The Theory of Commodity
1. مفهوم السلعة التجارية في معنييه الشائع والعلمي
في الاقتصاد المنزلي المنعزل، يكون النشاط الإنتاجي لكل وحدةٍ مُدبِّرة اقتصاديًّا موجَّهًا حصرًا إلى إنتاج السلع اللازمة لاستهلاكها الخاص. وطبيعةُ مثل هذا الاقتصاد ذاتها تمنع إنتاج السلع بغرض التبادل. لكنَّ شتى المهام التي يجب أداؤها لتلبية متطلبات الأسرة كان بإمكان ربِّ الأسرة أن يوزعها على مختلف أفراد الأسرة وعلى مَن لديه من الخدم، مع مراعاةٍ واجبة لقدراتهم ومهاراتهم الخاصة. ومن ثَمَّ فإنَّ السمة المميزة للاقتصاد المنزلي المنعزل ليست غياب أي تقسيمٍ للعمل، بل اكتفاؤه الذاتي، إذ يُعنى الإنتاج حصرًا بالسلع المخصَّصة لاستهلاك الأسرة نفسها، ولا يُعنى البتةَ بالسلع المخصَّصة لمبادلتها بسلعٍ أخرى.
ومن البديهي تمامًا، بطبيعة الحال، أنَّ تقسيم العمل يظل محدودًا حدودًا ضيقة جدًّا في نطاق الاقتصاد المنزلي المنعزل. فمتطلبات الأسرة من أي سلعةٍ مفردة تكون عادةً أصغر بكثير من أن تسمح لفردٍ بأن ينشغل انشغالًا تامًّا بإنتاجها، فضلًا عن انشغاله بعمليةٍ يدوية واحدة. كما أنَّ إمدادات الغذاء المتاحة تكون في معظم الحالات أصغر بكثير من أن تُطعِم عددًا كبيرًا من العمال. ولذلك فإنَّ المجتمعات في المراحل الأدنى من التطور تزوِّدنا بأمثلةٍ على تقسيمٍ معقَّد للعمل في الاقتصادات المنزلية لقلةٍ من النبلاء فحسب، بينما يظل سائر الأفراد المُدبِّرين اقتصاديًّا قليلي تقسيم العمل ضيقي الحاجات.
يمكن اعتبار أنَّ شعبًا قد خطا خطوته الأولى في التطور الاقتصادي حين يَعرِض أشخاصٌ اكتسبوا مهارةً معينة خدماتهم على المجتمع ويعالجون المواد الخام لأشخاصٍ آخرين لقاء أجر. ويبدو أنَّ "الثيتيس" (Thetes) في اليونان القديمة كانوا حِرفيين من هذا النوع، بل لا يزال، حتى اليوم، في كثيرٍ من مناطق أوروبا الشرقية، لا يوجد حِرفيون من غير هذا النوع. فالغزل الذي يُغزَل في بيت المستهلك يُحوِّله الحائك إلى قماش؛ والحبوب التي يزرعها المستهلك يطحنها الطحان إلى دقيق؛ بل إنَّ النجار والحداد يُزوَّدان بالمواد الخام للمنتجات التي يطلبها منهما زبائنهما الأكبر.
ويمكن اعتبار أنَّ خطوةً أخرى على درب التطور الاقتصادي نحو مستوياتٍ أعلى من الرفاه قد خُطِيَت حين يبدأ الحِرفيون أنفسهم في تدبير المواد الخام لمنتجاتهم، وإن كانوا لا يزالون ينتجون هذه المنتجات للمستهلكين على الطلب فحسب. وما زال يمكن، مع استثناءاتٍ قليلة، ملاحظة هذا الوضع في البلدات الصغيرة، وإلى حدٍّ ما حتى في الأماكن الأكبر في بعض الحِرف. فالحِرفي لا يصنع بعدُ منتجاتٍ لبيعٍ لاحق، ومن ثَمَّ غير مؤكَّد. لكنه أصبح بالفعل، بقدر ما تسمح به قوة عمله، في وضعٍ يمكِّنه من تلبية حاجات زبائنه بأن يجعل من غير الضروري لهم أن يبذلوا جهودًا في شراء المواد الخام أو إنتاجها بطريقةٍ كثيرًا ما تكون غير اقتصادية إلى حدٍّ بعيد.78
وهذه الطريقة في تزويد المجتمع بالسلع تُمثِّل بالفعل خطوةً كبيرة إلى الأمام في الاقتصاد والراحة للمستهلكين والمنتجين على حدٍّ سواء. لكنها بالنسبة إلى المجموعتين كلتيهما خطوةٌ تنطوي على عدة مساوئ خطيرة. فالمستهلك ما زال عليه أن ينتظر بعض الوقت ليحصل على منتجه، ولا يكون قطُّ على يقينٍ تام من خصائصه مسبقًا. والمنتِج يكون أحيانًا عاطلًا تمامًا، وفي أحيانٍ أخرى مثقَلًا بالطلبات، حتى ليُضطَر أحيانًا إلى التعطُّل بينما لا يستطيع في أحيانٍ أخرى تلبية الطلب. وقد أدت هذه العيوب إلى إنتاج السلع لأجل بيعٍ مستقبلي غير مؤكَّد، حيث يحتفظ المنتِج بها في المخزون كي يتمكن من تلبية المتطلبات فورًا حال نشوئها. وهذه الطريقة في تزويد المجتمع هي التي تؤدي، مع استمرار التطور الاقتصادي، إلى المصانع (الإنتاج بالجملة) من جهة، وإلى شراء المستهلكين للسلع التجارية الجاهزة (المُنمَّطة) من جهةٍ أخرى. ومن ثَمَّ فإنها تتيح للمنتِج أعلى درجةٍ من الاقتصاد بسبب إمكانية الاستغلال الكامل لتقسيم العمل واستخدام الآلات، وتتيح للمستهلك أعلى درجةٍ من الأمان (الفحص قبل الشراء) ومن الراحة.
المنتجات التي يبقيها المنتجون أو الوسطاء جاهزةً للبيع تُسمَّى سلعًا تجارية. وفي الاستعمال العادي يقتصر تطبيق المصطلح على السلع المادية المنقولة (باستثناء النقود).79 وبما أنَّ كون شخصٍ ما يبقي جزءًا من ثروته جاهزًا للتبادل ليس دائمًا أمرًا جليًّا للأشخاص الآخرين، فمن المفهوم أنَّ مفهوم السلعة التجارية قد ضاق نطاقه أكثر فأكثر في الحياة العادية. ففي اللغة الشائعة صار مصطلح "السلع التجارية" يشير عمومًا إلى السلع التي يكون تخصيصها للبيع من قِبَل صاحبها واضحًا إلى حدٍّ تكون فيه نيته جليةً حتى للأشخاص الآخرين. ويمكن للمالك أن يُعبِّر عن نيته بطرقٍ شديدة الاختلاف. وأكثرها شيوعًا أن يُعبِّر عنها بعرض سلعه التجارية في الأماكن التي اعتاد المشترون التجمع فيها، مثل الأسواق والمواسم التجارية والبورصات المنظَّمة، أو غيرها من الأماكن الخاصة التي إمّا أنها معروفةٌ جيدًا بوصفها مواقع تتركز فيها السلع التجارية، وإمّا أنها تُبدي دليلًا على كونها نقاط تركُّزٍ بمظهرها الخارجي أو بعلاماتٍ مميِّزة ظاهرة بوضوح (مثل الحوانيت والمتاجر والمستودعات وما إلى ذلك). ومن ثَمَّ فإنَّ مفهوم السلعة التجارية، في الاستعمال الشائع، يضيق نطاقه ليصبح تسميةً لتلك السلع الاقتصادية التي تكون في ظروفٍ خارجية تجعل نية مالكها في بيعها قابلةً لأن يميِّزها أي شخصٍ بسهولة.
