الرأسمالي ومدّته يؤثّران أيضاً تأثيراً محدِّداً في قيمة السلع. ولكي يتسنّى لهما التمسّك من غير تناقض ظاهر بالفكرة الفلسفية المحبّبة عن العمل بوصفه المصدر «الحقيقي» للقيمة، كان عليهما أن يفرّا معها إلى بلد الأساطير وزمن الأساطير، حيث لم يكن بعدُ رأسمالي ولا مالك أرض. وهنا أمكن تأكيدها من دون دحض، لأنها لم تكن خاضعةً للمراقبة. لم تراقبها التجربة، إذ لا تجربة في هذا الصدد، ولم يراقبها التحليل العلمي النفساني، لأنهما تفاديا مثل هذا التحليل ـ تماماً كما فعل Marx: فلم يبرهنا، بل افترضا حالةً «طبيعية» قوامها مثال شاعري لقيمة العمل.16

وفي مثل هذه الأمزجة والتصوّرات، التي اكتسبت بفضل سلطة Smith وRicardo حظوةً هائلة، وإن لم تكن من غير منازِع، دخل Marx بوصفه وريثاً. وبصفته اشتراكياً متحمّساً آمن بها عن طيب خاطر. ولا عجب ألّا يتّخذ موقفاً أكثر تشكيكاً، حيال فكرة كانت بالغة الملاءمة لدعم رؤيته الاقتصادية للعالم، مما اتّخذه Ricardo، الذي لا بدّ أنها كانت تخالف هواه مخالفةً شديدة. ولا عجب أيضاً ألّا تدفعه التصريحات المتناقضة لدى الكلاسيكيين إلى شكوك نقدية تجاه قضية قيمة العمل، بل أن يفسّرها فحسب بوصفها محاولاتٍ من الكلاسيكيين للتملّص، بطريق ملتوية، من النتائج المزعجة لحقيقة غير مريحة. وباختصار، لا عجب أن يكون قد آمن، بناءً على المادة نفسها التي أغرت الكلاسيكيين بتصريحاتهم الأحادية الجانب، النصف غامضة، النصف المُناقَضة، وغير المبرهَن عليها بتاتاً، آمن من جهته بالقضايا نفسها، ولكن إيماناً قوياً مطلقاً متّقد القناعة. أما هو فلم يكن بحاجة إلى أسباب أخرى. بل إن نسقه وحده هو الذي احتاج إلى تبرير شكلي.

ومن المفهوم أنه لم يستطع في هذا التبرير أن يتّكئ ببساطة على الكلاسيكيين، إذ إن هؤلاء لم يبرهنوا على شيء. كما نعلم أنه لم يستطع لا أن يستند إلى التجربة ولا أن يحاول تبريراً اقتصادياً نفسانياً، لأن هذين الطريقين كانا سيقودانه بوضوح إلى عكس موضوع برهانه تماماً. ولذلك لجأ إلى التأمّل المنطقي الجدلي الذي يلائم اتجاهه الذهني على أي حال. وهنا كان الشعار: لينجد كلّ ما يستطيع النجدة! فقد كان يعرف ما يريد استخلاصه وما يجب عليه استخلاصه، فأخذ يتكلّف ويلوي المفاهيم والمقدّمات الصبورة بدهاء يثير الإعجاب، حتى خرجت أخيراً النتيجة المعروفة سلفاً في صورة استدلالية محترمة في ظاهرها. ولعلّه كان حينها مبهوراً بقناعاته إلى حدّ أنه لم يدرك أصلاً الفظاعات المنطقية والمنهجية التي لا بدّ أن تكون قد وقعت في غضون ذلك؛ ولعلّه أدركها لكنه برّرها أمام نفسه بوصفها مجرّد مساعدات شكلية، ليُعين حقيقةً مبرهَناً عليها مادياً وفق أعمق قناعاته على بلوغ الكسوة النسقية التي تستحقّها: في هذا لا أستطيع الحكم، وربما لا يستطيع أحد اليوم الحكم بتاتاً. غير أن ما أودّ تأكيده هو أنه ربما لم يحدث قطّ أن قدّم عقلٌ من القوّة الفكرية التي كان عليها Marx منطقاً خاطئاً بهذا القدر من الجسامة، وبهذا التواصل، وبهذا الوضوح الملموس، كما يفعل Marx في التبرير النسقي لقضيته الأساسية.

هذه القضية الخاطئة ينسجها الآن في نسقه. ببراعة تكتيكية تثير الإعجاب، تتجلّى مجدداً ببهاء في خطواته التالية مباشرة. فمع أنه استنبط قضيته «من أعماق الوجدان» فقط، متجنّباً بعنايةٍ البرهانَ التجريبي، فإن الفكرة لا تُنحّى تماماً جانباً في وضع نتيجة هذا التأمّل القَبْلي على محكّ التجربة. ولو لم يفعل Marx ذلك بنفسه، لفعله قرّاؤه على الأرجح بمبادرة منهم. فكيف يتصرّف Marx إذن؟

إنه يقسِّم. ففي نقطةٍ واحدة يكون تنافر قضيته مع التجربة صارخاً. هذه النقطة يتناولها بنفسه، ممسكاً الثور من قرنيه. فقد علّم، تبعاً لمبدئه الأساسي، أن قيمة السلع المختلفة تتناسب مع زمن العمل اللازم لإنتاجها (I. 14). والآن، من البيّن حتى للمراقب العابر أن هذه القضية لا تصمد أمام بعض الوقائع، أي مثلاً أن المنتَج اليومي لنحّات، أو نجّار فني، أو صانع كمنجات، أو صانع آلات وما إلى ذلك، لا تكون قيمته بالتأكيد مساوية، بل أعلى بكثير من المنتَج اليومي لحرفيّ عادي أو عامل مصنع، رغم أن كليهما «يجسّد» القدر نفسه من زمن العمل. والآن يطرح Marx بنفسه هذه الوقائع بلفتة جدلية بارعة. إنه يأخذ علماً بها بنبرةٍ توحي بأنها لا تنطوي على تعارض مع مبدئه الأساسي، بل على مجرّد تنويعٍ طفيف عليه، يظلّ ضمن القاعدة ولا يستلزم سوى قدرٍ من الإيضاح أو التحديد الأدقّ لها. إذ يعلن أنه يقصد بالعمل، بالمعنى الوارد في نظريته، «بذل قوّة عملٍ بسيطة»، «يملكها في المتوسّط كلُّ إنسانٍ عادي، من دون تطوّرٍ خاص، في كيانه العضوي الجسدي»؛ أي بعبارة أخرى، «عمل وسطي بسيط» (I. 19)، كما سبق نحو ذلك (I. 13). ثم يمضي قائلاً: «العمل الأكثر تعقيداً لا يُعدّ سوى عملٍ بسيط مرفوعٍ إلى قوّة، أو بالأحرى مضاعف، بحيث يكون قدرٌ أصغر من العمل المعقّد مساوياً لقدرٍ أكبر من العمل البسيط. وأن هذا الإرجاع يجري على الدوام تبيّنه التجربة. قد تكون سلعةٌ ما نتاج أعقد عمل، إلا أن قيمتها تجعلها مساويةً لنتاج العمل البسيط، فهي بذلك لا تمثّل في ذاتها سوى قدرٍ معيّن من العمل البسيط. والنِّسب المختلفة التي تُرجَع بها أنواع العمل المختلفة إلى العمل البسيط بوصفه وحدة قياسها، تتحدّد عبر عمليةٍ اجتماعية تجري من وراء ظهر المنتِجين، فتبدو لهم لذلك وكأنها معطاةٌ بحكم العُرف».

قد يبدو هذا التفسير، لقارئٍ مستعجلٍ ماضٍ في قراءته، معقولاً تماماً بالفعل. غير أنه إذا أمعن المرء النظر بشيءٍ من الهدوء والرصانة، انقلب الانطباع إلى نقيضه.

الواقعة التي نتعامل معها هي أن نتاج يومٍ أو ساعةٍ من العمل المؤهَّل تكون قيمته أكبر من نتاج يومٍ أو ساعةٍ من العمل البسيط، أي مثلاً أن المنتَج اليومي لنحّاتٍ يساوي في القيمة خمسة منتَجاتٍ يومية لكاسِر حجارة. والآن، علّم Marx أن الأشياء التي يُسوّى بينها في التبادل لا بدّ أن تتضمّن «مشترَكاً من المقدار نفسه»، وأن هذا المشترَك إنما هو عملٌ وزمن عمل. عمل بإطلاق؟ هذا ما توحي به مباحث Marx الأولى العامة حتى الصفحة 13، لكنه لا ينطبق على نحو بيّن: فخمسة أيام عمل ليست بالتأكيد «المقدار نفسه» كيومِ عملٍ واحد. ولهذا لم يعد Marx يقول الآن العمل بإطلاق، بل «العمل البسيط»: فالمشترَك إذن يُفترَض أن يكون مضمون قدرٍ متساوٍ من العملِ من نوعٍ معيّن، أي العمل البسيط.

غير أن هذا، إذا نُظر إليه بدمٍ بارد، أقلّ انطباقاً بعد، إذ إن نتاج النحّات لا يجسّد البتّة أيّ «عملٍ بسيط»، فضلاً عن أن يجسّد عملاً بسيطاً بكميةٍ مساوية لما في خمسة منتَجاتٍ يومية لكاسر حجارة. والحقيقة الرصينة هي أن المنتَجين يجسّدان نوعين مختلفين من العمل بكميتين مختلفتين، وهذا ـ كما سيُقرّ به كلُّ منصِف ـ هو النقيض الصريح للحالة التي يطلبها Marx ولا بدّ له من تأكيدها: وهي أنهما يجسّدان عملاً من النوع نفسه بكميةٍ متساوية!

صحيحٌ أن Marx يقول: إن العمل المعقّد «يُعدّ» عملاً بسيطاً مضاعَفاً، لكن «أن يُعدّ» ليس «أن يكون»، والنظرية تتناول جوهر الأشياء. فبالطبع يمكن للناس، من بعض الوجوه، أن يساووا بين يومٍ من عمل النحّات وخمسة أيام من عمل كاسر الحجارة، كما يمكنهم مثلاً أن يساووا بين ظبيٍ وخمسة أرانب. ولكن مثلما لا تخوّل مثلُ هذه المساواة الإحصائيَّ أن يؤكّد بجديةٍ علمية، عن محميةٍ تضمّ 100 ظبيٍ و500 أرنب، أن فيها 1000 أرنب، فكذلك لا يُخوَّل إحصائيُّ الأسعار أو منظِّر القيمة أن يؤكّد بجدية أن المنتَج اليومي للنحّات يجسّد خمسة أيام من العمل البسيط، وأن هذا هو السبب الواقعي لتسويته في التبادل بخمسة منتَجاتٍ يومية لكاسر الحجارة. وما عساه يمكن البرهنة عليه كلّه، إذا سمح المرء لنفسه، حيث يخذله «الكينونة»، أن يستعين بـ«العَدّ» و«جعل الشيء يُعدّ»، سأحاول بعد لحظةٍ أن أوضّحه بمثالٍ مكيَّفٍ مباشرةً على مشكلة القيمة. لكن قبل ذلك عليّ أن أُدرج اعتباراً آخر.

ذلك أن Marx يقوم في الموضع المقتبَس بمحاولةٍ لتبرير مناورته بـ«إرجاع» العمل المعقّد إلى العمل البسيط، وذلك عن طريق التجربة. «وأن هذا الإرجاع يجري على الدوام تبيّنه التجربة. قد تكون سلعةٌ ما نتاج أعقد عمل، إلا أن قيمتها تجعلها مساويةً لنتاج العمل البسيط، فهي بذلك لا تمثّل في ذاتها سوى قدرٍ معيّن من العمل البسيط».

حسناً. لنسلّم بهذا في الوقت الحاضر، ولنتأمّل فحسب بشيءٍ من الدقّة الكيفيةَ والعوامل التي يُفترَض أن يتحدّد بها معيارُ الإرجاع لهذا الإرجاع التجريبي الذي يستند إليه Marx. هنا نصطدم بملاحظةٍ بالغة الطبيعية، لكنها بالغة الإحراج للنظرية الماركسية، وهي أن معيار الإرجاع لا يتحدّد بشيءٍ آخر سوى نسب التبادل الفعلية نفسها. فليس محدَّداً ولا قابلاً للتحديد قَبْلياً، انطلاقاً من أي خاصيةٍ كامنة في الأعمال المؤهَّلة، النسبةُ التي يُفترَض أن تُحوَّل بها إلى عملٍ بسيط عند تكوين قيمة منتَجاتها، بل لا يحسم الأمرَ شيءٌ سوى النتيجة الفعلية، نسب التبادل الفعلية. ويقول Marx ذلك بنفسه: «قيمتها تجعلها مساويةً لنتاج العمل البسيط»، ويُحيل إلى «عمليةٍ اجتماعية» تُحدَّد بها «من وراء ظهر المنتِجين النِّسبُ المختلفة التي تُرجَع بها أنواع العمل المختلفة إلى العمل البسيط بوصفه وحدة قياسها»، وأن هذه النِّسب «تبدو لذلك معطاةً بحكم العُرف».

ماذا يعني، في ظل هذه الظروف، الاحتكام إلى "القيمة" وإلى "العملية الاجتماعية" بوصفهما عاملين محدِّدين لمقياس الرَّدّ؟ إنه يعني، بصرف النظر عن كل شيء آخر، الدور المنطقي العاري الصِّرف في التفسير. فموضوع التفسير إنما هو نسب التبادل بين السلع، ومن ذلك مثلاً: لماذا يُبادَل تمثالٌ صغير كلّف يوماً واحداً من عمل النحّات بِحِملٍ من الحجارة الرُّكامية كلّف خمسة أيام من عمل كسّار الحجارة، ولا يُبادَل ربما بكمية أكبر أو أصغر من الحجارة الرُّكامية تكلّف عشرة أيام أو ثلاثة أيام فقط من العمل. فماذا يقول لنا Marx على سبيل التفسير؟ إن نسبة التبادل هي هذه وليست غيرها، لأن يوم عمل النحّات يُرَدُّ بالضبط إلى خمسة أيام من العمل البسيط. ولماذا يُرَدّ بالضبط إلى خمسة أيام؟ لأن التجربة تُظهر أنه يُرَدّ كذلك من خلال عملية اجتماعية. وما هي هذه العملية الاجتماعية؟ إنها العملية نفسها التي ينبغي تفسيرها: العملية نفسها التي بها يُسَاوى، من حيث القيمة، ناتجُ يومٍ واحد من عمل النحّات بناتجِ خمسة أيام من العمل العادي. ولو أنه كان يُبادَل فعلياً وبانتظام بناتج ثلاثة أيام فقط من العمل البسيط، لكان Marx قد أرشدنا بالقدر نفسه إلى الاعتراف بمقياس الرَّدّ 1 : 3 بوصفه المقياس التجريبي، ولأسند إليه التفسير القائل إن التمثال الصغير يجب أن يُبادَل بالضبط بناتج ثلاثة أيام من عمل كسّار الحجارة، لا أكثر ولا أقل! وباختصار، من الواضح أننا لا نعرف بهذه الطريقة شيئاً عن السبب الحقيقي الذي يجعل نواتجَ أنواعٍ مختلفة من العمل تُبادَل بعضُها ببعض بهذه النسبة أو تلك؛ إنها تُبادَل هكذا، كما يقول لنا Marx ولو بكلمات مختلفة قليلاً، لأنها تُبادَل هكذا بحسب التجربة!

