نظرية القيمة
1. طبيعة القيمة وأصلها
إذا كانت الحاجات إلى سلعةٍ ما، خلال فترةٍ زمنيةٍ يُراد أن يمتدّ إليها نشاط الإنسان التدبيري، أكبر من الكمية المتاحة منها له في تلك الفترة، وإذا سعى الناس إلى إشباع حاجاتهم منها على أكمل وجهٍ ممكن في ظلّ الظروف القائمة، شعروا بدافعٍ يحملهم على ممارسة النشاط الذي وُصف سابقاً وأُطلق عليه التدبير الاقتصادي. لكن إدراكهم لهذه العلاقة يُولّد ظاهرةً أخرى، يكتسي الفهم الأعمق لها أهميةً حاسمةً لعلمنا. وأعني بذلك قيمة السلع.
إذا كانت الحاجات إلى سلعةٍ ما أكبر من الكمية المتاحة منها، وكان لا بدّ في كلّ الأحوال أن يبقى جزءٌ من الحاجات المعنيّة غير مُشبَع، فإنّ الكمية المتاحة من السلعة لا يمكن أن تنقص بأيّ جزءٍ من مجموعها، على نحوٍ جديرٍ بالاعتبار عملياً، دون أن يتسبّب ذلك في أن تظلّ حاجةٌ ما كانت مُؤمَّنة من قبلُ إمّا غير مُشبَعةٍ على الإطلاق أو مُشبَعةً على نحوٍ أقلّ اكتمالاً ممّا كان عليه الحال لولا ذلك. فإشباع حاجةٍ إنسانيةٍ ما يتوقّف إذن على توافر كلّ كميةٍ ملموسةٍ ذاتِ دلالةٍ عمليةٍ من جميع السلع الخاضعة لهذه العلاقة الكمّية. وإذا أدرك الناس المدبّرون لاقتصادهم هذا الظرف (أي إذا تبيّنوا أنّ إشباع إحدى حاجاتهم، أو درجة اكتمال إشباعها زيادةً أو نقصاناً، يتوقّف على تصرّفهم في كلّ جزءٍ من كميةٍ من السلع أو في كلّ سلعةٍ مفردةٍ خاضعةٍ للعلاقة الكمّية المذكورة أعلاه)، فإنّ هذه السلع تبلغ لديهم الدلالة التي نسمّيها القيمة. فالقيمة إذن هي الأهمية التي تبلغها لدينا السلع المفردة أو كميات السلع لأنّنا نعي أنّنا متوقّفون على التصرّف فيها لإشباع حاجاتنا.31
وعليه، فإنّ قيمة السلع ظاهرةٌ تنبثق من المصدر نفسه الذي ينبثق منه الطابع الاقتصادي للسلع، أي من تلك العلاقة، التي شُرحت سابقاً، بين الحاجات إلى السلع والكميات المتاحة منها.32 غير أنّ ثمّة فرقاً بين الظاهرتين. فمن جهة، يحفّز إدراكُ هذه العلاقة الكمّية نشاطَنا التدبيري، فيجعل السلع الخاضعة لهذه العلاقة موضوعاً لتدبيرنا الاقتصادي (أي سلعاً اقتصادية). ومن جهةٍ أخرى، يجعلنا إدراكُ العلاقة نفسها واعين بالدلالة التي يكتسيها تصرّفنا في كلّ وحدةٍ ملموسةٍ33 من الكميات المتاحة من هذه السلع بالنسبة إلى حياتنا ورفاهنا، فيجعلها بذلك تبلغ لدينا قيمةً.34 وكما أنّ بحثاً نافذاً في العمليات الذهنية يجعل معرفتنا للأشياء الخارجية تبدو مجرّد وعينا بالانطباعات التي تُحدثها الأشياء الخارجية في ذواتنا، وبذلك تبدو في التحليل الأخير مجرّد معرفةٍ لحالات ذواتنا، كذلك فإنّ الأهمية التي نسبغها على أشياء العالم الخارجي ليست في التحليل الأخير سوى انبثاقٍ من أهمية استمرار وجودنا ونمائنا بالنسبة إلينا (الحياة والرفاه). فالقيمة إذن ليست شيئاً متأصّلاً في السلع، ولا خاصيةً من خواصّها، بل هي مجرّد الأهمية التي نسبغها أوّلاً على إشباع حاجاتنا، أي على حياتنا ورفاهنا، ونحملها تَبَعاً لذلك على السلع الاقتصادية بوصفها الأسباب الحصرية لإشباع حاجاتنا.