وكلما ارتفع مستوى الحضارة الذي يبلغه شعبٌ ما، وكلما ازداد تخصُّص إنتاج كل فردٍ مُدبِّر اقتصاديًّا، اتسعت أُسس التبادلات الاقتصادية، وكبُرت المقادير المطلقة والنسبية لتلك السلع التي تحمل في أي وقتٍ طابع السلعة التجارية، إلى أن تصبح المكاسب الاقتصادية التي يمكن استخلاصها من استغلال العلاقة المذكورة أعلاه كبيرةً بما يكفي لاستدعاء طبقةٍ خاصة من الأفراد المُدبِّرين اقتصاديًّا، يتولَّون الجوانب الفكرية والآلية لعمليات التبادل لصالح المجتمع، ويُعوَّضون عن ذلك بجزءٍ من مكاسب التجارة. ومتى حدث ذلك، لم تَعُد السلع الاقتصادية، في الغالب، تنتقل مباشرةً من المنتجين إلى المستهلكين، بل صارت كثيرًا ما تسلك مساراتٍ معقدة جدًّا عبر أيدي وسطاء أكثر أو أقل عددًا. وبحكم مهنتهم اعتاد هؤلاء الأشخاص أن يعاملوا سلعًا اقتصادية معينة بوصفها سلعًا تجارية، وأن يبقوا أماكن خاصة مفتوحةً للجمهور بغرض بيعها. وقد قصر الاستعمال الشائع الآن مصطلح "السلعة التجارية" على السلع التي تكون في أيدي هؤلاء التجار، وفي أيدي المنتجين الذين ينتجونها بنيةٍ ظاهرة لبيعها. وقد نشأ هذا الاستعمال بلا ريب لأنَّ نية مالكي هذه السلع في بيعها (merchandise، marchandises، Kaufmannsgüter، mercanzie، إلخ) سهلةُ التمييز على نحوٍ خاص لأي شخص.
لكن في الخطاب العلمي شُعِر بالحاجة إلى مصطلحٍ يُسمِّي جميع السلع الاقتصادية المُبقاة جاهزةً للبيع، بصرف النظر عن ماديتها أو قابليتها للنقل أو طابعها كنواتج للعمل، وبصرف النظر عن الأشخاص الذين يعرضونها للبيع. ولذلك عرَّف عددٌ كبير من الاقتصاديين، ولا سيما الاقتصاديون الألمان، السلع التجارية بأنها سلعٌ (اقتصادية) من أي نوع تكون مخصَّصة للبيع.
ومع ذلك فإنَّ مفهوم السلعة التجارية بالمعنى الشائع له أهميةٌ ليس فقط لأنَّ المشرِّعين80 وعددًا كبيرًا من الاقتصاديين يستخدمون المصطلح بالمعنى الشائع، بل أيضًا لأنَّ بعض الذين يدركون المعنى الأوسع العلمي للمصطلح يستخدمون أحيانًا هذا العنصر أو ذاك من المعنى الأضيق الشائع في تعريفاتهم.81
ويتبيَّن من التعريف الذي أُعطي للتو للسلعة التجارية بالمعنى العلمي للمصطلح أنَّ طابع السلعة التجارية ليس شيئًا متأصِّلًا في السلعة، ولا خاصيةً من خصائصها، بل هو مجرد علاقةٍ محددة بين السلعة والشخص الذي يتحكم فيها. وبزوال هذه العلاقة ينتهي طابع السلعة التجارية في السلعة. ولذلك تكفُّ السلعة عن أن تكون سلعةً تجارية إذا تخلَّى الفرد المُدبِّر اقتصاديًّا الذي يملكها عن نيته في التصرف فيها، أو إذا صارت إلى أيدي أشخاصٍ لا ينوون مبادلتها مجددًا بل استهلاكها. فالقبعة التي يعرضها القبَّعاتي، وقماش الحرير الذي يعرضه تاجر الحرير، للبيع في حانوتيهما مثالان على السلع التجارية، لكنهما يكفَّان فورًا عن كونهما سلعتين تجاريتين إذا قرر القبَّعاتي أن يستخدم القبعة بنفسه، وقرر تاجر الحرير أن يُهدي قماش الحرير لزوجته. وطرود السكر والبرتقال سلعٌ تجارية في يدي البقَّال، لكنها تفقد طابعها كسلعٍ تجارية بمجرد انتقالها إلى أيدي المستهلكين. كما أنَّ المعدن المسكوك يكفُّ هو أيضًا فورًا عن كونه "سلعةً تجارية" إذا نوى حائزه أن يستخدمه لا للتبادل بل لغرضٍ استهلاكي، كأن يُسلِّم ثالراته إلى صائغ فضةٍ لصنع آنية فضية، مثلًا.
لذلك فإن طابع السلعة ليس فقط ليس خاصية من خصائص الأموال، بل هو عادةً مجرد علاقة عابرة بين الأموال والأفراد المُدبِّرين اقتصادياً. فبعض الأموال يقصد أصحابها مبادلتها بأموال أفرادٍ آخرين مُدبِّرين اقتصادياً. وأثناء انتقالها، أحياناً عبر عدّة أيدٍ، من حيازة المالك الأول إلى حيازة المالك الأخير، نسمّيها «سلعاً»، لكنها ما إن تبلغ غايتها الاقتصادية (أي ما إن تصير في أيدي المستهلك النهائي) حتى تكفّ بوضوح عن كونها سلعاً وتصبح «أموالاً استهلاكية» بالمعنى الضيّق الذي يُقابَل فيه هذا المصطلح بمفهوم «السلعة». أما حيث لا يحدث ذلك، كما هو الحال كثيراً جداً، مثلاً مع الذهب والفضة وغيرهما، ولا سيما في صورة العملات المسكوكة، فإنها تظلّ بطبيعة الحال «سلعاً» ما دامت قائمةً في العلاقة المسؤولة عن طابعها السلعي.82
ويتّضح من هذا أمران: (1) أنّ القضية كثيرة الترداد القائلة بأنّ النقود «سلعة» لا تُسهم بشيء على الإطلاق في تفسير الموقع الفريد للنقود بين السلع؛ (2) أنّ رأي أولئك الذين ينكرون الطابع السلعي للنقود بحجّة أنّ «النقود بصفتها تلك، ولا سيما في صورة العملة المسكوكة، لا تخدم أيّ غرض استهلاكي» هو رأيٌ لا يصمد، لمجرّد أنّ الحجّة نفسها يمكن أن تُساق ضدّ الطابع السلعي لسائر الأموال جميعها — حتى لو تجاهلنا أنّ في افتراض أنّ النقود لا تُستهلَك سوء فهمٍ للوظيفة المهمة للنقود. ذلك أنّ ما من «سلعٍ» بصفتها تلك تخدم غرضاً استهلاكياً، وأقلّ ما تخدمه يكون في الصور التي تُتداوَل بها (أي في صورة السبائك والبالات، وفي الصناديق والطرود، إلخ). فلكي يُستهلَك المال لا بدّ أن يكفّ عن كونه «سلعة» وأن يتخلّى عن الصورة التي تداوَل بها (أي لا بدّ أن يُصهَر، ويُقسَّم، ويُفَكّ من تغليفه، إلخ). والعملة المسكوكة والسبيكة هما أكثر الصور شيوعاً التي تُتداوَل بها المعادن النفيسة، وكون هذه الصور لا بدّ من التخلّي عنها قبل أن يصير في الإمكان إدخال المعادن النفيسة في الاستهلاك ليس بالتالي أمراً يبرّر التشكيك في طابعها السلعي.