وأُلاحظ بعدُ، في معرض المرور، أن أتباع Marx، ربما إدراكاً منهم للدور المنطقي الذي وصفناه آنفاً، قد حاولوا أن يقيموا رَدَّ العمل المركّب إلى العمل البسيط على أساسٍ آخر واقعي. يقول Grabski²⁸: "ليس خيالاً، بل حقيقة، أن ساعة من العمل المركّب تتضمّن عدة ساعات من العمل البسيط". إذ ينبغي للمرء، "كي يبقى متّسقاً، أن يأخذ في الحسبان أيضاً ذلك العمل الذي أُنفق على اكتساب المهارة الفنية". وأعتقد أنه لا حاجة إلى كثير من الكلام لإظهار القصور التام لهذا الجواب أيضاً بوضوح. ولا أريد أن أعترض البتة على أن يُضاف إلى عمل الممارسة الحصةُ المقابلة نسبياً من عمل التعلّم. لكن من البيّن أنه لا يمكن تفسير الاختلافات في قيمة العمل المركّب مقابل العمل البسيط استناداً إلى هذه الإضافة إلا إذا كان مقدارُها مطابقاً لمقدار ذلك الاختلاف. فلن يكون مثلاً، في حالتنا المفترضة، في ساعة واحدة من عمل النحت الممارَس خمسُ ساعات من العمل البسيط فعلاً إلا إذا قابلَ كلَّ ساعةٍ من الممارسة أربعُ ساعات من التعلّم، أو، إذا ما حُسب الأمر بوحدات أكبر، إذا كان على النحّات، من بين خمسين عاماً من حياته يكرّسها لمهنته متعلّماً وممارِساً، أن يتعلّم أربعين عاماً كي يتمكّن من الممارسة عشرة أعوام. لكن لن يُقدِم أحدٌ على الادّعاء بأن نسبة كهذه، أو حتى نسبة مقاربة لها، تقع في الواقع. لذلك أعود من فرضية المخرَج المتعثّرة الواضحة القصور لدى التابع إلى تعليم المعلّم نفسه، كي أُبيّن طبيعة أخطائه ومداها بمثالٍ آخر تتجلّى فيه طريقة Marx الخاطئة في الاستدلال، كما أعتقد، أوضحَ ما يكون.

فبالنوع نفسه تماماً من الاستدلال يمكن أيضاً أن يُدَّعى ويُدافَع عن القول بأن مبدأ القيمة التبادلية ومقياسها يكمنان في المحتوى المادّي للسلع، وأن السلع تُبادَل بنسبة كمية المادّة المتجسّدة فيها. فعشرة كيلوغرامات من المادّة في شكلٍ سلعيٍّ ما تُبادَل في كل حين بعشرة كيلوغرامات من المادّة في شكلٍ سلعيٍّ آخر. وإذا اعترض المرء بطبيعة الحال على هذا الادّعاء بأنه خاطئ بيّناً، إذ إن عشرة كيلوغرامات من الذهب مثلاً لا تُبادَل بعشرة، بل بأربعين ألف كيلوغرام من الحديد أو بعدد أكبر من كيلوغرامات الفحم، فإننا نردّ على غرار Marx: إن المهمّ بالنسبة إلى تكوّن القيمة هو المحتوى من المادّة المتوسّطة العادية. فهي التي تؤدّي دور وحدة القياس. أما المواد المؤهَّلة الدقيقة الثمينة "فلا تساوي إلا مادّةً بسيطةً مُقوّاةً، أو بالأحرى مضاعَفة، بحيث تكون كميةٌ أصغر من المادّة المؤهَّلة مساويةً لكميةٍ أكبر من المادّة البسيطة. وأن هذا الرَّدّ يجري على الدوام تُظهره التجربة. قد تتكوّن سلعةٌ من أرفع المواد، فقيمتُها تجعلها مساويةً للسلع المتكوّنة من المادّة العادية، وهي بذلك لا تمثّل إلا كميةً معيّنة من المادّة العادية". فثمّة "عملية اجتماعية"، لا يمكن البتة الارتياب في وجودها الفعلي، تردّ على الدوام مثلاً رطلَ الذهب الخام إلى 40.000 ورطلَ الفضة الخام إلى 1.500 رطل من الحديد الخام. ومعالجة الذهب، سواء على يد صائغ عادي أو على يد فنانٍ عظيم، تُنتج تدرّجاتٍ إضافية في تأهيل المادّة، يقابلها العمل في الواقع، بحسب التجربة، بمقاييس رَدٍّ خاصة. فإذا بُودِل رطلٌ من سبائك الذهب بسبائك حديد وزنُها 40.000 رطل، أو بُودِلَت كأسٌ ذهبية صاغها Benvenuto Cellini بالوزن نفسه بأربعة ملايين رطل من الحديد، فليس ذلك انتهاكاً، بل تأكيداً للقول بأن السلع تُبادَل بنسبة "المادّة المتوسّطة" التي تمثّلها!

أعتقد أن القارئ غير المتحيّز سيتعرّف بلا عناء في هذه الاستدلالات على المكوّنين الاثنين لوصفة Marx: استبدال "السريان/القيمة المعطاة" بـ"الكينونة"، والدور المنطقي في التفسير الكامن في استمداد مقياس الرَّدّ من نسب التبادل الفعلية في المجتمع، وهي ذاتها التي تحتاج إلى التفسير!

هكذا تدبّر Marx أمر التناقض الصارخ بين الوقائع ونظريته، ببراعة كبيرة لا نزاع فيها من الناحية الجدلية، وعلى نحوٍ قاصرٍ تماماً في صلب المسألة بطبيعة الحال، كما لم يكن بوسعه أن يكون غير ذلك.

لكن إلى جانب ذلك توجد عدمُ اتساقاتٍ أخرى مع التجربة الفعلية، أقلَّ لفتاً للانتباه من حيث الدرجة، وهي تلك التي تنشأ عن نصيب استثمار رأس المال في تحديد أسعار السلع الفعلية، وهي نفسها التي ناقشها Ricardo، كما أُشير أعلاه، في القسم الرابع من فصل "On value". وإزاء عدم الاتساقات هذه يسلك Marx اتجاهاً آخر. فهو يغمض عينيه عنها كلّياً في الوقت الراهن. ويتجاهلها على امتداد مجلّدين. ويتصرّف كأنها غير موجودة، إذ يُجرّدها بعيداً على سبيل الافتراض طوال المجلّد الأول والثاني بأكملهما. فهو ينطلق، طوال العرض اللاحق كله لنظريته في القيمة، وكذلك عند تطوير نظريته في فائض القيمة، دائماً من "الافتراض"، المُحتفَظ به ضمنياً تارة والمُصرَّح به تارة أخرى، القائل بأن السلع تُبادَل فعلاً بقيمها، أي بالضبط بنسبة العمل المتجسّد فيها.17

وهو يربط هذا التجريد الافتراضي أيضاً بحركةٍ جدلية بالغة البراعة. فثمّة انحرافاتٌ فعلية معيّنة عن القاعدة النظرية يجوز للمُنظِّر حقاً أن يُجرّدها بعيداً: وهي التقلّبات العَرَضية والعابرة لأسعار السوق حول مستواها المنتظم الدائم. ولا يفوّت Marx عند هذه المناسبات، التي يُعلن فيها أنه يريد التجريد بعيداً عن انحرافات الأسعار عن القيم، أن يوجّه انتباه القرّاء إلى مثل تلك "الظروف العَرَضية" التي ينبغي "صرف النظر" عنها، كـ"التذبذبات الدائمة لأسعار السوق" التي "يعوّض صعودُها هبوطَها"، والتي "تردّ نفسها إلى السعر المتوسط بوصفه قاعدتها الباطنية".18 وهو يكسب بإشارةٍ كهذه استحسانَ القرّاء لتجريده، أما أنه لا يُجرّد عند ذلك فحسب الانحرافات العَرَضية، بل أيضاً انحرافاتٍ ثابتة تماماً، دائمة، نمطية، يشكّل وجودُها بعينه جزءاً لا يتجزّأ من القاعدة ذاتها التي يجب تفسيرها، فهذا يبقى خافياً عن القارئ الذي لا يدقّق النظر تماماً، وهو ينزلق دون أن يدري فوق الخطيئة المنهجية المميتة التي ارتكبها المؤلف.

فإنها لخطيئة منهجية مميتة أن يتجاهل المرء، في بحثٍ علمي، ذلك الذي ينبغي عليه تفسيره. والحال أن نظرية Marx في فائض القيمة لا ترمي إلى شيء سوى تقديم تفسيرٍ لربح رأس المال على نحوٍ يوافق مذهبه. لكن ربح رأس المال يكمن بالضبط في تلك الانحرافات الدائمة لأسعار السلع عن مقدار مجرّد كُلَف عملها. فإذا تجاهل المرء بالتالي هذه "الانحرافات"، فإنه يتجاهل تحديداً الجزء الرئيسي مما ينبغي تفسيره. وقد عِبتُ قبل اثنتي عشرة سنة الزلّةَ المنهجية نفسها على Rodbertus، الذي كان قد أوقع نفسه فيها على النحو ذاته، وعلى Marx نفسه كذلك.³¹ وليُسمَح لي بأن أُكرّر الكلمات الختامية لنقدي آنذاك:

"إنهم (أنصار نظرية الاستغلال) يؤكّدون القانون القائل بأن قيمة كل السلع تقوم على وقت العمل المتجسّد فيها، كي يهاجموا في اللحظة التالية كلَّ تكوّناتِ القيمة التي لا تنسجم مع هذا "القانون"، كفروق القيمة التي تؤول إلى الرأسمالي بوصفها فائض قيمة، بوصفها "مخالفةً للقانون" و"غير طبيعية" و"غير عادلة"، ويوصون باجتثاثها. فهم أولاً يتجاهلون الاستثناء كي يتمكّنوا من إعلان قانونهم في القيمة قانوناً عاماً. وبعد أن يكونوا قد انتزعوا بهذه الحيلة صفة العمومية له، يعودون فينتبهون إلى الاستثناءات كي يصِموها بكونها مخالفاتٍ للقانون. وهذا النوع من الاستدلال ليس في الحقيقة أفضل من أن يلاحظ المرء وجود كثيرٍ من الناس الحمقى، فيتجاهل وجود الناس الحكماء أيضاً، فيصل بذلك إلى "القانون العام" القائل بأن "كل الناس حمقى"، ثم يطالب باجتثاث الحكماء الموجودين "خلافاً للقانون"!" (Böhm-Bawerk)³²

لقد كسب Marx بطبيعة الحال لعرضه، من خلال مناورته التجريدية، ميزةً تكتيكية كبيرة. فقد استبعد الواقعَ المزعِج "على سبيل الافتراض" من نظامه، ومن ثمّ فإنه لا يقع، ما دام قادراً على إبقاء هذا الاستبعاد، في أي تعارضٍ معه. ويصدُق هذا على الجزء المتبقّي، وهو الأكبر بكثير، من المجلّد الأول، وعلى المجلّد الثاني كله، وكذلك على الرُّبع الأول من المجلّد الثالث. ففي هذا المجرى الأوسط من نظام Marx يتدفّق تيّار تطوّراته وترابطاته المنطقية بتماسكٍ مُهيب حقاً واتّساقٍ داخلي. ويسعُ Marx هنا أن يُجيد المنطق، لأنه قد وفّق سلفاً، عن طريق "الافتراض"، بين الوقائع وأفكاره، ومن ثمّ يستطيع أن يبقى وفيّاً لهذه دون أن يصطدم بتلك؛ وحيث يجوز لـMarx أن يُجيد المنطق فإنه قادر عليه أيضاً، وعلى نحوٍ بارع. وهذه الأجزاء الوسطى من النظام، مهما يكن منطلقُه خاطئاً، ستُرسّخ إلى الأبد، بفضل اتّساقها الداخلي الفائق، شُهرةَ مؤلِّفها بوصفه قوّةً تفكيريةً من الطراز الأول. ومما لا شك أنه أفاد كثيراً، كأثرٍ جانبي، التأثيرَ العملي لنظام Marx: أن القرّاء الذين تجاوزوا بسلامٍ البدايةَ المضطربة يجدون، خلال هذا المجرى الأوسط الطويل الذي لا تشوبه شائبةٌ تذكر في اتّساقه الداخلي في جوهره، وقتاً ليألفوا عالم Marx الفكري وليكتسبوا الثقة بمسارات الأفكار التي تتدفّق الآن حقاً كلٌّ منها من الآخر على نحوٍ جميل وتنتظم في كلٍّ واحد. وهكذا فإن القرّاء، وقد توطّدت ثقتهم، هم الذين يخاطبهم Marx بتلك المطالب القاسية التي يُضطرّ في النهاية إلى طرحها في المجلّد الثالث.

فمهما أرجأ Marx الأمر، لا بدّ له ذات مرّة أن يفتح عينيه على وقائع الحياة الفعلية. لا بدّ له أخيراً أن يعترف أمام قرّائه بأن السلع تُبادَل في الحياة الفعلية، وذلك بانتظامٍ وبالضرورة، لا بنسبة وقت العمل المتجسّد فيها، بل تارةً دون هذه النسبة وتارةً فوقها، تبعاً لكون رأس المال المستثمَر يقتضي مقداراً أصغر أو أكبر من الربح المتوسط، وباختصار: بأن استثمار رأس المال يشكّل، إلى جانب وقت العمل، عاملاً محدِّداً منسَّقاً لنسبة التبادل بين السلع. ومن ذلك تنشأ لـMarx مهمّتان قاسيتان. فعليه أولاً أن يحاول أن يُبرّر أمام قرّائه أنه كان قد علّم في البداية، وطوال هذه المدة، أن العمل يشكّل العامل الوحيد المحدِّد لنسب التبادل؛ وعليه ثانياً، وهي ربما المهمّة الأقسى بعد، أن يُقدّم لقرّائه أيضاً تفسيراً نظرياً للوقائع المعادية لنظريته، تفسيراً من البيّن أنه لم يكن بإمكانه أن ينحلّ في نظريته في قيمة العمل دون بقيّة، ولكن ينبغي مع ذلك ألا يتعارض معها أيضاً.