"Der Begriff des Geldes in seiner historisch-ökonomischen Entwickelung," ibid., VI (1866), 15; Gustav Schmoller, Zur Geschichte der deutschen Kleingewerbe im 19. Jahrhundert, Halle, 1870, pp. 165, 180, 511ff.
2. قابلية السلع للتسويق83
أ. الحدود الخارجية لقابلية السلع للتسويق
لطالما حظيت مسألة تفسير أسباب النسب المختلفة والمتغيّرة التي تُتبادَل بها كميات الأموال بعضها ببعض باهتمامٍ خاص من جانب الباحثين في حقل الاقتصاد. وقد جرت محاولاتٌ لحلّ هذه المسألة بقدر ما وُجد من مصنّفات اقتصادية مستقلّة. بل إنّ بعض الكُتّاب حوّلوا مصنّفاتهم فعلاً إلى نظريات في الأسعار. غير أنّ حقيقة أنّ الأموال المختلفة لا يمكن أن تُتبادَل بعضها ببعض بالسهولة ذاتها لم تنل سوى اهتمام ضئيل حتى الآن. ومع ذلك فإنّ الفوارق البيّنة في قابلية السلع للتسويق ظاهرةٌ ذات أهمية عملية بعيدة المدى إلى حدّ أنّ نجاح النشاط الاقتصادي للمنتجين والتجار يعتمد إلى حدّ بالغ على فهمٍ صحيح للمؤثّرات الفاعلة هنا، بحيث لا يسع العلم على المدى الطويل أن يتجنّب بحثاً دقيقاً في طبيعتها وأسبابها. بل من الواضح أيضاً أنّ حلّاً تامّاً ومُرضياً لمسألة نشأة النقود التي ما تزال محلّ خلاف، وهي أكثر الأموال جميعها قابليةً للتسييل، لا يمكن أن ينبثق إلّا من بحثٍ في هذا الموضوع.
بقدر ما أُتيح لي أن أُلاحظ، فإنّ قابلية السلع للتسويق محدودةٌ في أربعة اتّجاهات:
(1) قابليتها للتسويق محدودةٌ من حيث الأشخاص الذين يمكن بيعها لهم. فمالك السلعة لا يملك القدرة على بيعها لأيّ شخص يختاره. بل على العكس، يوجد دائماً عددٌ محدّد فحسب من الأفراد المُدبِّرين اقتصادياً ممّن يمكن أن تُباع لهم. وليست لديه أيّ فرصة لبيع سلعته لأشخاص (أ) ليست لديهم حاجة إليها، أو (ب) يمنعهم منع ظروف قانونية أو مادّية من شرائها، أو (ج) ليست لديهم معرفة بفرصة المبادلة المعروضة عليهم، أو أخيراً (د) لأيّ شخص لا تكون كمّيةٌ معيّنة من السلعة المعنية بالنسبة إليه مكافئةً لكمّية من المال المعروض في مقابلها أكبر ممّا هي عليه لدى المالك الأصلي للسلعة.84
إذا لاحظنا أعداد الأشخاص الذين تقتصر عليهم قابلية مختلف السلع للتسويق، انتصبت أمامنا صورة فوارق هائلة. قارِن فقط عدد الأشخاص الذين يمكن أن يُباع لهم الخبز واللحم بعدد الأشخاص الذين يمكن أن تُباع لهم الأجهزة الفلكية. أو قارِن عدد الأشخاص الذين يشترون النبيذ والتبغ بعدد الذين يشترون مصنّفاتٍ بالسنسكريتية. ويمكن ملاحظة فوارق مماثلة، بطريقة لعلّها أشدّ لفتاً للنظر، في قابلية أموالٍ من فئاتٍ فرعية مختلفة لكنها من النوع أو الصنف العام نفسه للتسويق. فتجّار الأدوات البصرية يحتفظون بنظّاراتٍ معروضة للبيع لكلّ درجات بُعد النظر وقصره. وتجّار القبّعات والقفّازات، والإسكافيون، وتجّار الفراء، لديهم قبّعات وقفّازات وأحذية وأنواع فراء بأحجام ونوعيات مختلفة. لكن ما أعظم الفارق بين عدد الأشخاص الذين تقتصر عليهم قابلية أقوى النظّارات للتسويق وعدد الأشخاص الذين يمكن أن تُباع لهم النظّارات ذات القوة المتوسطة! وما أعظم الفارق بين عدد الأشخاص الذين تمتدّ إليهم قابلية القفّازات أو القبّعات ذات الأحجام المتوسطة للتسويق وعدد الأشخاص الذين يشترون قفّازات وقبّعات بأحجام كبيرة جداً!
(2) قابلية السلع للتسويق محدودةٌ من حيث المساحة التي يمكن بيعها ضمنها. فلكي تُباع سلعةٌ في مكانٍ ما، يلزم، فضلاً عن الشرط السابق وهو أن يوجد عددٌ من الأشخاص ممّن يمكن أن تُباع لهم، (أ) أن لا يكون ثمّة عائق مادّي أو قانوني يحول دون نقلها إلى ذلك المكان أو دون عرضها هناك للبيع، و(ب) أن لا تستنفد تكاليف النقل ونفقاته الربح الذي يمكن أن يُجنى من فرصة المبادلة المرتقبة (ص 189).
الفوارق بين السلع المختلفة ليست أقلّ عِظَماً من حيث الامتداد الجغرافي للمساحات التي يمكن بيعها فيها منها من حيث الفوارق التي لاحظناها للتوّ في أعداد الأشخاص الذين يمكن أن تُباع لهم. فثمّة سلعٌ، نتيجةً لكون الحاجات إليها محدودةً مكانياً، لا يمكن بيعها إلّا في بلدة أو قرية واحدة، وأخرى لا يمكن بيعها إلّا في بضع مقاطعات، وبعضها في بلدٍ بعينه فحسب، وأخرى في جميع البلدان المتحضّرة، وغيرها يمكن بيعه في كلّ أنحاء العالم المأهولة. فالقبّعات الغريبة التي يرتديها سكّان الريف في بعض وديان تيرول لا يمكن بيعها إلّا في وادٍ بعينه؛ وقبّعات الفلّاحين السوابيين أو المجريين لا يسهل بيعها في غير سوابيا أو المجر؛ لكنّ أسواق العالم المتحضّر بأكمله تبقى مفتوحةً أمام القبّعات على أحدث طراز فرنسي. وللسبب ذاته، تقتصر قابلية أنواع الفراء الثقيلة للتسويق على المناطق الشمالية، وقابلية الصوفيات الثقيلة للتسويق على مناطق المنطقتين الشمالية والمعتدلة، في حين يمكن بيع البضائع القطنية الخفيفة في كلّ مكان من العالم بأسره تقريباً.
ثمّة فارقٌ لا يقلّ أهمية في حجم منطقة البيع يقوم على التضحيات الاقتصادية التي ينطوي عليها نقل السلع إلى الأسواق البعيدة. فحيث لا توجد سكك حديدية، فإنّ منطقة بيع حجر البناء العادي المأخوذ من محجرٍ غير واقع على مجرى مائي، ومناطق بيع الرمل والطين والسماد العادية، لا تمتدّ في الغالب إلى أبعد من ميلين أو ثلاثة. وحتى حيث توجد سكك حديدية، فإنّ مناطق بيع هذه السلع لا تتجاوز 15 أو 20 ميلاً إلّا في أندر الحالات. ومناطق بيع الفحم والخُثّ والحطب، في الظروف ذاتها، أوسع امتداداً لكنها مع ذلك مقيّدة تقييداً ضيّقاً. ومناطق بيع الحديد الغُفل والقمح أوسع كثيراً؛ ومناطق بيع الفولاذ ودقيق القمح أوسع من ذلك؛ ومنطقة بيع المعادن النفيسة والأحجار الكريمة واللآلئ تشمل عملياً كلّ أنحاء المعمورة حيث توجد حاجاتٌ إلى هذه الأموال وحيث تتوافر وسائل دفع ثمنها.
يجب أن تُستردّ التضحيات الاقتصادية التي ينطوي عليها النقل من الفارق بين السعر عند نقطة المنشأ والسعر عند الوجهة. وفيما يخصّ السلع المنخفضة القيمة، فمن الواضح أنّ هذا الفارق لا يمكن أن يكون يوماً ذا شأن. فالحطب يمكن شراؤه بأسعار منخفضة إلى حدٍّ متناهٍ في الصِّغَر في غابات البرازيل البِكر، بل حتى في بعض مناطق أوروبا الشرقية. وفي حالات كثيرة يمكن الحصول عليه مجاناً تماماً. لكنّ سعر الكُنتال الواحد من الحطب لا يبلغ في أيّ مكان من الارتفاع ما يكفي معه الفارق بينه وبين السعر عند مكان المنشأ، حتى لو كان هذا الأخير مساوياً للصفر، لتغطية تكاليف نقلٍ برّي طويل. أما في حالة السلع المرتفعة القيمة (الساعات مثلاً)، فعلى العكس، قد يكون الفارق بين سعر الكُنتال الواحد من السلعة في مكان الإنتاج وفي أبعد الأسواق (في جنيف، وفي نيويورك أو ريو دي جانيرو مثلاً) عالياً بسهولة بما يكفي، رغم السعر المرتفع أصلاً في سوق المنشأ، للتعويض عن نفقة نقل السلعة إلى مناطق البيع البعيدة. ومن ثَمّ فإنّ السلعة كلّما كانت أعلى قيمة كانت منطقة بيعها أوسع، مع تساوي سائر الأمور.
(3) السلع محدودةٌ كمّياً في قابليتها للتسويق. فقابلية السلعة للتسويق مقيّدةٌ كمّياً بالحاجات إليها التي ما تزال لم تُلبَّ بعد، بل هي مقيّدة، أبعد من ذلك، بتلك الكميات التي تتوافر بشأنها أُسس عمليات المبادلة الاقتصادية. فمهما كانت حاجات الفرد الواحد إلى سلعةٍ ما كبيرة، لا يمكن توقّع شراء كميات تتجاوز هذا المقدار خلال فترة زمنية معيّنة. وحتى ضمن حدود حاجاته، لن يكون الفرد مستعدّاً لأن يأخذ في المبادلة سوى الكميات التي تتوافر له بشأنها أُسس عمليات المبادلة الاقتصادية. والطلب على سلعةٍ ما عموماً يتألّف من طلبات مختلف الأفراد المُدبِّرين اقتصادياً الراغبين فيها. ولذلك فإنّ مجموع الكمّية من سلعةٍ ما التي يمكن بيعها لأفراد مجتمعٍ ما محدودٌ تماماً، في أيّ وضعٍ اقتصادي معيّن، ولا يمكن تصوّر مبيعات تتجاوز هذا الحدّ.
الحدود الكمّية لقابلية التسويق مختلفةٌ اختلافاً ملحوظاً باختلاف الأموال. فثمّة سلعٌ لا يمكن بيعها أبداً، في نقاط زمنية معيّنة، إلّا بكميات محدودة تحديداً ضيّقاً بسبب الحاجات إليها المحدودة تحديداً ضيّقاً. وثمّة أخرى تكون الحاجات إليها أكبر، ومن ثَمّ تمتدّ حدودها الكمّية للتسويق أبعد كثيراً. وثمّة بعدُ غيرها يمكن بيعه بأيّ مقادير يمكن تصوّرها عملياً تقريباً.
كان بإمكان ناشر مصنّفٍ عن لغة هنود التوبي أن يعوّل على بيع نحو 300 نسخة بسعرٍ معتدل للمصنّف. لكنه حتى بأدنى سعر، لم يكن في وسعه أن يعوّل على بيع أكثر من 600 نسخة. فالمصنّف العلمي الذي لا يهتمّ به سوى فئة ضيّقة من المتخصّصين، والمقصود لحاجات أجيال عدّة من العلماء، كثيراً ما لا يبلغ مبيعاته إلّا مع تنامي شهرة مؤلِّفه، ولا يمكن بيعه إلّا على مدى فترة زمنية طويلة. أما المصنّف عن علمٍ يجتذب اهتماماً عاماً فقد يبلغ، رغم طابعه العلمي، مبيعات عدّة آلاف من النسخ. وقد تبلغ المطبوعات العلمية المبسّطة مبيعات تتراوح بين 20,000 و30,000 نسخة أو أكثر. وقد تُباع أعمال الخيال الأدبي المهمّة، في ظروف مواتية، في طبعات من عدّة مئات الآلاف من النسخ. تأمّل الفوارق في الحدود الكمّية لقابلية التسويق بين مصنّفٍ عن آثار بيرو وقصائد Friedrich Schiller، أو بين مصنّفٍ عن السنسكريتية ومسرحيات Shakespeare! بل إنّ الفوارق في الحدود الكمّية لقابلية السلع للتسويق تكون أعظم بعدُ إذا تأمّلنا الخبز واللحم من جهة، والكينين أو القندس من جهة أخرى، أو البضائع القطنية والصوفية من جهة، والأجهزة الفلكية والعيّنات التشريحية من جهة أخرى. وأخيراً، قارِن الحدود الكمّية لقابلية القبّعات والقفّازات ذات الأحجام المتوسطة والكبيرة جداً للتسويق.
(4) أخيراً، تكون السلع محدودةً أيضاً في قابليتها للتسويق من حيث الفترات الزمنية التي يمكن بيعها فيها. فهناك سلع لا توجد عليها حاجات إلا في الشتاء؛ وأخرى لا توجد عليها حاجات إلا في الصيف؛ وأخرى لا يوجد عليها طلب إلا خلال فترة عابرة على نحوٍ أو آخر. إنّ برامج الاحتفالات القادمة أو معارض الفنون الجميلة، بل حتى الصحف وأصناف الموضة بمعنىً ما، هي سلع من هذا القبيل. وفي الواقع، فإنّ جميع السلع القابلة للتلف مقيَّدةٌ بطبيعتها ذاتها في قابليتها للتسويق ضمن فترة زمنية ضيقة.