من المفهوم أنّ هذه البراهين لم يعد بالإمكان إنجازها بمنطق سليم ومستقيم. إننا نشهد الآن النظير المقابل للبداية المشوشة للنسق. فهناك، اضطر Marx، كي يستنبط نظريةً لم يكن من الممكن استنباطها على نحوٍ مستقيم من الوقائع، إلى الافتئات جزئياً على هذه الوقائع، وجزئياً وبالأساس على المنطق، وإلى أن يتقبّل بعضاً من أكثر الأخطاء الفكرية التي لا تُصدَّق. والآن يتكرر الموقف. فالآن تلتقي مرة أخرى مع النظريات، التي ظلت طوال مجلدين كاملين تنفرد بالميدان ومن ثَمّ تسيطر عليه دون عائق، تلك الوقائع التي لا تتفق معها بطبيعة الحال أكثر مما كانت تتفق في البداية. ومع ذلك يُراد الإبقاء على انسجام النسق. ولا يمكن أن يحدث هذا إلا، مرة أخرى، على حساب المنطق. ولذلك نشهد في النسق الماركسي المشهد الذي يبدو للوهلة الأولى غريباً، لكنه في ظل الظروف الموصوفة طبيعيٌّ تماماً في الواقع، وهو أن الجزء الراجح إلى حدٍّ بعيد من حيث الحجم في النسق يمثل تحفةً جديرةً بالقوة الفكرية لمؤلفه من منطقٍ صارمٍ ومُحكَم، لكن قد دُسّت فيه في موضعين، هما للأسف الموضعان الحاسمان بالذات، أجزاءٌ من سياقٍ فكريٍّ ضعيفٍ ومهملٍ بصورة لا تُصدَّق: المرة الأولى في البداية تماماً، حيث انفصلت النظرية أولاً عن الوقائع، والمرة الثانية بعد الربع الأول من المجلد الثالث، حيث تعود الوقائع إلى دائرة نظر القراء؛ والذي يأتي هنا في الاعتبار هو بالأساس الفصل العاشر من الكتاب الثالث (ص. 151 - 179).

لقد سبق لنا أن تعرّفنا على جزءٍ من ذلك المحتوى وأن نحكم عليه؛ وهو دفاع Marx عن نفسه ضد تهمة التناقض بين قانون أسعار الإنتاج و«قانون القيمة».19 ويبقى الآن أن نلقي نظرة على المهمة الثانية للفصل المشار إليه، أي على التفسير النظري الذي يُدخل به Marx في نسقه نظرية أسعار الإنتاج المراعية20 للأوضاع الواقعية. وهذا النظر يقودنا أيضاً إلى واحدةٍ من أكثر النقاط إفادةً وأكثرها تمييزاً للنسق الماركسي: إلى موقع «المنافسة» في نسقه.

«المنافسة»، كما سبق أن ألمحتُ مرة أعلاه، هي نوعٌ من اسمٍ جامعٍ لكل تلك الدوافع والبواعث النفسية التي يدع أطرافُ السوق أنفسَهم يقتادون بها في سلوكهم، والتي تكتسب بهذه الطريقة تأثيراً على تكوين الأسعار. فلدى الراغب في الشراء بواعثُه التي يتوخاها عند الشراء، والتي ينبثق له منها معيارٌ ما لمقدار السعر الذي يكون مستعداً لبذله في البداية أو في أقصى الأحوال. وكذلك لدى البائع والمنتِج بواعثُ معينة تحمله على التخلص من سلعته بأسعار معينة دون أخرى، وعلى مواصلة إنتاجه عند مستوى سعريّ محدد أو حتى توسيعه، وإيقافه عند مستوى آخر. وفي تنافس المشترين والبائعين تلتقي الآن كل هذه الدوافع والمحدِّدات بعضها ببعض، ومن يستند في تفسير تكوُّن سعرٍ ما إلى المنافسة، فإنه يستند في الجوهر، تحت اسمٍ جامع، إلى لعبة وتأثير كل تلك البواعث والدوافع النفسية التي كانت موجِّهة لدى كلا طرفَي السوق.

أما Marx فهو يجتهد بوجه عام في أن يخصّ المنافسة والقوى الفاعلة فيها بأدنى موقع ممكن في نسقه. فهو يتجاوزها بنظره، أو على الأقل يسعى إلى الحطّ من نوع تأثيرها ومقداره أينما وكيفما استطاع. ويظهر ذلك في مناسبات مختلفة على نحوٍ صارخ.

أولاً، حتى عند استنباطه لقانونه في قيمة العمل. فكل غير متحيّزٍ يعلم ويرى أن ذلك التأثير الذي تمارسه كميةُ العمل المبذولة عموماً على الشكل الدائم لأسعار السلع — هذا التأثير ليس بطبيعة الحال ذا طبيعةٍ إقصائيةٍ كما يقرّر قانون القيمة الماركسي — لا يتوسطه إلا لعبة العرض والطلب، أو المنافسة على التوالي. ففي مبادلاتٍ متفرّقة أو في حالة احتكار، قد تظهر أسعارٌ لا تقوم (حتى بصرف النظر عن مطالب رأس المال المستثمَر) على أي نسبةٍ مع وقت العمل المتجسّد. وMarx يعلم ذلك بطبيعة الحال أيضاً. لكنه لا يأتي على ذكره في البداية، عند استنباط قانونه في القيمة. ولو فعل ذلك، لما أمكن دفعُ السؤال والبحث الإضافيين القائلين: بأي طريقةٍ وعبر أي حلقاتٍ وسيطة، من بين كل البواعث والعوامل التي تغدو فاعلةً تحت راية المنافسة، ينبغي أن يكون لوقت العمل بالذات التأثيرُ الحاسم الوحيد على مقدار السعر. والتحليل الكامل لتلك البواعث، الذي لا مفر منه هنا، كان سيضع لا محالة قيمة الاستعمال للسلع في الواجهة بقوةٍ أكبر مما كان يلائم Marx، وكان سيُظهر بعض الأمور في إضاءةٍ مختلفة، وبعضها أخيراً من الأصل، مما لم يكن Marx يريد أن يقرّ له بأي اعتبارٍ في نسقه.

لذلك فإنه، في المناسبة التي كان فيها تأسيسٌ منهجيٌّ كاملٌ لقانونه في القيمة يفرض عليه واجبَ عرض الدور الوسيط للمنافسة، يتسلل أولاً تجاوزاً لهذه النقطة في صمتٍ تام. ولاحقاً يذكرها بالفعل، لكنه من حيث موضع الذكر ونوعه لا يذكرها بوصفها حلقة مهمة في النسق النظري، بل في ملاحظاتٍ عابرةٍ ومناسِبة، تورد الواقعة في بضع كلمات، كشيءٍ يُفهَم من تلقاء نفسه إلى حدٍّ ما، ودون أن يُكلّف نفسه عناء تأسيسٍ أعمق.

  • أن مبادلة السلع ليست مجرد مبادلةٍ «عرَضيةٍ أو مناسِبة»؛
  • أن السلع «تُنتَج من الجانبين بكمياتٍ متناسبة تقريباً مع الحاجة المتبادلة، وهو ما تأتي به خبرة التصريف المتبادلة، وما ينمو هكذا كنتيجةٍ من المبادلة المتواصلة نفسها»، وأن «لا احتكار طبيعياً أو مصطنعاً يُمكّن أحد الطرفين المتعاقدين من البيع فوق القيمة، أو يُكرهه على التخلص من سلعته دونها».

إذن فإن منافسةً متبادلةً نشطة، دامت أيضاً من الطول ما يكفي لمواءمة الإنتاج بحسب التصريف المعتمد على الخبرة، أو حاجة المشترين على التوالي، هي ما يشترطه Marx هنا شرطاً لكي يتمكن قانونه في القيمة أصلاً من الدخول حيز الفاعلية. ويجب علينا أن نحفظ هذا الموضع جيداً في الذاكرة.

ولا يُلحَق به تأسيسٌ أدق. بل على العكس، بُعَيد ذلك بقليل، وتحديداً في عمق تلك الفقرات التي يتحدث فيها Marx بعدُ بأكثر إسهابٍ نسبياً عن المنافسة و«جانبيها» — الطلب والعرض — وعلاقتهما بتكوين السعر، يرفض صراحةً «تحليلاً أعمق لهاتين القوتين المحركتين الاجتماعيتين» باعتباره «غيرَ ملائمٍ هنا»!21

بل وأكثر من ذلك! فمن أجل أن يحطّ كذلك من دلالة العرض والطلب بالنسبة للنسق النظري، وكذلك على الأرجح من أجل أن يبرّر إهمالَه النظري لهذين العاملين، ابتدع Marx نظريةً خاصةً به غريبة، طوّرها في ص. 169 و170 من المجلد الثالث، بعد أن كان قد لامسها في إيماءاتٍ عابرةٍ من قبل. وينطلق من أنه إذا رجح أحد العاملين على الآخر، مثلاً الطلب على العرض، أو العكس، تتكوّن أسعارٌ سوقيةٌ غير منتظمة، تنحرف عن «القيمة السوقية» التي تشكّل «مركز التذبذب» لهذه الأسعار السوقية؛ وأنه بالمقابل، إذا أُريد أن تُباع السلع بقيمتها السوقية الطبيعية هذه، فلا بد أن يتطابق الطلب والعرض تماماً. ويربط بذلك الحجاج الغريب الآتي: «إذا تطابق الطلب والعرض، توقّفا عن الفعل. فإذا فعلت قوتان في اتجاهين متعاكسين فعلاً متساوياً، ألغت إحداهما الأخرى، ولم تفعلا شيئاً البتة نحو الخارج، والظواهر التي تحدث في ظل هذا الشرط يجب أن تُفسَّر بغير تدخّل هاتين القوتين. وإذا ألغى الطلب والعرض أحدهما الآخر، توقّفا عن أن يفسّرا أي شيء، ولم يفعلا في القيمة السوقية، وتركانا في الظلام تماماً حول لِمَ تعبّر القيمة السوقية عن نفسها في هذا المبلغ من المال بالذات وليس في أيّ مبلغٍ آخر». ومن ثَمّ فإن العلاقة بين الطلب والعرض يمكن أن تفسّر «الانحرافات عن القيمة السوقية» التي تنجم عن رجحان قوةٍ على الأخرى، أما مقدار القيمة السوقية نفسها فلا.

أن هذه النظرية الغريبة تنطبق على نسق Marx انطباقاً جيداً أمرٌ بيّن. فإذا كان لا يمكن إطلاقاً تفسير شيءٍ يخص مقدار الأسعار الدائمة من العلاقة بين العرض والطلب، فقد كان إذن من النظام تماماً أن لا يأبه Marx في تأسيسه بهذين العاملين عديمي الأهمية أكثر من ذلك، وأن يُدخل في النسق دون لفٍّ ودوران ذلك العامل الذي يمارس وحده في رأيه تأثيراً حقيقياً على مقدار القيمة، أي العمل.

لكن لا يقلّ، فيما أعتقد، عن ذلك بياناً أن تلك النظرية الغريبة خاطئةٌ خطأً تاماً. فحجاجها يقوم، كما هي الحال كثيراً عند Marx، على لعبٍ بالألفاظ.

صحيحٌ تماماً أنه عند بيع سلعةٍ بقيمتها السوقية الطبيعية لا بد بمعنىً ما أن يتطابق العرض والطلب: أي أنه عند هذا السعر يُطلَب طلباً فاعلاً من السلعة بقدر ما يُعرَض منها. لكن هذا لا يسري عند البيع بالقيمة السوقية الطبيعية فحسب، بل عند كل سعرٍ سوقي، حتى المنحرف وغير المنتظم منه. ثم إن من المعلوم لكل أحد، ولMarx معرفةً جيدة أيضاً، أن العرض والطلب مقداران مرنان. فإلى جانب الطلب والعرض اللذين يبلغان فعلاً حدّ المبادلة، يوجد دائماً أيضاً طلبٌ وعرضٌ «مستبعَدان»؛ جمهرةٌ من الناس يرغبون بدورهم في السلعة لحاجتهم، لكنهم لا يريدون أو لا يستطيعون بذل السعر الذي يبذله منافسوهم الأقوى، وجمهرةٌ من الناس كانوا بدورهم على استعدادٍ لتوريد السلعة المطلوبة، لكن بأسعار أعلى من تلك التي تأتي في الاعتبار في السوق الراهنة. أما القول إن العرض والطلب «يتطابقان» فلا يسري البتة على الطلب والعرض بكليّتهما، بل فقط على الجزء الناجح منهما. وأخيراً فإنه أمرٌ معروفٌ أيضاً أن ميكانيكا السوق تجد مهمتها بالذات في اصطفاء الجزء الناجح من مجمل الطلب ومجمل العرض، وأن أهم وسائل هذا الاصطفاء هو تكوّن السعر. فلا يمكن أن تُشترى سلعٌ أكثر مما يُباع. ومن ثَمّ لا يمكن أن يبلغ مَبلغَ النجاح من الجانبين إلا عددٌ متساوٍ من الراغبين (أو الراغبين في قدرٍ متساوٍ من السلع على التوالي). ويتم اصطفاء هذا العدد المتساوي الآن بأن يُرفَع السعر تلقائياً إلى مقدارٍ تُستبعَد به الفوائض على الجانبين، بحيث يكون السعر في آنٍ معاً مرتفعاً أكثر من اللازم للراغبين الفائضين في الشراء، ومنخفضاً أكثر من اللازم للراغبين الفائضين في البيع. وفي تحديد هذا المقدار السعري يكون للراغبين الذين يبلغون مَبلغَ النجاح، وكذلك لأوضاع المتنافسين المستبعَدين، نصيب،22 ولهذا السبب وحده يكون من الخطأ أن يُستنتج من تساوي الجزء البالغِ مَبلغَ النجاح من العرض والطلب إلغاءٌ تامٌّ للتأثير الصادر عن العرض والطلب عموماً.