ويُضاف إلى ذلك أنّ الاحتفاظ بالسلع "في المخزون" ينطوي عادةً على تضحيات اقتصادية غير يسيرة من جانب المالك. فتأثير رسوم التخزين وتكاليف الحفظ وخسارة الفائدة في حدود قابلية السلع للتسويق في الزمن يماثل تأثير رسوم الشحن وسائر تكاليف النقل في الحدود المكانية لقابليتها للتسويق. إنّ تاجر الماشية في حضارتنا، إذا كان لديه قطيع من المواشي جاهز للذبح والبيع، لا بدّ أن يحرص على بيعها ضمن حدود زمنية معيّنة، لأنها لن تكون فيما عدا ذلك في أفضل حالٍ، وبسبب خسارة الفائدة، وبوجه عام بسبب سائر التضحيات الاقتصادية المرتبطة حتماً بحيازة هذه الحيوانات بوصفها "سلعاً". كذلك فإنّ تاجر الصوف أو تاجر الحديد لديه سلع تقتصر قابليتها للتسويق على فترات زمنية معيّنة، لأسباب مادية من جهة واقتصادية من جهة أخرى (تكاليف التخزين، خسارة الفائدة).
ويمكن ملاحظة فروق كبيرة جداً في الفترات الزمنية التي يجب خلالها بيع مختلف السلع. فالحدود الزمنية التي يجب خلالها بيع المحار، واللحم الطازج، وكثير من الأطعمة والمشروبات المُعدَّة، والزهور المقطوفة، وبرامج الاحتفالات القادمة، والكُتيِّبات السياسية، وما إلى ذلك، تقتصر على العموم على أيام قليلة وكثيراً ما على ساعات قليلة فقط. أما الفترة التي يجب خلالها بيع معظم الفاكهة الطازجة، والصيد، والنباتات المُغروسة في الأصص، وكثير من أصناف الموضة، وما إلى ذلك، فمحدودة بأسابيع قليلة، وبأشهر قليلة في حالة سلع مماثلة أخرى، في حين أنّ الفترة التي يمكن خلالها بيع سلع أخرى غيرها، شريطة أن يمكن حفظها مدةً كافية وأن تستمر الحاجات إليها، تمتدّ إلى سنوات وعقود بل وحتى قرون.
تتباين التضحيات الاقتصادية المترتبة على حفظ السلع وتخزينها تبايناً كبيراً. ومن هذه الواقعة ينشأ عاملٌ آخر بالغ الأهمية مسؤولٌ عن الفروق في الحدود الزمنية لقابلية السلع للتسويق. فمن لديه أحجار بناء أو حطب للبيع يملك سلعاً يمكن تخزينها في حقلٍ مكشوف. ولذلك لن يكون مضطراً عادةً إلى إتمام بيعه بالسرعة نفسها التي يضطر إليها تاجر الأثاث، وهذا الأخير بدوره أقلّ إلزاماً بالبيع السريع من تاجر الخيل. أما مالك الذهب أو الفضة أو الأحجار الكريمة أو غيرها من السلع التي يمكن تخزينها دون تكلفة تقريباً (إذا أغفلنا اعتبار خسارة الفائدة)، فلديه سلع تمتدّ قابليتها للتسويق في الزمن أبعد بكثير من قابلية جميع السلع المذكورة آنفاً.
B. الدرجات المختلفة لقابلية السلع للتسويق.
رأينا في القسم السابق أنّ قابلية السلع للتسويق تقتصر تارةً على أعداد أكبر وتارةً على أعداد أصغر من الأشخاص، وضمن حدود مكانية وزمنية وكمّية أضيق تارةً وأوسع تارةً أخرى. غير أنني لم أصف في كل هذا سوى الحدود الخارجية التي يمكن ضمنها، في أيّ وضع اقتصادي معيّن، بيع السلع. أما الأسباب التي تحدّد السهولة الأكبر أو الأقل التي يمكن بها بيع السلع ضمن حدود قابليتها للتسويق هذه فلا تزال بحاجة إلى الفحص.
ولهذا الغرض يلزم البدء ببضع كلمات عن طبيعة السلع ونوايا حائزيها. فالسلعة هي خير اقتصادي مُعدٌّ للبيع. لكنه ليس مُعدّاً للبيع على نحوٍ غير مشروط. إنّ مالك السلعة يقصد بيعها، ولكن ليس بأيّ ثمن البتة. فالصائغ الذي لديه مخزون من الساعات يستطيع تصريف مخزونه بأكمله، في أيّ وضع يكاد يمكن تصوّره، لو كان مستعداً لبيع ساعاته بثالر واحد للساعة. وتاجر الجلود يستطيع هو أيضاً تصفية مخزونه لو كان مستعداً لبيع جلوده بأسعار مُدمِّرة مماثلة. ومع ذلك فقد يكون كلا التاجرين محقَّيْن إذا اشتكيا من ركود المبيعات، إذ إنّ سلعهما، وإن كانت مُعدَّة للبيع كما ذُكر، إنما هي مُعدَّة للبيع، لا بأيّ ثمن، بل بأسعار تتوافق مع الوضع الاقتصادي العام.
إنّ الأسعار التي تصبح نافذة هي دائماً نتاج أوضاع المنافسة القائمة (ص 218)، وتتوافق مع الوضع الاقتصادي العام توافقاً أوثق كلما كانت المنافسة على الجانبين أكمل. فإذا وُجدت أيّ ظروف تكبح عدداً من ذوي الحاجات إلى سلعةٍ ما عن التنافس عليها، هبط سعرها دون المستوى المتوافق مع الوضع الاقتصادي العام. وإذا وُجدت أيّ قيود على المنافسة في جانب العرض، ارتفع سعر السلعة فوق هذا المستوى.
إذا كانت المنافسة على سلعةٍ ما رديئة التنظيم، فنشأ بذلك خطر أن يعجز المالكون عن بيع ما لديهم من تلك السلعة بأسعار اقتصادية، في وقتٍ لا يوجد فيه هذا الخطر إطلاقاً، أو لا يوجد بالدرجة نفسها، لدى مالكي سلع أخرى، فمن الواضح أنّ هذا الظرف سيكون مسؤولاً عن فرق بالغ الأهمية بين قابلية تلك السلعة للتسويق وقابلية جميع السلع الأخرى. فالسلع الأخرى يمكن إيصالها إلى وجهاتها النهائية بسهولة وأمان، أما السلعة التي تكون سوقها رديئة التنظيم فلا يمكن إيصالها إلى وجهتها النهائية إلا بتضحيات اقتصادية، وفي بعض الحالات لا يمكن إيصالها البتة.
إنّ الأسواق، والمعارض، والبورصات، والمزادات العلنية التي تُعقد دورياً (كما هي الحال في الموانئ البحرية الكبرى مثلاً)، وغيرها من المؤسسات العامة المماثلة في طبيعتها، إنما تكون لغرض جمع كل المهتمين بتسعير سلعةٍ ما في مكانٍ بعينه، إما بصفة دائمة وإما دورياً، ضماناً لإرساء سعر اقتصادي. فالسلع التي توجد لها سوق منظَّمة يستطيع مالكوها بيعها دون عناء بأسعار تتوافق مع الوضع الاقتصادي العام. أما السلع التي توجد لها أسواق رديئة التنظيم فتتداول بأسعار غير متسقة، وقد يتعذّر أحياناً تصريفها على الإطلاق. وإنّ إنشاء سوق منظَّمة لصنفٍ ما يجعل في مقدور المنتجين، أو غيرهم من الأفراد المدبِّرين العاملين في تجارته، أن يبيعوا سلعهم في أيّ وقت بأسعار اقتصادية. وهكذا فإنّ افتتاح سوقٍ للصوف أو الحبوب في مدينةٍ ما يزيد زيادةً ملموسة من قابلية الصوف أو الحبوب للتسويق في المناطق المجاورة التي تُنتج فيها هذه الأصناف. وعلى نحوٍ مماثل، فإنّ قبول ورقة مالية للتداول في بورصة الأوراق المالية (ما يُسمى "الإدراج") يسهم في إرساء أسعار اقتصادية عند بيع تلك الورقة، كما يسهم على نحوٍ بارز في زيادة قابليتها للتسويق، إذ إنّ إدراج الورقة المالية يضمن لمالكيها البيع بأسعار اقتصادية.
إذا كان كل مستهلك يعرف أين يجد مالكي سلعةٍ ما، فإنّ هذه الواقعة وحدها تزيد إلى درجة عالية احتمالَ أن تُباع السلعة، في أيّ وقت، بسعر اقتصادي. ويتحقق ذلك على أحسن وجه في تجارة الجملة، بسبب الممارسة الشائعة كثيراً والمتمثلة في أن يجعل تجار سلعةٍ ما مستودعاتهم متقاربةً قدر الإمكان لكي يستحثّوا، بتركّزهم، تركّزاً مماثلاً للزبائن. وإنّ غياب هذا التركّز في تجارة التجزئة هو السبب الرئيسي في إرساء أسعار أقل اقتصاديةً في هذا الفرع من فروع التجارة، وإن كان هذا النقص ينشأ بشكل طبيعي عن رغبة المستهلكين في الراحة والاقتصاد في الوقت عند إجراء مشترياتهم.
لكنّ بيع السلعة بأسعار اقتصادية ليس النتيجة الوحيدة لوجود نقاط تركّزٍ للتداول وتكوين الأسعار. فالأسعار المُرساة في هذه المراكز التجارية تُعلَن باستمرار، مما يتيح للأشخاص المهتمين الذين تقع منشآتهم خارج المراكز التجارية أن يزاولوا هم أيضاً أعمالهم في أيّ وقت بأسعار تتوافق مع الوضع الاقتصادي. ومن البديهي أنّ كبار بائعي السلعة أو مشتريها نادراً ما يتبعون هذه الطريقة في مزاولة الأعمال، لأنّ لمعاملاتهم تأثيراً حاسماً في تكوين الأسعار. أما صغار رجال الأعمال الذين تكون نطاقات عملياتهم أضأل من أن يكون لها أيّ أثر يُذكر في الأسعار، فإنّ هذه الإعلانات العامة تضعهم في موضعٍ يمكّنهم من تنفيذ معاملاتهم على نحوٍ اقتصادي حتى خارج المركز التجاري، ومن ثَمّ من المشاركة في مزايا سوقٍ لا يزورونها أصلاً. ففي الريف المحيط بـ London قد يحدث أن يبرم مزارعٌ مستأجِر صفقةً مع طحّان بناءً على سعرٍ مُدرَج في The Times لسعر الحبوب في Mark Lane. وفي فيينا كثيراً ما تُبرَم مبيعات صغيرة من الكيروسين بناءً على سعرٍ مُدرَج في Neue Freie Presse أو غيرها من الصحف الموثوقة. وهكذا فإنّ نقاط تركّز التجارة في سلعةٍ ما تؤدي إلى نتيجة عامة جداً، هي وضع المالكين في موضعٍ يمكّنهم من بيع ما لديهم بأسعار اقتصادية لأيّ فرد مدبِّر يرغب في الحصول عليها.
وهكذا رأينا أنّ السبب الأول للفروق في قابلية السلع للتسويق هو واقعة أنّ عدد الأشخاص الذين يمكن بيعها لهم يكون أكبر تارةً وأصغر تارةً أخرى، وأنّ نقاط تركّز الأشخاص المهتمين بتسعيرها تكون أحسن تنظيماً تارةً وأقل تنظيماً تارةً أخرى.
وثانياً، هناك سلع يمكن بيعها في كل مكان تقريباً ضمن الحدود المكانية لقابليتها للتسويق. فالحيوانات الأليفة، والحبوب، والمعادن، وما شابهها من السلع الشائعة الاستعمال، لها أسواق في كل مكان تقريباً توجد فيه تجارة. فكل بلدة صغيرة بل وحتى أصغر قرية تصبح سوقاً لهذه السلع في أوقات معيّنة. وهناك سلع أخرى (الفراء، الشاي، النيلة) لا توجد لها سوى أسواق قليلة متباعدة على نطاق واسع.
وهذه الأسواق ليست مستقلة بعضها عن بعض في تكوين الأسعار. فإذا كانت سوقٌ ما ذات أهمية حاسمة، نُقلت تقارير المعاملات المُبرَمة فيها إلى جميع الأسواق الرئيسية الأخرى. وهناك فئة خاصة من الأفراد المدبِّرين، هم المضاربون، يحرصون على ألّا تتجاوز الفروق في السعر بين مختلف الأسواق تكاليف النقل تجاوزاً ملموساً.
وهكذا فإنّ السبب الثاني للفروق في قابلية السلع للتسويق هو واقعة أنّ المناطق الجغرافية التي ينحصر فيها بيعها تكون أوسع تارةً وأضيق تارةً أخرى، وأنه في حين توجد نقاط تداول كثيرة ضمن هذه المنطقة يمكن عندها بيع بعض السلع بأسعار اقتصادية، فلا توجد سوى نقاط قليلة من هذا القبيل في حالة سلع أخرى. فمالكو السلع من الصنف الأول يستطيعون بيعها كما يشاؤون في أماكن كثيرة على امتداد منطقة تجارية واسعة بأسعار اقتصادية، بينما لا يستطيع مالكو السلع من الصنف الثاني بيعها إلا في أماكن قليلة على امتداد منطقة تجارية ضيقة.
وثالثاً، هناك سلع توجد عليها مضاربة نشطة وحسنة التنظيم تستوعب كل جزء من الكمية المتاحة من السلع الواردة إلى السوق في أيّ وقت، حتى وإن زادت على الحاجات الجارية. وهناك أسواق سلعية أخرى لا تُمارَس فيها المضاربة، أو لا تُمارَس فيها بالقدر نفسه على الأقل، وفيها إذا أصابها فيضٌ من السلع، إما أن تهبط الأسعار هبوطاً سريعاً، وإما أن يُضطَر إلى إخراج السلع المجلوبة إلى السوق دون بيع. فالسلع من النوع الأول يمكن بيعها عموماً بأيّ كمية متاحة فعلاً في وقتٍ معيّن مع تضحية يسيرة في السعر، في حين أنّ مالك سلعةٍ لا توجد عليها مضاربة لا يستطيع بيع كميات تزيد على الحاجات الجارية إلا بخسائر فادحة جداً أو لا يستطيع بيعها على الإطلاق.