لكن هذا خاطئٌ أيضاً لسببٍ آخر. ولنفترض حتى أن تكوّن السعر لا شأن له إلا بالجزء الناجح المتوازن كمياً من العرض والطلب، فإنه افتراضٌ خاطئٌ تماماً وغير علمي أن قوتين تحفظان التوازن بالضبط «تتوقفان» لذلك «عن الفعل». بل على العكس، إن فعلهما هو بالذات حالةُ التوازن المُحقَّقة، وإذا تعلّق الأمر بتفسير حالة التوازن هذه بكل خصائصها، التي ينتمي إليها على نحوٍ بارز مقدار المستوى الذي وُجد فيه التوازن، فلا يمكن أن يحدث ذلك، كما يرى Marx، «بغير تدخّل القوتين» فحسب، بل على العكس لا يمكن أن يحدث إلا بتدخّل القوتين اللتين تحفظان التوازن. وعلى أي حال، يمكن جعل مثل هذه القضايا المجردة بيّنةً على أنجع وجهٍ بمثالٍ عملي.

لنُطلِق منطادًا في الهواء. الجميع يعلم أن المنطاد يرتفع حينئذٍ، ولهذا السبب، عندما وبسبب أنه مملوء بغاز أخفّ من الهواء الجوي. لكنه لا يرتفع إلى ما لا نهاية، بل فقط حتى ارتفاع معيّن، يظلّ عنده عندئذٍ معلّقًا ثابتًا، طالما لم تُغيّر مؤثرات أخرى، مثل تسرّب الغاز ونحوه، الوضعَ القائم. فكيف يتحدّد إذن، وبأي عوامل يتعيّن، هذا الارتفاعُ؟ هذا أيضًا واضح وشفّاف تمامًا. إنّ كثافة الهواء الجوي تتناقص كلّما اتجهنا إلى الأعلى. والمنطاد يرتفع فقط ما دامت كثافةُ طبقة الهواء المحيطة به آنذاك أكبر من كثافته الخاصة، ويكفّ عن الارتفاع عندما تتعادل كثافتُه الخاصة وكثافةُ طبقة الهواء المحيطة فيتحقّق بينهما التوازنُ تمامًا. وعليه فإن المنطاد سيرتفع أعلى كلّما كانت كثافةُ غازِ ملئِه أقلّ، وكلّما كانت الدرجةُ ذاتها من الكثافة لدى الهواء الجوي تُصادَف في طبقةٍ أعلى. ومن البديهي في ظلّ هذه الظروف أنّ تفسير الارتفاع لا يمكن الحصول عليه بأيّ وجهٍ آخر سوى بالاحتكام إلى نسب الكثافة المتبادلة بين المنطاد من جهة والهواء الجوي من جهة أخرى.

لكن كيف ستبدو المسألةُ بحسب منظومة أفكار Marx؟ عند بلوغ ارتفاع المنطاد تتعادل القوّتان، كثافةُ المنطاد وكثافةُ الهواء المحيط، فتتوازنان تمامًا. ولهذا «تكفّان عن الفعل»، و«تكفّان عن تفسير أيّ شيء»، و«لا تؤثّران في ارتفاع المنطاد»، وإذا أردنا من ثمّ تفسير هذا الأخير فعلينا أن نُفسّره «على نحوٍ آخر غير تدخّل هاتين القوّتين»! أجل، وبماذا إذن؟!

أو، إذا أشار ميزانٌ عُشريّ عند وزن جسمٍ إلى 50 كيلوغرامًا، فكيف يمكن تفسير هذا الوضع الذي عليه الميزان؟ لا يمكن تفسيره بنسبة ثقل الجسم المراد وزنُه من جهة وثقل الصنجة المستخدمة للوزن من جهة أخرى، لأن هاتين القوّتين تتعادلان تمامًا عند الوضع المعني للميزان، فتكفّان من ثمّ عن الفعل، ولا يمكن أن يُفسَّر من نسبتهما أيُّ شيء البتّة، ولا حتى وضعُ الميزان!

أعتقد أن الخطأ واضح بما يكفي، كما يتّضح بالقدر نفسه أنّ النوع ذاته من الخطأ يكمن في صلب العروض التي يستبعد فيها Marx بالاستدلال تأثيرَ العرض والطلب على مستوى الأسعار الدائمة. وحتى لا ينشأ بحالٍ أيُّ سوء فهم: ليس من رأيي إطلاقًا أنّ الاحتكام إلى صيغة العرض والطلب يتضمّن بالفعل تفسيرًا كاملًا ومُرضيًا للأسعار الدائمة. بل على العكس، إنّ رأيي الذي أبديتُه مرارًا وبإسهاب في مواضع أخرى يذهب إلى أنّه يجب على المرء أن يُحلّل بدقّة العناصرَ التي لا تُشار إليها بتلك العبارة الجامعة إلا إجمالًا فظًّا، وأن يُحدّد بدقّة نوعَ تأثيرها المتبادل ومقدارَه، وأن يَنفذ على هذا النحو أيضًا إلى معرفة تلك العناصر التي يكون لها تأثيرٌ خاصٌّ بالتحديد على المستوى الدائم للأسعار. لكنّ تأثيرَ نسبة العرض والطلب على تكوّن الأسعار، الذي استبعده Marx بالاستدلال، هو حلقةٌ وسطى لا غنى عنها لهذا التفسير الأعمق: فالتفسير لا يجري بمعزلٍ عنها، بل يمرّ من خلالها مباشرةً.

لنعاود الإمساك بخيط بحثنا. لقد رأينا في علاماتٍ شتّى مدى سعي Marx إلى إزاحة تأثير العرض والطلب إلى الخلفية في منظومته. والآن، عند ذلك المنعطف الغريب الذي تتّخذه منظومتُه بعد الربع الأول من المجلّد الثالث، تواجهه مهمّةُ تفسير لماذا لا تتجاذب الأسعارُ الدائمة للسلع نحو كميّة العمل المُتجسّدة، بل نحو «أسعار الإنتاج» المخالِفة لها.

إنّ القوّة التي تُنجِز ذلك يُفسّرها بأنها ـ المنافسة. فالمنافسة تُسوّي معدّلاتِ الربح، التي تكون في الأصل متباينة بحسب التركيب العضوي المختلف لرؤوس الأموال في فروع الإنتاج المختلفة، إلى معدّلِ ربحٍ متوسّطٍ عامّ،57^{57}57 وفي ارتباطٍ بذلك يجب أن تتجاذب الأسعارُ على المدى الطويل نحو أسعار الإنتاج التي تُدِرّ ربحًا متوسّطًا واحدًا متساويًا.

لنُثبِت سريعًا بعض النقاط المهمّة لتقدير هذا التفسير.

من الواضح أوّلًا أنّ الاحتكام إلى المنافسة لا يعني من حيث المضمون شيئًا آخر سوى الاحتكام إلى فاعلية العرض والطلب. ففي ذلك الموضع، الذي سبق أن عرضناه مرّةً أعلاه، حيث يصف Marx على أوجز نحوٍ عمليةَ تسوية معدّل الربح بفعل منافسة رؤوس الأموال (III. 175 وما بعدها)، يجعل أيضًا هذه العمليةَ تتحقّق بصراحةٍ تامّة عبر «نسبةٍ من العرض إلى الطلب بحيث يصبح الربحُ المتوسّط في مجالات الإنتاج المختلفة واحدًا، ومن ثمّ تتحوّل القيمُ إلى أسعار إنتاج».

ثانيًا، من الثابت أنّ الأمر في هذه العملية لا يتعلّق بمجرّد تذبذباتٍ حول مركز الجاذبية الموافق لنظرية القيمة في المجلّدين الأوّلين، أي حول زمن العمل المُتجسّد، بل يتعلّق بإزاحةٍ نهائية للأسعار إلى مركز جاذبيةٍ آخر دائم، هو سعرُ الإنتاج.

والآن يتزاحم سؤالٌ إثر سؤال.

إذا كانت نسبةُ الطلب والعرض، بحسب Marx، لا يمكنها أن تُمارس أيّ تأثيرٍ البتّة على مستوى السعر الدائم، فكيف يمكن أن تكون «المنافسة»، المطابِقة لهذه النسبة ذاتها، هي القوّةَ التي تُزيح مستوى الأسعار الدائمة من مستوى «القيم» إلى مستوى أسعار الإنتاج المخالِف له إلى هذا الحدّ البعيد؟

أفليس يَبرز في هذا الاحتكام المُضطرّ والمناقض للنظرية إلى المنافسة، بوصفها الـ Deus ex machina الذي يدفع الأسعارَ الدائمة من مركز الجاذبية الموافق للنظرية، أي كميّة العمل المُتجسّدة، إلى مركز جاذبيةٍ آخر، أفليس يَبرز بالأحرى على نحوٍ لا إراديّ اعترافٌ بأنّ «القوى الدافعة الاجتماعية» التي تحكم الحياةَ الفعلية تنطوي على بعض المُحدِّدات الأوّلية لنسب التبادل وتُفعِّلها، وهي مُحدِّدات لا يمكن ردُّها إلى زمن العمل، وأنّ تحليل النظرية الأصلية الذي استقطر من نسب التبادل ما لا يتجاوز زمنَ العمل بوصفه الأساسَ الكامن وراءها كان من ثمّ تحليلًا ناقصًا غير مطابقٍ للوقائع؟

وفضلًا عن ذلك: لقد قال لنا Marx بنفسه، وقد رسّخنا هذا الموضع جيّدًا في أذهاننا،23 إنّ السلع لا تتبادل تقريبًا وفق قيمها إلا حين توجد منافسةٌ حيّة؛ فقد احتكم آنذاك إلى المنافسة بوصفها عاملًا ينزع إلى دفع أسعار السلع نحو «قيمها». والآن نتعرّف على المنافسة بوصفها قوّةً تدفع، على العكس، أسعارَ السلع بعيدًا عن «قيمها» ونحو أسعار الإنتاج! فهل من سبيلٍ للتوفيق بين هذه الأقوال التي تَرِد، علاوةً على ذلك، في فصلٍ واحدٍ بعينه، هو الفصل العاشر من المجلّد الثالث المُرشَّح على الأرجح لشُهرةٍ مشؤومة؟ وإذا كان Marx قد رأى ربّما أنّ التوفيق يكمن في أنّ أحد القولين يسري على الحالات البدائية والآخر على المجتمع الحديث المتطوّر ـ أفلا يجب علينا أن نُواجهه بأنّه في الفصل الأول من مؤلَّفه لم يَستهلّ نظريته في قيمة العمل من علاقات روبنسونادةٍ، بل من علاقات مجتمعاتٍ «يسود فيها نمطُ الإنتاج الرأسمالي»، و«تظهر ثروتُها كتراكمٍ هائل من السلع»؟ أفلا يطالبنا أيضًا، في مؤلَّفه كلّه، بأن ننظر إلى علاقات مجتمعاتنا الحديثة ونَحكم عليها في ضوء نظريته في العمل؟ لكنّنا إذا تساءلنا أين يجب، بحسب أقواله هو نفسه، أن نلتمس مجالَ سريان قانونه في القيمة داخل المجتمع الحديث، فإنّنا نبحث عبثًا تمامًا. فإمّا ألا توجد منافسة: وعندئذٍ لا تتبادل السلعُ وفق قيمها إطلاقًا، بحسب Marx II. 156 وما بعدها، أو أن تكون المنافسة فاعلة: وعندئذٍ لا تتبادل من بابٍ أولى وفق قيمها، بل وفق أسعار إنتاجها، بحسب Marx III. 176!

هكذا يتراكم في الفصل العاشر المشؤوم تناقضٌ فوق تناقض. ولا أريد أن أُطيل هذا البحثَ المُستفيض أصلًا إلى هذا الحدّ بأن أُعدِّد أيضًا كلّ التناقضات والمُخالفات الأصغر التي يَعِجّ بها هذا الفصل. وأعتقد أنّ كلّ من يقرأ هذا الفصل بتجرّدٍ سيُحسّ بأنّه قد خرج، إن جاز التعبير، عن طبيعته. فبدلًا من أسلوب التعبير الصارم الموجَز الحذِر، وبدلًا من المنطق الصلب كالحديد الذي اعتدناه من الأجزاء البارعة في مؤلَّف Marx، نجد هنا تردّدًا وتشتّتًا لا في الحُجاج فحسب، بل حتى في استخدام المصطلحات الفنية. فما أكثر إلفاتًا للنظر، مثلًا، ذلك التصوّر المتقلّب باستمرار للطلب والعرض، اللذين يُؤخَذان تارةً بصورةٍ صحيحة تمامًا بوصفهما مقدارَين مرنَين ذوي فروقٍ في الشدّة، وتارةً، اقتداءً بأسوأ نموذج لـ«اقتصادٍ مبتذَل» تجاوزه الزمنُ منذ أمدٍ بعيد، بوصفهما مجرّد كميّاتٍ بسيطة؛ أو ما أقلّ إرضاءً وأضعفَ اتّساقًا ذلك العرضَ الخاص بالعوامل التي تحكم قيمةَ السوق حين تُنتَج الأجزاءُ المختلفة من كميّة السلع الواردة إلى السوق في ظلّ ظروف إنتاجٍ غير متساوية وما إلى ذلك!

لا يمكن أن يُلتمَس سببُ هذه الظاهرة في كون هذا الفصل قد كتبه Marx في شيخوخته وحده، إذ يوجد أيضًا في أجزاءٍ لاحقة غيرُ قليلٍ من العروض المكتوبة على نحوٍ رائع. كما أنّ ذلك الفصل المشؤوم، الذي كانت قد نُثرت إشاراتٌ غامضة إلى مضمونه في المجلّد الأول بالفعل،³⁹ لا بدّ أن يكون قد جرى التفكيرُ فيه في وقتٍ مبكّر. بل إنّ Marx يكتب هنا على نحوٍ مُلتبِسٍ متذبذب لأنّه لم يكن مسموحًا له أن يكتب بوضوحٍ وحِدّة دون أن يقع في تناقضٍ صريح وتراجعٍ عن أقواله. فلو أنّه هنا، حيث انطلق من نسب التبادل الحقيقية القابلة للملاحظة في الحياة الفعلية، قد سلّط عليها الضوءَ بالجِدّية ذاتها والعمق ذاته اللذين تتبّع بهما، على مدى مجلّدين، فرضيتَه في قيمة العمل حتى أقصى نتائجها المنطقية؛ ولو أنّه هنا قد أعطى عبارةَ «المنافسة» مضمونًا علميًّا عبر تحليلٍ اقتصاديٍّ نفسيٍّ دقيق لـ«القوى الدافعة الاجتماعية» التي تَبلغ حدَّ الفاعلية تحت ذلك الاسم الجامع، ولو أنّه هنا لم يَهدأ ولم يَركن ما دامت أيُّ حلقةٍ وسطى لم تُوضَّح، أو أيُّ نتيجةٍ لم تُتتبَّع حتى نهايتها، أو أيُّ علاقةٍ بدت غامضة أو متناقضة ـ وتكاد كلُّ كلمةٍ من فصله العاشر الحالي تستدعي مثل هذا البحث الأعمق أو التوضيح ـ لانساق عندئذٍ خطوةً خطوة نحو إقامة منظومةٍ مختلفةٍ تمامًا من حيث المضمون، ولما أمكن تجنّبُ التناقض الصريح والتراجع عن القضايا الجوهرية في منظومته الأصلية. ولم يكن تجنّبُ ذلك ممكنًا إلا بالتمويه، بالضبابية والغموض ـ وهذا ما لا بدّ أن يكون Marx قد شعر به غريزيًّا، إن لم يكن قد عَلِمه، حين رفض صراحةً «التحليلَ الأعمق للقوى الدافعة الاجتماعية».