لقد أوردتُ مثالاً على هذه الفئة الأخيرة من السلع في موضع سابق حين أشرتُ إلى قابلية تسويق الكتب المؤلَّفة لفئات بعينها من الباحثين. وأهمُّ من ذلك في هذا الصدد السلع التي ليس لها استعمالٌ مستقل والتي لا تُطلَب إلا بوصفها أجزاءً من سلعٍ أخرى. فمهما كان ثمن زنبركات الساعات أو ثمن مقاييس الضغط لمحركات البخار، فإنّ الحاجة إليها تتحدّد بدقةٍ تكاد تكون تامةً بعدد الساعات أو محركات البخار المراد إنتاجها، ولا يمكن بيع كميةٍ أكبر بكثير من هذه السلع بأيّ ثمنٍ كان. وفي المقابل، فإنّ الذهب والفضة، وعدداً من السلع الأخرى التي تقابل كمياتُها المحدودة محدوديةً ضيّقةً حاجاتٍ تكاد لا تكون لها حدود، يمكن بيعها بأيّ كميةٍ مهما بلغت. ولا ريب في أنّ كميةً من الذهب تبلغ ألف ضعفِ الكمية المتوافرة حالياً، وكميةً من الفضة تبلغ مئة ضعف، ستظلّان تجدان مشترين لو طُرحتا في السوق. ومثل هذه الزيادات في الكميات المتوافرة من هذين المعدنين ستؤدي إلى هبوطٍ شديدٍ في أثمانهما، وعندئذٍ سيُستعملان بلا شكّ من قِبل قليلي الثراء في صنع الأدوات وأواني المائدة العادية، بل حتى من قِبل الفقراء في الزينة. ولكن حتى لو طُرحا في السوق بمثل هذه الكميات المتزايدة زيادةً هائلة، فلن يكون ذلك عبثاً؛ إذ سيظلّ بالإمكان بيعهما. أمّا زيادةٌ مماثلةٌ في أفضل الأعمال العلمية، أو في أرقى الأجهزة البصرية، أو حتى في سلعٍ بالغة الأهمية كالخبز واللحم، فإنها ستجعلها غير قابلةٍ للبيع بالمعنى الحرفي. ويترتّب على هذه الاعتبارات أنّ من يملك ذهباً أو فضةً يستطيع بكلّ يُسرٍ أن يبيع أيّ جزءٍ من الكمية المتوافرة لديه من هذين السلعتين في أيّ وقت، وفي أسوأ الأحوال بخسارةٍ طفيفةٍ في الثمن. أمّا التراكم المفاجئ لمعظم السلع فعادةً ما يفضي إلى هبوطٍ أكبر بكثير في الثمن، ويظلّ هناك دائماً احتمالُ ألا يمكن بيعها على الإطلاق في مثل هذه الظروف.
فالسبب الثالث للاختلافات في قابلية تسويق السلع هو إذن أنّ الحدود الكمّية للمقادير التي يمكن بيعها منها تكون تارةً أوسع وتارةً أضيق، وأنّ السلع التي تُطرح في السوق ضمن هذه الحدود يمكن بيع بعضها بسهولةٍ بأثمانٍ اقتصادية، في حين لا ينطبق ذلك على سلعٍ أخرى، أو لا ينطبق على الأقل بالدرجة نفسها.
وأخيراً، ثمة سلعٌ توجد لها أسواقٌ تكاد تكون مستمرة. فالأوراق المالية وعددٌ من المواد الخام يمكن تسويقها كلّ يوم في الأماكن التي توجد فيها بورصات السلع. وثمة سلعٌ أخرى يُتاجَر بها في يومين أو ثلاثة من أيام الأسبوع. وعادةً ما تكون هناك أسواقٌ أسبوعية للحبوب وسائر البقول، وأسواقٌ موسمية فصلية لمنتجات الصناعة، ومعرضان سنويان أو أكثر مما يُسمّى بالأسواق السنوية للخيول وغيرها من الحيوانات الأليفة، وهكذا.
فالسبب الرابع للاختلافات في قابلية تسويق السلع هو إذن أنّ الحدود الزمنية التي يمكن بيع السلع ضمنها تكون تارةً أوسع وتارةً أضيق، وأنّ بعض السلع يمكن بيعها ضمن هذه الحدود بأثمانٍ اقتصادية في أيّ وقت، في حين لا يمكن بيع سلعٍ أخرى إلا في نقاطٍ زمنيةٍ متباعدةٍ بدرجاتٍ متفاوتة.
وإذا التفتنا الآن بإيجازٍ إلى الظواهر الفعلية للحياة الاقتصادية ولاحظنا الاختلافات الهائلة في قابلية تسويق مختلف السلع، فلن يصعب علينا أن نردّ هذه الاختلافات إلى سببٍ أو أكثر من الأسباب الموضَّحة آنفاً.
إنّ من يملك كميةً من الحبوب يحوز في حيازته سلعةً يستطيع التصرّف فيها في أيّ لحظةٍ يشاؤها تقريباً حيثما وُجدت بورصات الحبوب. وحيثما لا توجد إلا أسواقٌ أسبوعية، فإنه يستطيع مع ذلك بيعها كلّ أسبوع بأثمانٍ تتفق مع الوضع الاقتصادي. فهو يملك بذلك سلعةً تكاد تكون، باستعمال مصطلحٍ تجاريٍّ بالغ الدلالة، "نقداً سائلاً". وتكمن أسباب ذلك في كثرة عدد الأشخاص الذين لهم حاجةٌ إلى الحبوب، وفي اتساع الحدود المكانية والزمانية والكمّية لقابلية تسويقها، وفي التنظيم الكفء عادةً لأسواق الحبوب، وفي حيوية المضاربة في هذه السلعة.
أمّا من يملك مخزوناً من الفراء فسيجد نفسه في وضعٍ أقلّ مواتاةً نوعاً ما من نواحٍ عديدة. فالحدود الكمّية لقابلية تسويق هذه السلعة أضيق بكثير، والأسواق أقلّ تنظيماً من أسواق الحبوب. يُضاف إلى ذلك أنّ أسواق الفراء كثيراً ما تكون متباعدةً جداً بعضها عن بعضٍ في المكان والزمان، وأنّ المضاربة في هذه السلعة أقلّ حيويةً بكثير منها في الحبوب. فمن يملك القمح سيكون قادراً على تصريف ما لديه في كلّ الظروف تقريباً إذا رضي بالبيع بجزءٍ من البنس دون السعر السوقي الجاري. وهذا لن يكون صحيحاً دائماً في حالة الفراء، وقد يحدث بسهولةٍ أكبر بكثير أن لا يستطيع المالك بيع ما لديه إلا بخسائر كبيرة نسبياً، أو ربما يتعذّر بيعه أحياناً على الإطلاق، فيُضطرّ من ثَمّ إلى الانتظار مدةً طويلةً قبل البيع. ولحصلنا على تباينٍ أشدّ لو قارنّا قابلية تسويق الحبوب بقابلية تسويق سلعٍ كالمناظير، والزخارف المصنوعة من حجر السبيولايت، والنباتات المزروعة في الأصص عموماً، أو بالأصناف الأقلّ قابليةً للتسويق من هذه السلع!
جيم. السهولة التي تتداول بها السلع.
في الأقسام السابقة، أوضحتُ الأسباب العامة والخاصة للاختلافات في قابلية تسويق السلع. وبعبارةٍ أخرى، بيّنتُ أسباب السهولة الأكبر أو الأقلّ التي يستطيع بها مالك السلع أن يتوقّع بيعها بأثمانٍ اقتصادية. وعند هذه النقطة قد يميل المرء إلى اعتبار مشكلة السهولة الأكبر أو الأقلّ التي يمكن بها للسلع أن تتداول عبر عدّة أيدٍ مشكلةً قد حُلّت أيضاً، ما دام تداول السلعة عبر عدّة أيدٍ لا يتألف إلا من عددٍ من المعاملات المفردة، فيظنّ أنّ السلعة التي يمكن نقلها بلا عناءٍ من يدِ مالكها إلى فردٍ اقتصاديٍّ آخر ينبغي أن تجد طريقها بالسهولة نفسها من يد المالك الثاني إلى يد ثالثٍ وهكذا. غير أنّ التجربة تُبيّن أنّ هذا ليس صحيحاً بالنسبة إلى جميع السلع. وفيما يلي ستكون مهمتنا أن نبحث في الأسباب الخاصة المسؤولة عن كون بعض السلع يمكن ملاحظة تداولها بيُسرٍ من يدٍ إلى يد، بينما لا يفعل ذلك غيرها، حتى بعض السلع التي تتمتّع بدرجةٍ عاليةٍ من قابلية التسويق.
بعض السلع لها القابلية نفسها للتسويق تقريباً في يدِ كلّ فردٍ اقتصادي. فحبيبات الذهب التي يستخرجها من رمال نهر أرانيوش غجريٌّ ترانسلفانيٌّ قَذِر هي قابلةٌ للبيع في يديه تماماً كقابليتها للبيع في يدِ صاحب منجم ذهب، شريطة أن يعرف الغجريُّ أين يجد السوق المناسبة لسلعته. فحبيبات الذهب يمكن أن تمرّ عبر أيّ عددٍ من الأيدي دونما أيّ نقصٍ على الإطلاق في قابليتها للتسويق. أمّا الملابس وأغطية الفراش والأطعمة المُعَدّة وما إليها، فستكون مَدعاةً للريبة وتكاد لا تكون قابلةً للبيع في يدِ الغجري، أو ستكون على أيّ حالٍ مُتدنّيةً في قيمتها تدنّياً شديداً، حتى لو لم يكن قد استعملها، وحتى لو كان قد اقتناها منذ البداية بنيّة تمريرها في مبادلة. ومهما بلغت قابلية مثل هذه السلع للبيع في أيدي منتجيها أو بعض التجار، فإنها تفقد قابليتها للتسويق كلياً، أو جزئياً على أيّ حال، إذا ما نشأت ولو شبهةٌ بأنها قد استُعملت من قبل أو وُجدت فحسب في أيدٍ غير نظيفة. ومن ثَمّ فإنها غير ملائمةٍ في المبادلة الاقتصادية للتداول من يدٍ إلى يد.
وثمة سلعٌ أخرى تتطلّب معرفةً خاصة، أو مهاراتٍ، أو تصاريح، أو رخصاً حكومية، أو امتيازاتٍ، وما إلى ذلك، من أجل بيعها، ولا تكون قابلةً للبيع البتة، أو لا تكون قابلةً للبيع إلا بصعوبة، في يدِ فردٍ لا يستطيع اكتساب هذه المتطلّبات. وعلى أيّ حالٍ فإنها تفقد قيمتها في يديه. فالسلع المعدّة للتجارة مع الهند أو أمريكا الجنوبية، والمستحضرات الصيدلانية، والأصناف المسجَّلة ببراءات الاختراع، وما إلى ذلك، قد تكون بالغة القابلية للبيع في أيدي أشخاصٍ بعينهم، لكنها تفقد جزءاً كبيراً من قابليتها للتسويق في أيدي أشخاصٍ آخرين. ومن ثَمّ فإنها، كسلع الفقرة السابقة، قليلة الملاءمة للتداول الحرّ من يدٍ إلى يد.
علاوةً على ذلك، فإنّ السلع التي يجب أن تُكيَّف تكييفاً خاصاً مع احتياجات المستهلك لكي تكون صالحةً للاستعمال أصلاً ليست قابلةً للبيع بدرجةٍ متساويةٍ في يدِ كلّ مالك. فالأحذية والقبعات وما شابهها، بجميع المقاسات، تكون دائماً قابلةً للبيع إلى حدٍّ معقولٍ في يدِ تاجر أحذية أو قبّعاتيٍّ يجتمع في حوانيته أو متاجره أعدادٌ كبيرة من الزبائن، خصوصاً وأنّ لدى هؤلاء التجار عموماً تسهيلاتٍ لتكييف السلع مع الاحتياجات الخاصة لزبائنهم. أمّا في يدِ شخصٍ آخر فلا يمكن بيع هذه السلع إلا بصعوبة، ودائماً تقريباً بخسارةٍ فادحة. فهذه السلع أيضاً غير ملائمةٍ للتداول الحرّ من يدٍ إلى يد.
كذلك فإنّ السلع التي لا تكون أثمانها معروفةً جيداً أو تكون عرضةً لتقلباتٍ كبيرة لا تنتقل بسهولةٍ من يدٍ إلى يد. فمن يشتري مثل هذه السلع يواجه خطر "دفع ثمنٍ مُبالَغٍ فيه" لها، أو تكبُّد خسارةٍ قبل أن يمرّرها بسبب هبوطٍ في الثمن. فـ"حصةٌ" من الحبوب في بورصة الحبوب، أو رزمةٌ من الأوراق المالية الرائجة في بورصة الأوراق المالية، يمكن أن تتداول بسهولةٍ عشر مراتٍ في غضون ساعاتٍ قليلة، أمّا المزارع والمصانع، التي لا يمكن تحديد قيمتها إلا بعد فحصٍ دقيقٍ لجميع الظروف ذات الصلة، فهي غير ملائمةٍ بالمرّة للتداول السريع. وحتى الأشخاص الذين ليسوا أعضاءً في بورصةٍ للأوراق المالية سيقبلون عن طيب خاطرٍ الأوراق المالية التي لا تخضع أثمانها لأيّ تقلّبٍ يُذكَر بدلاً من الدفع النقدي. أمّا السلع الخاضعة لتقلباتٍ عنيفةٍ في الأثمان فلا يمكن أن تتداول بسهولةٍ إلا "دون السعر السوقي"، لأنّ جميع الأشخاص غير الراغبين في المضاربة سيرغبون في حماية أنفسهم من الخسارة. وهكذا فإنّ السلع التي تكون أثمانها غير مؤكَّدةٍ أو شديدة التقلّب ليست هي الأخرى ملائمةً للتداول الحرّ من يدٍ إلى يد.
وأخيراً، من الواضح أنّ العوامل المتعددة التي تَحُدّ من قابلية تسويق السلع سيكون لها وزنٌ مضاعفٌ حيثما تُنقل السلع من يدٍ إلى يد، ومن مكانٍ إلى مكان، ومن فترةٍ زمنيةٍ إلى أخرى. فالسلع التي تقتصر قابلية تسويقها على عددٍ صغيرٍ من الأشخاص، والتي تكون منطقة بيعها محدودة، والتي لا يمكن حفظها إلا لمدةٍ قصيرة، والتي ينطوي حفظها على تضحياتٍ اقتصاديةٍ كبيرة، والتي لا يمكن طرحها في السوق إلا بكمياتٍ محدودةٍ بصرامةٍ في أيّ وقتٍ بعينه، أو التي تخضع أثمانها لتقلبات، وما إلى ذلك، قد تحتفظ جميعها بدرجةٍ ما من قابلية التسويق ضمن حدودٍ معيّنة (وإن كانت ضيّقةً جداً)، لكنها غير قادرةٍ على التداول بحرية.
وهكذا نجد أنّ السلعة لكي تكون قادرةً على التداول بحرية يجب أن تكون قابلةً للبيع بأوسع معاني الكلمة لدى كلّ فردٍ اقتصاديٍّ قد تمرّ عبر يديه، ويجب أن تكون قابلةً للبيع لدى كلٍّ من هؤلاء الأشخاص لا من جهةٍ واحدةٍ فحسب، بل من جميع الجهات الأربع التي نوقشت آنفاً.