وبذلك، في اعتقادي، يكون قد تحدّد أيضًا ألفُ وياءُ جميع أخطاء Marx وتناقضاته وأوجه التباسه. إنّ منظومته لا تُبقي على صلةٍ متينةٍ مُحكمة بالوقائع. فلا عبر تجربةٍ سليمة ولا عبر تحليلٍ اقتصاديٍّ نفسيٍّ متين استمدّ Marx من الوقائع أُسسَ منظومته، بل أقامها على أرضٍ ليست أصلبَ من جدليّةٍ متيبّسة. تلك هي الخطيئة الكبرى التي يضعها Marx في مهد منظومته. ومنها ينبثق كلُّ ما تبقّى بالضرورة. فالمنظومة منظَّمة في اتجاهٍ معيّن، والوقائع تجري في اتجاهٍ آخر فتعترض المنظومةَ تارةً هنا وتارةً هناك. وهنالك تُولّد الخطيئةُ الأصلية في كلّ مرّةٍ خطيئةً جديدة. فلكي لا يَنكشف موضعُ التعثّر، يُغلَّف الأمرُ إمّا في غموضٍ أو ضبابية، أو يُلوى ويُدار بفنونٍ جدلية مماثلة لما كان في البداية، أو ـ حين لا يُجدي كلُّ ذلك ـ يُناقِض المرءُ نفسَه. تلك هي العلامةُ التي يقف تحتها الفصلُ العاشر من المجلّد الثالث لـ Marx: إنّه يأتي بالحصاد السيّئ الذي طال تأجيلُه، والذي كان لا بدّ أن ينبت من البذار السيّئة!

Chapter V.

WERNER SOMBARTS APOLOGIE

في Werner Sombart قام لـMarx مؤخرًا ⁴⁰ مدافعٌ حارٌّ بقدر ما هو ذكي، غير أن دفاعه يحمل سمةً خاصةً. فمن أجل أن يتمكَّن من الدفاع عن مذهب Marx، كان عليه أولًا أن يُسبغ عليه تأويلًا جديدًا.

لنمضِ مباشرةً إلى الأمر الأساسي. يُقرُّ Sombart، بل يُسهم هو نفسه بحججٍ بالغة الحِدَّة،⁴¹ بأن قانون القيمة الماركسي خاطئ إذا ادُّعِيَ أنه يطابق الواقع التجريبي. يقول عن القيمة الماركسية (ص 573) إنها „لا تظهر في علاقة التبادل للسلع المنتَجة رأسماليًا“، وإنها „لا تشير مثلًا إلى النقطة ... التي تنجذب نحوها أسعار السوق“، وإنها „لا تؤدي كذلك أي دور بوصفها عاملًا توزيعيًا في تقسيم الناتج الاجتماعي السنوي“، وإنها على العموم „لا تظهر في أي مكان“ (ص 577). بل إن „القيمة المطرودة“ ليس لها سوى „ملجأ واحد: فكر المُنظِّر الاقتصادي... فإن أراد المرء كلمةً جامعةً لتوصيف القيمة الماركسية، فهي هذه: قيمته ليست واقعةً تجريبيةً، بل واقعةٌ فكرية“ (ص 574).

وما الذي يُفترض أن يعنيه هذا „الوجود الفكري“ بمعنى Sombart، فسوف نراه على الفور. لكن علينا قبل ذلك أن نتوقف لحظةً عند الاعتراف بأن القيمة الماركسية ليس لها وجود في عالم الظواهر الفعلي. وإنني متشوِّق إلى حدٍّ ما لمعرفة ما إذا كان الماركسيون سيُصادقون على هذا التنازل. ويحقُّ للمرء أن يشكَّ في ذلك، إذ إن Sombart نفسه قد اضطُرَّ بالفعل إلى اقتباس صوتٍ من المعسكر الماركسي، احتجَّ مسبقًا على مثل هذا الفهم، بدافعٍ من تصريحٍ لـC. Schmidt. „إن قانون القيمة ليس ... قانونًا من قوانين فكرنا؛ ... بل إن قانون القيمة واقعيُّ الطبيعة جدًا، إنه قانون طبيعي للفعل الإنساني“.⁴² كذلك أرى أن من المشكوك فيه جدًا أن يكون Marx نفسه ليُصادق على هذا التنازل. ومرةً أخرى يكون Sombart نفسه هو الذي يعرض على القارئ، بانفتاحٍ جديرٍ بالتقدير، سلسلةً كاملةً من المواضع الماركسية التي تُصعِّب هذا التأويل.⁴³ أما أنا شخصيًا فأراه غير قابل للتوفيق على الإطلاق مع نصِّ المذهب الماركسي وروحه.

فليقرأ المرء فحسب، بتجرُّدٍ، العروض التي يطوِّر فيها Marx نظريته في القيمة. يبدأ بحثه، على نحوٍ مُعلَن، على أرضية „المجتمعات المنظَّمة رأسماليًا، التي يتمثَّل ثراؤها في كومةٍ هائلةٍ من السلع“، بتحليل السلعة (I. 9). ومن أجل أن „يقتفي أثر“ القيمة، ينطلق من علاقة التبادل للسلعة. من علاقة التبادل الفعلية، أسأل، أم من علاقةٍ متخيَّلة؟ لو أنه قال أو قصد الأخيرة، لما وجد قارئٌ على الأرجح أن مثل هذه المضاربة المتواضعة تستحق عناء متابعتها. وهو في الواقع يحيل، كما لم يكن من الممكن أن يكون الأمر على غير ذلك، بأشدِّ نبرةٍ تحديدًا إلى ظواهر عالم الاقتصاد الفعلي. إن علاقة التبادل بين سلعتين، كما يقول، قابلةٌ دائمًا للتمثيل في معادلة، مثل 1 كوارتر قمح = a قنطار حديد. „ماذا تقول هذه المعادلة؟ إن قاسمًا مشتركًا من الحجم نفسه موجودٌ في الشيئين، وإن كلًّا منهما، بقدر ما هو قيمة تبادلية، لا بدَّ أن يكون قابلًا للردِّ إلى هذا الثالث“، وهذا الثالث، كما نعلم في الصفحة التالية، هو عملٌ من كميةٍ متساوية.

حين يتكلَّم المرء بهذه النبرة، أي إن عملًا من كميةٍ متساوية موجودٌ في الأشياء التي يجري التسوية بينها في التبادل، وإن هذه الأشياء لا بدَّ أن تكون قابلةً للردِّ إلى كمياتٍ متساويةٍ من العمل، فإنه يرفع حينئذٍ، على الأرجح، الادعاءَ بأن العلاقات المُصرَّح بها هنا لا توجد في الفكر وحده، بل في العالم الفعلي. ولْيُحضِر المرء في ذهنه فحسب: إن استدلال Marx آنذاك كان سيغدو مستحيلًا تمامًا لو أنه أراد أن يقيم، إلى جانب ذلك، فيما يخصُّ علاقات التبادل الفعلية، الرأيَ القائل بأن منتجاتٍ من كمياتٍ غير متساوية من العمل تُبادَل من حيث المبدأ بعضها ببعض.

لو أنه أفسح المجال لهذه الفكرة ـ وفي كونه لم يُفسح لها المجال يكمن بالضبط التنافر مع الوقائع الذي آخذه عليه ـ لكان استنتاجه قد جاء على نحوٍ مختلفٍ تمامًا. فإما أنه كان عليه أن يُصرِّح بأن ما يُسمَّى التسويةَ في التبادل ليست معادلةً حقيقيةً ولا تُجيز الاستنتاج بوجود „قاسم مشترك من الحجم نفسه“ في الأشياء المتبادَلة، وإما أنه كان عليه أن يستنتج أن القاسم المشترك المنشود المتساوي الحجم ليس العملَ ولا يمكن أن يكون! لكنه ما كان ليستطيع بحالٍ أن يمضي في الاستنتاج على النحو الذي فعله!

وفي ما يلي أيضًا يتكلَّم Marx في مناسباتٍ لا حصر لها، بنبرةٍ واقعية، عن أن „قيمته“ تكمن وراء علاقات التبادل، وذلك على نحوٍ تُبادَل فيه منتجاتُ كمية العمل المتساوية، أي „المكافِئات“، بعضها ببعض.24 وهو يطالب في مواضع كثيرة، اقتبس Sombart نفسه بعضها،⁴⁵ بأن يكون لقانون قيمته طابعُ القانون الطبيعي وكذلك قوته، وهو القانون الذي „يفرض نفسه بالقوة“ في العالم الفعلي „كما يفعل قانون الجاذبية مثلًا حين ينهار البيت فوق رأس المرء“.25 حتى في المجلد الثالث يطوِّر صراحةً تامةً الشروطَ الفعلية (وهي تؤول إلى منافسة حيوية متبادلة، انظر أعلاه) التي لا بدَّ من توافرها „كي تطابق الأسعار، التي تُبادَل بها السلع بعضها ببعض، قيمها تقريبًا“، ويضيف إلى ذلك إيضاحًا بأن هذا „لا يعني بالطبع سوى أن قيمتها هي نقطة الجاذبية التي تدور حولها أسعارها“ (III. 156 وما بعدها).

ولْيُلاحَظ عَرَضًا فحسب أن Marx كثيرًا ما يقتبس مُقِرًّا كُتَّابًا أقدم زعموا الأطروحةَ القائلة بأن القيمة التبادلية للسلع تتحدَّد بالعمل المجسَّد فيها، وزعموها بلا ريب بوصفها أطروحةً مطابقةً لعلاقات التبادل الفعلية.26

ويُسجِّل Sombart نفسه، فضلًا عن ذلك، استدلالًا لـMarx يطالب فيه صراحةً تامةً بحقيقةٍ „تجريبية“ و„تاريخية“ لقانون قيمته (III. 155 في سياق III. 175 وما بعدها).

وأخيرًا: أي معنى كان سيكون إذًا لتلك المساعي المحمومة التي وصفناها من جانب Marx، والرامية إلى إثبات أن قانون قيمته يحكم علاقات التبادل الفعلية رغم نظرية أسعار الإنتاج، إذ يُنظِّم من جهةٍ „حركة الأسعار“ ومن جهةٍ أخرى أسعارَ الإنتاج ذاتها، لو أنه لم يكن يريد أن يدَّعي لقانون قيمته سوى صلاحيةٍ فكريةٍ لا صلاحيةٍ فعلية؟

باختصار، أعتقد أن Marx لم يُعلّم نظريته في قيمة العمل بالمعنى الأكثر تواضعًا الذي يريد Sombart الآن أن يُلحقه بها، بل لم يكن في وسعه أن يُعلّمها بهذا المعنى أصلًا، إذا كان لِنسيج الاستنتاجات المنطقية الذي يبني عليه نظريته أن يحمل معنًى معقولًا إلى حدٍّ ما. وعلى أي حال، فهذه مسألة قد يخوض Sombart فيها مع أنصار مذهب Marx. أما بالنسبة إلى الذين يَعُدّون نظرية القيمة عند Marx فاشلة، كما أعُدّها أنا، فهي عديمة الأهمية تمامًا. ذلك أن Marx إما أن يكون قد زعم قانون قيمته بالمعنى المُتطلِّب، أي أنه مطابق للواقع، فحينئذٍ نُسجّل بموافقةٍ تصريح Sombart بأنه مزعومًا بهذا المعنى خاطئ. وإما أن يكون Marx نفسه لم يَنسُب إليه صلاحيةً واقعية، فحينئذٍ لا يمكن في رأيي مطلقًا أن يُصاغ أي معنًى يُمكن لهذا القانون أن يُحقّق به وجودًا ذا أهمية علمية. إنه عمليًا ونظريًا صفر.

غير أن لِـ Sombart في هذا رأيًا آخر. وإذ أُلبّي بكل رضًا دعوةً صريحة من هذا العالِم البارع الذي يَرجو من صراعٍ نشطٍ «مبتهجٍ» للآراء خيرَ ما يُرجى لتقدّم العلم، فإنني على استعدادٍ بسرورٍ لأن أُناقشه في هذه النقطة أيضًا. غير أنني أفعل ذلك وأنا أُدرك أنني بهذا لم أعُد أتحرّك على أرض «نقد Marx» التي دعاني إلى مراجعتها على أساس التفسير الجديد، بل أُمارس حصرًا «نقد Sombart».

فماذا يعني إذًا وجودُ القيمة بوصفها «حقيقةً فكرية» عند Sombart؟ إنه يعني أن «مفهوم القيمة وسيلةٌ مساعدة لتفكيرنا نستخدمها لِنجعل ظواهر الحياة الاقتصادية مفهومةً لنا». وعلى نحوٍ أدق، فإن وظيفة تصوّر القيمة هي أن «تجعل السلعَ المختلفةَ كيفيًا بوصفها سلعَ استعمالٍ تظهر لنا في تحدّدٍ كمّي. ومن الواضح أنني أُحقّق هذا المُسلَّم بأن أُفكّر في الجبن والحرير وملمّع الأحذية بوصفها مجرّدَ نواتجَ لعملٍ بشريٍّ مُجرَّد، وأن أربطها بعضها ببعض ربطًا كميًا فحسب بوصفها كميات عملٍ يتحدّد مقدارُها بذلك الثالث المشترك المحتوى فيها، القابل للقياس بأطوالٍ زمنية».⁴⁸

وإلى هذا الحد، باستثناء شُيَيءٍ معيّن، يكون كل شيء على ما يُرام. فمن المؤكد أنه من المشروع في ذاته، لأغراضٍ علمية معيّنة، أن نُجرّد من شتّى أنواع الاختلافات التي تُظهرها الأشياء في هذا الاتجاه أو ذاك، وأن نأخذها في الاعتبار بحسب خاصيةٍ وحيدة مشتركة بينها فقط، تكون شراكتُها فيها أساسًا للمقارنة والتكافؤ القياسي وما إلى ذلك. وعلى النحو نفسه تمامًا تُجرّد الديناميكا الميكانيكية مثلًا، بحقٍّ في كثيرٍ من مسائلها، تجريدًا كاملًا من اختلاف الشكل واللون والكثافة والبنية في الأجسام المتحرّكة، ولا ترى فيها سوى كتل: فكُرات البلياردو المصدومة، وقذائف المدافع الطائرة، والأطفال الراكضون، وقطارات السكك الحديدية السائرة، والأحجار الساقطة، والأجرام السماوية المُسرِعة في الفضاء الكوني، تُؤخذ حينئذٍ في الاعتبار بوصفها كتلًا متحرّكة لا غير. فلا يقلّ عن ذلك إذًا جوازًا وملاءمةً أن نتصوّر الجبن والحرير وملمّع الأحذية بوصفها «مجرّدَ نواتجَ لعملٍ بشريٍّ مُجرَّد».

يبدأ الشُّيَيء بأن Sombart يُطالب، مع Marx، بأن يُطلق على هذا التصوّر اسمَ تصوّر القيمة. وهذا الإجراء يحتمل، توخّيًا للاستقصاء التام، تأويلين على نحوٍ يمكن تصوّره. فمن المعلوم أن اسم القيمة، في ظِلّيه: قيمة الاستعمال وقيمة التبادل، يخدم بالفعل، في اللغة العلمية كما في اللغة الشعبية، للدلالة على ظواهر محدّدة تمامًا. وتلك التسمية إما أن تكون قد وُضعت مع ادّعاء أن الخاصية الوحيدة المأخوذة في الاعتبار في الأشياء، وهي كونها نِتاجَ عمل، تُمثّل العاملَ الحاسم في ظواهر القيمة بالمعنى العلمي المعتاد، أي مثلًا في ظواهر قيمة التبادل؛ وإما أن تكون تلك التسمية قد وُضعت من دون هذه الفكرة المُضمَرة، بوصفها تسميةً اعتباطية محضة، وهي تسمياتٌ ليس لها للأسف قانونٌ صارم قابلٌ للإلزام، بل المُلاءمة واللباقة وحدهما دليلًا.

ولو كان التأويل الثاني هو الصواب، أي لو لم تكن تسميةُ «العمل المُتجسِّد» بـ«القيمة» مقترنةً بادّعاء أن العمل المُتجسّد هو ماهيّة قيمة التبادل، لكانت المسألة هيّنةً جدًا. إذ لن يكون أمامنا سوى تجريدٍ مشروعٍ تمامًا، مقترنٍ بتسميةٍ في غاية اللاعملية واللاملاءمة والتضليل. ولكان الأمر كما لو خطر فجأةً لِفيزيائيٍّ أن يُطلق على الأجسام المختلفة، التي يَفهمها بالتجريد من الشكل واللون والبنية إلخ على أنها مجرّد كتل، اسمَ «القوى الحيّة»؛ وهو اسمٌ، كما هو معلوم، يتمتّع بالفعل بحقٍّ ثابتٍ بمعنى أنه يدلّ على دالّةٍ في الكتل والسرعات، أي على شيءٍ مختلفٍ تمامًا عن الكتلة المجرّدة. ومع ذلك لن يكون أمامنا هنا خطأٌ علمي، بل مجرّد لاملاءمةٍ فجّة (وإن كانت في الواقع خطيرةً جدًا من الناحية العملية) في التسمية.

لكن المسألة في حالتنا ليست على هذا النحو في ما يبدو؛ لا عند Marx، ولا عند Sombart أيضًا. وبهذا يبدأ شُيَيؤنا في النمو.

سيُقرّ لي خصمي الموقّر بالتأكيد بأنه لا يجوز إجراء أي تجريدٍ كيفما اتّفق لأي غرضٍ علميٍّ كيفما اتّفق. فمن الواضح مثلًا أنه ليس من المشروع أن نضع التصوّر المُبرَّر، فيما يخص مسائل ديناميكية معيّنة، للأجسام المختلفة بوصفها «مجرّد كتل»، أساسًا أيضًا للنظر في المسائل البصرية أو الصوتية. بل حتى داخل الديناميكا الميكانيكية نفسها، من غير المشروع بالتأكيد التمسّكُ بالتجريد من الشكل وحالة التجمّع، مثلًا، عند تطوير قانون الإسفين أيضًا. ويتبيّن من هذه الأمثلة أنه حتى «الأفكار» و«المنطق» في العلم لا يجوز لها أن تبتعد عن الوقائع بلا قيدٍ على الإطلاق. فيسري عليها هي أيضًا القول: «Est modus in rebus, sunt certi denique fines». وأظن أنه يمكنني، من دون أن أخشى اعتراض خصمي الموقّر، أن أُحدّد هذه «الحدود المعيّنة» على النحو الآتي: أنه لا يجوز في كل حالةٍ التجريدُ إلا من تلك الخصوصيات التي لا أهمية لها بالنسبة إلى الظاهرة المُراد إخضاعُها للبحث، nota bene تلك التي لا أهمية لها حقًا، فعليًا. وعلى العكس، يجب الإبقاء في البقيّة المُراد إخضاعُها للنظر اللاحق، أي في هيكل التصوّر إن صحّ التعبير، على كل ما هو في الاتجاه الملموس ذو أهميةٍ فعلية.

فلنجرِ التطبيق على حالتنا.

يضع مذهب Marx، بأشدّ صورةٍ توكيدية، فهمَ السلع بوصفها «مجرّد نواتج» أساسًا للبحث العلمي في علاقات تبادل السلع والحكمِ عليها. ويُقرّ Sombart ذلك، بل يذهب، بعباراتٍ غير محدّدة بعض الشيء لا أُريد، بسبب عدم تحدّدها بالذات، أن أُماحِكه فيها أكثر، إلى حدّ النظر في أُسس «الوجود الاقتصادي» الإنساني برمّته في ضوء ذلك التجريد.⁴⁹

أما أن يكون العمل المُتجسّد هو الوحيد ذو الأهمية في الاتجاه الأول، بل وفي الثاني، فهذا ما لا يجرؤ Sombart نفسه حتى على زعمه. بل يكتفي بالزعم بأن ذلك الفهم يُبرز «الواقعةَ الأكثر أهميةً موضوعيًا من الناحية الاقتصادية».⁵⁰ ولا أُريد أن أُنازع في هذا الزعم أبدًا. بيد أنه لا يجوز أن يُراد إلباسُه معنًى كما لو أن الوقائع الأخرى ذات الأهمية إلى جانب العمل كانت من الانخفاض في الأهمية إلى حدٍّ يجعلها، لِضآلتها، قابلةً للإهمال كليًا أو شبه كلي. فما من شيءٍ أكثر خطأً من ذلك. فبالنسبة إلى الوجود الاقتصادي الإنساني، من المهمّ مثلًا إلى درجةٍ عالية جدًا أن تكون الأرض التي يَسكنها الناس أقربَ إلى سهل الراين، أم إلى الصحراء الكبرى أو غرينلاند؛ وكذلك من الأهمية الهائلة أن يكون عملُ الناس مدعومًا بمخزونٍ من السلع مُتراكمٍ منذ السابق، وهو عاملٌ لا يمكن هو أيضًا حلّه حلًا خالصًا تمامًا في العمل وحده. أما في ما يخص علاقات التبادل فبشكلٍ كامل، فبالنسبة إلى بعض السلع، مثل جذوع البلوط القديمة ومناجم الفحم وقطع الأراضي، ليس العملُ يقينًا الظرفَ الأكثر أهميةً موضوعيًا؛ وحتى لو سُلّم بالأخير بالنسبة إلى الكتلة الرئيسية من السلع، فلا بدّ مع ذلك من التأكيد بقوّة على أن العوامل الأخرى الحاسمة إلى جانب العمل تُمارس أيضًا تأثيرًا من الكِبَر بحيث تبتعد علاقاتُ التبادل الفعلية ابتعادًا كبيرًا بالفعل عن ذلك الخط الذي كان سيُطابق العملَ المُتجسّد وحده.

لكن إذا لم يكن العملُ، بالنسبة إلى علاقات التبادل وقيمة التبادل، العاملَ الوحيد ذا الأهمية، بل عاملًا ذا أهميةٍ فحسب، وإن كان الأقوى، إلى جانب عوامل أخرى، أي primus inter pares كما لو، فحينئذٍ يكون، وفق ما تَقدّم، من غير الصحيح ومن غير الجائز ببساطة أن يُؤسَّس «تصوّرُ قيمةٍ» مَسكوكٌ على قيمة التبادل على العمل وحده؛ بل هو من عدم الصحة ومن عدم الجواز تمامًا كما لو أراد فيزيائيٌّ أن يُؤسّس «القوة الحيّة» على كتلة الأجسام وحدها، وأن يُلغي سرعتها كليًا من حسابه بالتجريد.

إنني مُندهشٌ حقًا من أن Sombart لم يَرَ هذا أو لم يُحسّ به، لا سيما أنه يَستخدم عند صوغ رأيه، مصادفةً، عباراتٍ هي، أودّ أن أقول، من التنافر المُستفزّ مع مُقدّماته الخاصة بحيث قد يُظن أنه كان لا بدّ أن يتعثّر في هذا التنافر الظاهر. فقد انطلق من أن طابع السلع بوصفها نواتجَ للعمل الاجتماعي يُمثّل الواقعةَ الأكثر أهميةً موضوعيًا من الناحية الاقتصادية فيها، ويُعلّل ذلك بأن تزويد الناس بالسلع الاقتصادية، «مع التساوي في الشروط الطبيعية»، يتوقّف في الأساس على تطوّر القوة الإنتاجية الاجتماعية للعمل، ويَستنتج من ذلك أن هذه الواقعة تجد تعبيرَها الاقتصادي «المُطابِق» في تصوّر القيمة المؤسَّس على العمل وحده. ويُكرّر هذه الفكرة في الصفحتين 576 و577 مرّتين بصياغةٍ مختلفة بعض الشيء، غير أن لفظة «مُطابِق» تتكرّر في كل مرّة من دون تغيير.

وأنا أسأل الآن: أليس من الجليّ، على العكس، أن تصوّر القيمة المؤسَّس على العمل وحده ليس مُطابِقًا للمُقدّمة القائلة إن العمل ليس سوى الأكثر أهميةً بين عدّة وقائع ذات أهمية، بل يتجاوزها تجاوزًا بعيدًا؟ فما كان ليكون مُطابِقًا إلا لو جاز أن تُزعم كمُقدّمةٍ أن العمل هو الواقعة الوحيدة ذات الأهمية. لكن Sombart لم يزعم هذا إطلاقًا. فزعمُه لا يقول إلا إن العمل يعني كثيرًا، وإنه يعني أكثر من أي عاملٍ آخر بالنسبة إلى علاقات التبادل وإلى الوجود الإنساني برمّته، ولهذا الواقع لا تُعدّ صيغةُ القيمة عند Marx، التي بمقتضاها يعني العملُ وحده كلَّ شيء، تعبيرًا مُطابِقًا، تمامًا بِقدْر ما لا يكون مُطابِقًا أن يُوضع لِـ 1+1/2+1/41 + 1/2 + 1/41+1/2+1/4 الواحدُ وحده!

لكن الزعم بـ«مطابَقة» تصوّر القيمة ليس فحسب غير صحيحٍ من حيث الواقع، بل يتربّص خلفه، كما يبدو لي، وعند Sombart بالتأكيد دون وعي، شيءٌ من المراوغة أيضًا. فإن Sombart، بإقراره الصريح بأن قيمة Marx لا تَحتمل اختبارًا على الوقائع، قد طالب بِملجأٍ لِـ«القيمة المُطارَدة» في «تفكير المُنظّر الاقتصادي». غير أنه يقوم من هذا الحرم المحميّ، على حين غِرّة، بهجمةٍ لطيفةٍ تمامًا إلى عالَم الوقائع، حين يَدّعي مرّةً أخرى لِتصوّر قيمته أنه مُطابِقٌ للواقعة الأكثر أهميةً موضوعيًا، أو، بكلماتٍ أكثر تطلّبًا، أنه قد وجدت فيه «واقعةٌ تقنية تُهيمن موضوعيًا على الوجود الاقتصادي للمجتمع البشري تعبيرَها الاقتصادي المُطابِق» (ص 577).

أعتقد أن هذا أسلوب يحق للمرء أن يحتجّ عليه. إمّا هذا أو ذاك! فإمّا أن يريد المرء أن يدّعي للقيمة الماركسية أنها مطابقة للوقائع: لكن عندئذٍ عليه أن يصمد بهذا الادعاء في خط النار الأمامي، دون أن يلتمس وقايةً من اختبار وقائعي كامل وصارم خلف الموقف القائل إن المرء لا يدّعي البتة واقعةً تجريبية، بل لا يريد إلا أن يبني «وسيلةً مساعدة لتفكيرنا». وإمّا أن يلتمس الوقاية خلف هذا المتراس، فيتملّص من اختبار الوقائع الصارم: فعندئذٍ عليه ألّا يحاول، عبر منعرج ادعاءات غامضة عارضة، أن يستعيد للقيمة الماركسية مع ذلك جنساً من الصلاحية التجريبية، وهي صلاحية لا تستحقّها بحقّ إلا لو كانت قد اجتازت اختبار الوقائع الذي رُفض صراحةً. فالعبارة عن «التعبير المطابق للواقعة المهيمنة» لا تعني في الحقيقة شيئاً آخر سوى أن Marx على صواب في الجوهر تجريبياً أيضاً. حسناً. إن أراد Sombart أو سواه أن يدّعي ذلك، فليدّعِه علناً، وليدع جانباً الفاصل المتعلق بـ«الواقعة الفكرية» المجردة، وليتقدّم بدلاً من ذلك بوضوح تامّ إلى اختبار الوقائع؛ فهذا الاختبار سيُظهر كم تفترق الوقائع الكاملة، كثيراً أو قليلاً، عن «التعبير المطابق للواقعة المهيمنة». لكنني إلى أن يحدث ذلك أحسب أنني أستطيع أن أكتفي بالتثبّت من أننا لسنا أيضاً عند Sombart إزاء النوع الهيّن من تجريد مأذون به وموسوم باسم غير مطابق فحسب، بل إزاء توغّل طموح في حقل ادعاءات وقائعية لم يُقدَّم لها برهان، ولا حتى حُوول تقديمه، بل جرى تجنّبه.

وفي علاقة أخرى أيضاً، فيما أعتقد، تبنّى Sombart بقدرٍ قليل جداً من النقد الذاتي ادعاءً طموحاً غير مشروع من Marx. أعني الادعاء بأن فهم البضائع بوصفها «نتاجات مجرّدة» لعمل اجتماعي يقدّم الإمكان الوحيد لوضع البضائع في علاقة كمية لتفكيرنا، أي جعلها «قابلة للقياس المشترك» وبالتالي جعل ظواهر العالم الاقتصادي «في متناول» تفكيرنا أصلاً.27 أفينبغي لـSombart أن يتمسّك بذلك حتى بعد فحص نقدي؟ أيعتقد حقاً أننا لا نستطيع جعل علاقات التبادل في متناول تفكيرنا العلمي إلا إمّا على أساس مفهوم القيمة الماركسي، أو لا نستطيع ذلك البتة؟ لا أستطيع أن أصدّق ذلك. فالبرهنة الجدلية الشهيرة عند Marx في ص 12 من المجلد الأول لا يمكن أن تملك بالنسبة لرجل مثل Sombart أيّ قوة إقناع. كما أن Sombart يرى ويعرف، كما أرى وأعرف أنا، أنه ليست نتاجات العمل فحسب، بل أيضاً النتاجات الطبيعية الصرفة تُوضع في التبادل في علاقة كمية، وهي بالتالي قابلة عملياً للقياس المشترك سواء فيما بينها أو مع نتاجات العمل. أفينبغي مع ذلك ألّا تكون قابلةً للقياس المشترك بالنسبة لتفكيرنا، إلا على أساس سمةٍ لا تنطبق عليها البتة، وهي حتى عند نتاجات العمل وإن وُجدت من حيث النوع فإنها لا تنطبق من حيث المقدار، إذ من المسلَّم به أن نتاجات العمل نفسها لا تتبادل بنسبة العمل المتجسّد فيها؟ أفلا ينبغي أن يكون ذلك بالأحرى، بالنسبة للمُنظِّر غير المتحيّز، إشارةً لا تُساء فهمها البتة إلى أنه برغم Marx لا يزال يتعيّن البحث عن القاسم المشترك الحقيقي، عن «المشترَك» الحقيقي في التبادل، وأن البحث عنه يتعيّن في اتجاه آخر غير الذي سلكه Marx؟

وهذا يقودني إلى نقطة أخيرة أودّ أن ألامسها بعدُ إزاء Sombart. يريد Sombart أن يردّ التضادّ القائم بين النظام الماركسي من جهة، وتصوّرات النظم النظرية المعارِضة، ولا سيما تصوّرات ما يُسمّون بالاقتصاديين النمساويين من جهة أخرى، إلى نزاع مبدئي منهجي في نهاية المطاف. فـMarx، في رأيه، ممثّلٌ لموضوعانية متطرفة، أما نحن الآخرون فنمثّل ذاتانية تفضي إلى نفسانية. إن Marx لا يتتبّع الدوافع التي تحدّد الذوات الاقتصادية الفاعلة المفردة في طريقة فعلها، بل يبحث عن العوامل الموضوعية، عن «الشروط الاقتصادية» «المستقلة عن إرادة (ولعلّي أُجيز لنفسي أن أُدرج: وغالباً أيضاً عن معرفة) الفرد»؛ إنه يسعى إلى استبيان «ما يجري من وراء ظهر الفرد بقوة علاقات مستقلة عنه». أما نحن في المقابل فـ«نحاول أن نفسّر مجريات الحياة الاقتصادية في نهاية المطاف انطلاقاً من نفسية الذوات الاقتصادية» و«نضع قانونية الحياة الاقتصادية في التعليل النفساني».⁵²

هذه بالتأكيد ملاحظة دقيقة وذكية، ومثلها وفيرٌ يُوجد في مقالة Sombart عموماً. لكنها تبدو لي، برغم نواتها الصحيحة بلا شكّ، غير مصيبةٍ مع ذلك للأمر الجوهري: لا استرجاعياً، في تفسير سلوك ناقدي Marx السابق تجاه Marx، ونتيجةً لذلك ليست مصيبة استشرافياً أيضاً، مع المطالبة بحقبة جديدة كلياً من نقد Marx، حقبة يُفترض أن يكون ابتداؤها ذاته لمّا يَحِن بعد، حقبة «تكاد تعوزها تماماً الأعمال التمهيدية»،⁵³ والتي يتعيّن فيها قبل كل شيء التماس قرارٍ في المسألة المنهجية القَبلية.⁵⁴

يبدو لي أن الأمر يقوم على نحوٍ مختلف كثيراً. لا ريب أن الفارق الذي أظهره Sombart في مناهج البحث قائمٌ. لكن نقد Marx «القديم»، بقدر ما أستطيع الحكم انطلاقاً من شخصي أنا، لم يحارب Marx بسبب اختياره منهجه، بل بسبب أخطائه في ممارسة المنهج المختار. ليس لي حقّ أن أتكلم باسم سائر ناقدي Marx، فلا بدّ إذن أن أتكلم عن نفسي. أنا شخصياً أقف الآن في مسألة المنهج موقفاً شبيهاً بالموقف الذي تبنّاه، فيما يخصّ الأدب الجميل، ذلك الأديب الذي صرّح بأنه يقبل كل صنف (genre)، باستثناء واحد هو «الصنف المملّ» (genre ennuyeux). أنا أقبل كل منهج، بشرط أن يُستخدَم بحيث يخرج منه شيء صحيح. وليس لي البتة أيّ اعتراض على المنهج الموضوعاني. أعتقد أنه يستطيع، حتى في حقول الظواهر المتعلقة بالأفعال الإنسانية، أن يوسّط بلوغ معارف واقعية. وأوافق أيضاً عن طيب خاطر، وقد نبّهتُ أنا نفسي أحياناً إلى ظواهر شبيهة، على أن عوامل موضوعية معينة يمكن أن تدخل في ترابط قانوني مع أفعال إنسانية نمطية، دون أن يبلغ تأثير العامل المعني نفسه وعي الفاعلين القانونيين بوضوح. فإذا أظهرت الإحصاءات مثلاً أن حالات الانتحار تحدث بكثرة خاصة في أشهر معينة، كتموز/يوليو وتشرين الثاني/نوفمبر، أو أن عدد عقود الزواج السنوية يرتفع ويهبط مع جودة المحصول، فإنني مقتنع بأن معظم المرشّحين للانتحار، الذين يجعل انضمامهم منحنى الانتحار في شهري يوليو ونوفمبر منتفخاً هكذا، لا يخطر لهم البتة أنه تموز/يوليو أو تشرين الثاني/نوفمبر تحديداً، وأن فكرة أسعار المواد الغذائية الأرخص لحظتئذٍ لا تؤدّي كذلك، عند الراغبين في الزواج، أيّ دور مباشر في قرارهم.28 ومع ذلك فإن كشف ترابطات موضوعية كهذه ذو قيمة معرفية لا تُنكَر.

لكن لا بدّ لي هنا أن أُبدي تحفظات معينة، أحسبها بدهية. أولاً، يبدو لي واضحاً أن معرفة ترابطات موضوعية كهذه، دون معرفة الحلقات الذاتية الوسيطة التي توسّط السلسلة السببية، لا تعني بالتأكيد بعدُ أعلى درجات المعرفة، بل إن الفهم التامّ لا يتوسّطه إلا معرفة الترابطات الخارجية والداخلية معاً. وبذلك يبدو لي أيضاً أن السؤال الذي طرحه Sombart، «هل الاتجاه الموضوعاني في علم الاقتصاد الوطني مُحقٌّ على نحو حصري أم على نحو تكميلي»،⁵⁶ قد حُسم بداهةً على نحوٍ مفاده أن ذلك الاتجاه لا يمكن أن يكون مُحقّاً إلا «على نحو تكميلي».

ثانياً، أعتقد، وإن كنت لا أريد أن أُخاصم هنا في ذلك بوصفه مسألة رأي مع المخالفين، أنه تحديداً في الحقل الاقتصادي، حيث نتعامل بصورة غالبة جداً مع أفعال إنسانية واعية ومحسوبة، لا يستطيع أوّل هذين المصدرين للمعرفة، أي المصدر الموضوعاني، أن يُسهم في أحسن الأحوال إلا بجزءٍ بائسٍ جداً، وغير كافٍ بتاتاً ولا سيما لو أُخذ وحده، من مجمل المعرفة القابلة للبلوغ.

لكن ثالثاً، وهذا يخصّ نقد Marx على وجه الخصوص، لا بدّ لي أن أطالب بكل حزم بأنه إذا استُخدم المنهج الموضوعاني، فليُستخدَم استخداماً صحيحاً. فليُثبِت المرء ترابطات خارجية موضوعية تهيمن، على نحوٍ أشبه بالقدَر، بمعرفة الفاعلين أو دونها، بإرادتهم أو دونها، على أفعالهم؛ لكن فليُثبِتها عندئذٍ على نحوٍ صحيح. وهذا ما لم يفعله Marx. فأطروحته الأساسية، القائلة إن العمل وحده يهيمن على جميع علاقات التبادل، لم يُثبِتها لا على الطريق الموضوعاني انطلاقاً من عالم الوقائع الخارجي الملموس الموضوعي، الذي هي على العكس في تناقض معه، ولا استنبطها ذاتانياً من دوافع المتبادلين، بل أطلقها في العالم بوصفها خَدِيجاً لجدلٍ ربما لم يظهر قطّ في تاريخ علمنا على نحوٍ أكثر اعتباطاً وأبعد عن الوقائع.

وأمر آخر بعد. لم يبقَ Marx ثابتاً على الراية «الموضوعانية». فلم يستطع أن يتفادى أن يستند هو أيضاً إلى دوافع الفاعلين بوصفها قوةً فاعلة في نظامه. ويفعل ذلك على وجه الخصوص باستناده إلى «المنافسة». أفمن المبالغة في الطلب أنه، ما دام يُدرج إدراجات ذاتانية في نظامه، فينبغي له أن يفعل ذلك على نحوٍ صحيح ومتقَن وخالٍ من التناقض؟ وهذا الطلب المتواضع خالفه Marx مرةً أخرى. هذه المخالفات، التي أُكرّر أنها لا علاقة لها باختيار المنهج، بل هي محظورة تحت سيادة أيّ منهج، كانت بالنسبة لي السبب في أنني حاربتُ ولا أزال أحارب النظرية الماركسية بوصفها خاطئة: فهي تمثّل في رأيي الصنف الوحيد غير المأذون به، صنف النظريات الزائفة!

لذلك أقف، وقد وقفت منذ زمن بعيد، على الموقف الذي يريد Sombart أن يقود إليه نقداً مستقبلياً لـMarx لا يزال ينبغي إيقاظه. إنه يتصوّر «أنه ينبغي على الأرجح محاولة تقدير ونقد النظام الماركسي على النحو التالي: هل الاتجاه الموضوعاني في علم الاقتصاد الوطني مُحقٌّ على نحو حصري أم على نحو تكميلي؟ فإن أُجيب عن هذا السؤال بنعم، لتعيّن عندئذٍ مثلاً مواصلة السؤال: هل المنهج الماركسي في التحديد الكمي للوقائع الاقتصادية عبر الوسيلة الفكرية المساعدة لمفهوم القيمة لازمٌ؟ فإن كان نعم: هل العمل هو المضمون المختار بصواب لمفهوم القيمة؟ فإن كان نعم: هل البرهنة الماركسية، والبناء النَّسَقي، والاستنتاجات وما إلى ذلك قابلة للطعن؟»

لقد أجبتُ منذ زمن بعيد عن السؤال المنهجي القَبلي الأول لصالح حقّ «تكميلي» للمنهج الموضوعاني. وكذلك كان ولا يزال لا يخامرني شكّ، لأبقى عند ألفاظ Sombart، في أن «تحديداً كمياً للوقائع الاقتصادية عبر الوسيلة الفكرية المساعدة» لمفهوم قيمةٍ هو أمرٌ لازمٌ أيضاً. أما السؤال الثالث، أي هل العمل هو المضمون المختار بصواب لمفهوم القيمة هذا، فقد كنت منذ زمن بعيد أعدّه محسوماً على نحو النفي، والسؤال الرابع، أي هل البرهنة الماركسية والاستنتاجات وما إلى ذلك قابلة للطعن، أعدّه محسوماً بالقدر نفسه على نحو الإيجاب.

كيف سيحكم العالم على ذلك في نهاية المطاف؟ ـ لا يساورني أدنى شك في ذلك. إن النظام الماركسي له ماضٍ وله حاضر، لكن ليس له مستقبل دائم. ومن بين جميع أنواع النظم الاقتصادية، أعتقد أن أكثرها يقيناً للزوال هي تلك التي تقوم، مثل النظام الماركسي، على أساس جدلي أجوف. إن العقل البشري قد ينبهر للحظة ببلاغة بارعة، لكنه لا ينبهر بها على الدوام. فعلى المدى الطويل تفرض الوقائع نفسها دائماً، ذلك التسلسل المتين لا من الكلمات والعبارات، بل من الأسباب والنتائج. وفي ميدان العلوم الطبيعية لكان عملٌ كالعمل الماركسي اليوم أمراً مستحيلاً بالفعل. أما في العلوم الاجتماعية الفتية جداً فقد استطاع أن يكتسب نفوذاً، نفوذاً كبيراً، ومن المرجح أنه لن يفقده إلا ببطء، ببطء شديد. ببطء، لأن أقوى سند له ليس في رؤوس أتباعه المقتنعة، بل في قلوبهم، في أمنياتهم ورغباتهم. كما أن لديه رأس مال ضخم من السلطة المعنوية التي اكتسبها لدى كثير من الناس، يقتات منه طويلاً. لقد قلت في كلمات افتتاح هذه المقالة إن Marx كان كاتباً سعيد الحظ. ولا يبدو لي أقلَّ الظروف سعداً في مصيره ككاتب أن إتمام نظامه لم يظهر إلا بعد 10 سنوات من وفاته، أي بعد ما يقرب من ثلاثين سنة من المجلد الأول. ولو أن تعاليم المجلد الثالث وتقريراته قد وقعت أمام أعين القارئ غير المتحيز في وقت واحد مع المجلد الأول، لما كان هناك، في اعتقادي، سوى قلة قليلة من القراء لم يبدُ لهم منطق المجلد الأول مريباً بعض الشيء على الرغم من ذلك! أما الآن فإن إيماناً بالسلطة المعنوية ضرب بجذوره طوال 30 سنة يشكل حصناً ضد تسرّب المعرفة النقدية، حصناً سيتفتت بالطبع بشكل أكيد، لكن ببطء.

ولكن حتى عندما يحدث ذلك، فمن المؤكد أن الاشتراكية لن تُهزم بهزيمة النظام الماركسي؛ لا الاشتراكية النظرية ولا العملية. فكما أنه وُجدت اشتراكية قبل Marx، فستظل توجد أيضاً بعد Marx. أما ما هو فاعل ومحرّك في الاشتراكية ـ وأن فيها، رغم كل المبالغات، شيئاً محركاً، يثبته لا التجديد الذي لا يمكن إنكاره والذي اكتسبته النظرية الاقتصادية بظهور المنظّرين الاشتراكيين فحسب، بل أيضاً "قطرة الزيت الاجتماعي" الشهيرة التي تعتاد بها تدابير فن إدارة الدولة العملي، وفي كثير من الأحيان دون أن يكون ذلك ضرراً عليها بالتأكيد، أن تتمسح اليوم في كل مكان ـ أما ما هو فاعل ومحرّك في الاشتراكية، أقول إذن، فإن رؤوسها الذكية الموجِّهة لن تفوّت بالتأكيد فرصة البحث في الوقت المناسب عن الارتباط بنظام علمي أقدر على الحياة. سيسعون إلى استبدال الدعامة التي صارت متهالكة. أما بكم من تنقية أو بقدر يسير منها للأفكار المختمرة فسيظهره المستقبل. وربما، وعسى، أن لا يظل الأمر يدور في حلقة مفرغة على الدوام، بل أن يُنفض في هذه المناسبة بضع من الأخطاء إلى الأبد، وأن يُضاف بضع من المعارف نهائياً إلى كنز المعرفة الراسخة التي لم تعد العصبية الحزبية تشكّك فيها.

أما Marx فسيحتفظ بمكان دائم في تاريخ العلوم الاجتماعية، للأسباب نفسها، وبالمزيج نفسه من الفضل الإيجابي والسلبي، مثل قدوته Hegel. فقد كان كلاهما شخصياً عبقري فكر. وقد اكتسب كلاهما، كلٌّ في ميدانه، نفوذاً هائلاً على فكر أجيال بأكملها ووجدانها، بل يكاد المرء يقول على روح العصر نفسها. وكان عملهما النظري الخاص لدى كليهما بناءً مبتكَراً ببراعة فائقة، شُيّد بقدرة خيالية على التأليف في طبقات فكرية لا تُحصى، وحُفظ متماسكاً بقوة عقلية مذهلة ـ بيتاً من ورق اللعب.

APPARATUS

Notes

Footnotes

  1. أستشهد بالمجلد الأول من رأس مال ماركس دائمًا وفقًا للطبعة (الثانية) لعام 1872، وبالمجلد الثاني وفقًا لطبعة 1885، وبالثالث وفقًا لطبعة 1894، ويُقصد بـ III دائمًا، ما لم يُذكر خلاف ذلك، القسمُ الأول من المجلد الثالث.

  2. كذلك يرى W. Sombart في العرض النموذجي الواضح والمنظَّم الذي قدَّمه مؤخرًا عن المجلد الختامي من نظام Marx في Archiv für Soziale Gesetzgebung (المجلد VII، الكرّاس 4، ص 555 وما بعدها) أن العبارات المقتبسة في المتن هي تلك التي تتضمَّن الإجابة الفعلية عن المسألة المطروحة (المرجع نفسه، ص 564). وسوف يتعيَّن علينا في ما يلي أن نشتغل مرارًا بهذه المقالة الغنية المضمون والذكية، رغم أنني لست في وضع يمكِّنني من الموافقة على استنتاجاتها النقدية الختامية بالقدر نفسه.

  3. انظر مؤلَّفه المقتبس أعلاه، وبخاصة الفقرة 13.

  4. III. 156، وعلى نحو مشابه تمامًا في الموضع المقتبس سابقًا III. 158.

  5. III. 175 وما بعدها. قارن أيضًا الأقوال الأقصر III. 136, 151, 159 وفي مواضع أخرى متكرِّرة.

  6. Zur Kritik des ök. Systems von Karl Marx, Archiv für soziale Gesetzgebung, المجلد VII. ص 584–586. وأنا ملزَم، فضلًا عن ذلك، بأن أُبرز أن Sombart إنما قصد بالموضع المقتبس مجادلة Marx على نحوٍ مشروط فحسب، أي في الحالة التي يكون فيها Marx قد ربط بمذهبه فعلًا المعنى المنسوب إليه في المتن. أما هو نفسه فيُسبغ عليه، في محاولته للإنقاذ التي سبق أن ذكرتها مرة، تأويلًا آخر، أراه إلى حدٍّ ما غريبًا، سأتناوله لاحقًا على وجه الخصوص.

  7. إن سعر التكلفة لسلعة ما لا يتعلق إلا بكمية العمل المدفوع الثمن المتضمَّنة فيها: Marx III. 144.

  8. مثلًا III. 187، حيث يؤكد Marx „أنه في جميع الأحوال لا يمكن أبدًا لارتفاع الأجور أو انخفاضها أن يمسَّ ... قيمة السلع“.

  9. قارن III. 179 وما بعدها.

  10. لم يُدرج Marx هذا العنصر صراحةً في الموضع المقتبس. غير أن إدراجه بديهي.

  11. سأتخذ موقفًا خاصًا، كما سبق أن ذكرت، من رأي W. Sombart المخالف.

  12. أي بقدر ما يُفترض أن يتوسَّطه عامل „القيمة الإجمالية“، الذي لا علاقة له في رأيي بكمية العمل المجسَّدة على الإطلاق. لكن بما أن عامل نفقة الأجور يظهر أيضًا في العناصر التالية، وعند تحديده تشارك كمية العمل الواجب أجره بوصفها عنصرًا، فإن كمية العمل تجد لها مع ذلك مكانًا أيضًا بين المحدِّدات غير المباشرة للربح المتوسط.

  13. يعترض Karl Knies على Marx اعتراضًا مُصيبًا قائلًا: „لا يظهر داخل عرض Marx أي سبب على الإطلاق يجعل المعادلة: 1 كوارتر قمح = a قنطار من خشب مُنتَج في الغابة، لا يجوز أن تُستبدل بها بالقدر نفسه معادلة ثانية: 1 كوارتر قمح = a قنطار من خشب نما برّيًا = b مورغن من أرض بِكر = c مورغن من مرعى على مروج طبيعية“. (Das Geld، الطبعة الأولى ص 121، الطبعة الثانية ص 157).

  14. في اقتباس من Barbou يُطمَس مرة أخرى، في الفقرة نفسها، الفرق بين السلع والأشياء: „إن صنفًا من السلع لا يقلُّ عن الآخر شيئًا إذا تساوت قيمته التبادلية. فلا وجود لأي اختلاف أو قابلية للتمييز بين أشياء متساوية القيمة التبادلية!“

  15. مثلًا ص 15 في النهاية: „وأخيرًا لا يمكن لأي شيء أن يكون قيمةً من دون أن يكون موضوع استعمال. فإن كان عديم النفع، فإن العمل المتضمَّن فيه عديم النفع أيضًا، ولا يُعَدُّ عملًا (هكذا!) ومن ثَمَّ لا يشكِّل قيمةً“. ـ وقد سبق أن نبَّه Knies إلى الخطأ المنطقي المؤاخَذ عليه في المتن. انظر „Das Geld“، Berlin 1873، ص 123 وما بعدها (الطبعة الثانية ص 160 وما بعدها). وقد أساء Adler (Grundlagen der Karl Marxschen Kritik, Tübingen 1887, ص 211 وما بعدها) فهمَ حجتي على نحو غريب، إذ يعترض عليَّ بأن الأصوات الجميلة ليست سلعًا بالمعنى الماركسي. ولم يكن الأمر يتعلق عندي بحالٍ بما إذا كانت „الأصوات الجميلة“ تندرج بوصفها سلعًا اقتصاديًا تحت قانون القيمة الماركسي أم لا، بل تعلق فحسب بإقامة نموذج لاستدلال منطقي يحمل الخطأ نفسه الذي يحمله الاستدلال الماركسي. وكان بإمكاني، تحقيقًا لذلك، أن أختار مثالًا لا علاقة له البتة بالمجال الاقتصادي. كان بإمكاني مثلًا، بالقدر نفسه، أن أُبرهن على أنه وفق المنطق الماركسي لا يمكن أن يكون القاسم المشترك للأجسام الملوَّنة كامنًا في الله يعلم ماذا، لكن ليس في مزج عدة ألوان. فإن مزجًا لونيًا، مثل الأبيض والأزرق والأصفر والأسود والبنفسجي، يساوي في التلوُّن أي مزج لوني آخر، مثل الأخضر والأحمر والبرتقالي والأزرق السماوي وما إلى ذلك، شريطة أن يكون موجودًا „بنسبة ملائمة“ فحسب: إذًا فلْنُجرِّد، على ما يبدو، من اللون ومن مزج الألوان!

  16. لقد ناقشت تفصيلًا الموقف الذي يتخذه Smith وRicardo من مذهب قيمة العمل في كتابي Geschichte und Kritik ص 428 وما بعدها، وأثبتُّ هناك بخاصة أنه لا يوجد لدى الكلاسيكيين المذكورَين أيُّ أثر لتأسيس تلك الأطروحة. قارن أيضًا Knies, Der Kredit, النصف الثاني، ص 60 وما بعدها.

  17. مثلًا I. 141 وما بعدها، 150, 151, 158 ومرارًا؛ وكذلك في بداية المجلد الثالث، مثل III. 25, 128, 132.

  18. مثلًا I. 150 الحاشية 37.

  19. انظر أعلاه.

  20. من البديهي أنني أصرف النظر هنا تمامًا عن الخلافات الصغيرة نسبيًا في الرأي؛ وقد امتنعت بخاصة طوال هذه المقالة كلها عن إبراز الفروق الدقيقة، أو حتى مجرد التطرُّق إليها، فيما يتعلق بفهم „قانون التكلفة“.

  21. III 169؛ انظر أيضًا أعلاه.

  22. يتبيَّن من تحليل أدق أن السعر لا بدَّ أن يقع بين أرقام التقدير النقدي لما يُسمَّى „الأزواج الحدِّية“، أي بين المبالغ التي يكون آخر مشترٍ لا يزال يدخل في الصفقة، وأول راغب في الشراء أُقصي بالفعل عنها، مستعدَّين في أقصى الأحوال لعرضها مقابل السلعة، والمبالغ التي يكون آخر بائع لا يزال يدخل في الصفقة، وأول راغب في البيع أُقصي بالفعل عنه، مستعدَّين في أقصى الأحوال للرضا بها مقابل السلعة. للمزيد من التفصيل انظر كتابي Positive Theorie des Kapitals, Innsbruck 1889, ص 218 وما بعدها.

  23. انظر أعلاه.

  24. مثلاً I. 25: المعادِل = القابل للتبادل. "إنها (الكتّان) لا تكون منسوبة إلى المعطف بوصفه مكافئاً لها أو قابلاً للتبادل معها إلا بصفتها قيمة" "إذ يُعادَل المعطف بصفته شيئاً ذا قيمة بالكتّان، فإن العمل الكامن فيه يُعادَل بالعمل الكامن فيها". انظر كذلك ص. 27، 31 (إن النسبة التي تكون فيها المعاطف والكتّان قابلين للتبادل تتوقف على مقدار قيمة المعاطف)، ص. 35 (حيث يفسّر Marx العمل البشري بوصفه "المتساوي الحقيقي" في الوسادة والبيت المتبادَلَين أحدهما بالآخر)، ص. 39، 40، 41، 42، 43، 50، 51، 52، 53 (إن تحليل أسعار السلع، وإن كان للأسعار الفعلية فقط! يفضي إلى تحديد مقدار القيمة)، ص. 60 (قيمة التبادل هي الأسلوب الاجتماعي للتعبير عن العمل المبذول على شيء ما)، ص. 80 ("السعر هو الاسم النقدي للعمل المتجسّد في السلعة")، ص. 141 ("قيمة التبادل نفسها، أي الكمية نفسها من العمل الاجتماعي المتجسّد")، ص. 174 ("وفقاً لقانون القيمة العام، فإن 10 أرطال من الغزل مثلاً تكون معادِلاً لـ 10 أرطال من القطن و1/4 مغزل ...، إذا كان وقت العمل نفسه مطلوباً لإنتاج طرفي هذه المعادلة") وما شابه ذلك كثيراً.

  25. I. 52.

  26. مثلاً I. 14، الحاشية 9.

  27. المرجع نفسه ص. 574، 582. لم يصرّح Sombart بهذا الزعم حرفياً باسمه الخاص، لكنه يقرّ تصريحاً لـ C. Schmidt يسير في هذا الاتجاه، ولا يصحّحه إلا في تفصيل ثانوي (574)، ويقول كذلك إن نظرية القيمة لدى Marx تؤدي بالضبط هذه "الخدمة" (582)، ويُحجم على أي حال إحجاماً تاماً عن مناقضتها.

  28. لا بد بطبيعة الحال أن يستثير على نحو ما تأثيرٌ ينطلق من العامل الموضوعي، أو يرتبط به على الأقل ارتباطاً عَرَضياً، دافعاً لدى الفاعلين، ففي الأمثلة المستخدمة في النص قد يزيد ربما حرّ تموز المؤثر في الأعصاب، أو الجو الخريفي الكئيب المثير للسوداوية، من الاستعداد للانتحار. عندئذ يصبّ التأثير المنبثق من "العامل الموضوعي" بمنزلة ما في دافع نمطي أعمّ، كاضطراب الأعصاب أو السوداوية مثلاً، ويؤثر من خلاله في الفعل. أما أن انتظام الأفعال لا يُتوقَّع دون انتظام في الدوافع، فهذا ما أتمسك به بالفعل حتى في مواجهة ملاحظة Sombart المرجع نفسه ص. 593؛ لكنني أرى إلى جانب ذلك، وهو ما قد يكتفي به Sombart ربما من منطلق وجهة نظره المنهجية، أنه من الممكن جداً أن ندرك انتظامات موضوعية في الأفعال البشرية ونثبتها استقرائياً، دون أن نعرف مسار دوافعها ونفهمه. أي ليس أفعالاً منتظمة دون دوافع منتظمة، بل معرفةٌ بأفعال منتظمة دون معرفة بالدوافع المرتبطة بها!

APA
Chicago
German historical style