ومن هنا يتّضح أيضاً لماذا لا تحمل لدينا قيمةً سوى السلع الاقتصادية، بينما السلع الخاضعة للعلاقة الكمّية المسؤولة عن الطابع غير الاقتصادي لا يمكنها أن تبلغ قيمةً على الإطلاق. فالعلاقة المسؤولة عن الطابع غير الاقتصادي للسلع تتمثّل في أن تكون الحاجات إلى السلع أصغر من الكميات المتاحة منها. ومن ثمّ توجد دائماً أجزاءٌ من مجموع المعروض من السلع غير الاقتصادية لا ترتبط بأيّ حاجةٍ إنسانيةٍ غير مُشبَعة، وبإمكانها بالتالي أن تفقد طابعها السلعي دون أن يمسّ ذلك بأيّ وجهٍ إشباعَ الحاجات الإنسانية. ومن ثمّ لا يتوقّف أيّ إشباعٍ35 على تحكّمنا في أيٍّ من وحدات سلعةٍ ذاتِ طابعٍ غير اقتصادي، ويترتّب على ذلك أنّ كمياتٍ معيّنةً من السلع الخاضعة لهذه العلاقة الكمّية (السلع غير الاقتصادية) لا تحمل لدينا أيضاً أيّ قيمة.
إذا كان لدى ساكنٍ في غابةٍ بكرٍ عدّة مئات الآلاف من الأشجار تحت تصرّفه، بينما لا يحتاج سوى عشرين شجرةً تقريباً في السنة لتأمين حاجاته من الخشب تأميناً كاملاً، فإنّه لن يعتبر نفسه متضرّراً بأيّ وجهٍ، في إشباع حاجاته، إذا أتلف حريقُ غابةٍ نحو ألف شجرةٍ منها، ما دام لا يزال قادراً على إشباع حاجاته بالباقي على نحوٍ كاملٍ كما كان من قبل. ففي مثل هذه الظروف، إذن، لا يتوقّف إشباع أيٍّ من حاجاته على تصرّفه في أيّ شجرةٍ مفردة، ولهذا السبب لا تحمل الشجرة لديه أيّ قيمةٍ أيضاً.
لكن لنفترض أنّ في الغابة أيضاً عشر أشجار فاكهةٍ بريّةٍ يستهلك ثمارها الشخص نفسه. ولنفترض كذلك أنّ كمية الفاكهة المتاحة له ليست أكبر من حاجاته. فعندئذٍ من المؤكّد أنّه لا يمكن أن تحترق شجرةٌ واحدةٌ من أشجار الفاكهة هذه في الحريق دون أن يتسبّب ذلك في معاناته من الجوع نتيجةً لذلك، أو دون أن يتسبّب على الأقلّ في عجزه عن إشباع حاجته إلى الفاكهة إشباعاً كاملاً كما كان من قبل. ولهذا السبب تحمل كلٌّ من أشجار الفاكهة لديه قيمة.
إذا كان سكّان قريةٍ يحتاجون يومياً إلى ألف دلوٍ من الماء لتلبية حاجاتهم تلبيةً كاملة، وكان تحت تصرّفهم جدولٌ يبلغ تدفّقه اليومي مئة ألف دلو، فإنّ جزءاً ملموساً من هذه الكمية من الماء، دلواً واحداً مثلاً، لن تكون له لديهم أيّ قيمة، إذ يمكنهم إشباع حاجاتهم إلى الماء إشباعاً كاملاً تماماً لو أُزيل هذا الجزء من تصرّفهم، أو لو فقد طابعه السلعي بالكامل. بل إنّهم سيتركون عدّة آلاف من دلاء هذه السلعة تتدفّق إلى البحر كلّ يومٍ دون أن يمسّ ذلك بأيّ وجهٍ إشباعَ حاجتهم إلى الماء. وما دامت العلاقة المسؤولة عن الطابع غير الاقتصادي للماء قائمةً، إذن، فلن يتوقّف إشباع أيٍّ من حاجاتهم على تصرّفهم في أيّ دلوٍ من الماء على نحوٍ بحيث لا يحدث إشباع هذه الحاجة لو لم يكونوا في وضعٍ يتيح لهم استخدام ذلك الدلو بعينه. ولهذا السبب لا يحمل دلوُ الماء لديهم أيّ قيمة.
أمّا إذا انخفض التدفّق اليومي للجدول، من جهةٍ أخرى، إلى خمسمئة دلوٍ في اليوم بسبب جفافٍ غير معتادٍ أو فعلٍ آخر من أفعال الطبيعة، ولم يكن لسكّان القرية أيّ مصدرٍ آخر للإمداد، لكانت النتيجة أنّ الكمية الإجمالية المتاحة عندئذٍ ستكون غير كافيةٍ لإشباع حاجاتهم الكاملة إلى الماء، ولما استطاعوا أن يجازفوا بفقدان أيّ جزءٍ من تلك الكمية، دلوٍ واحدٍ مثلاً، دون أن يمسّ ذلك بإشباع حاجاتهم. وعندئذٍ سيكون لكلّ جزءٍ ملموسٍ من الكمية المتاحة تحت تصرّفهم قيمةٌ لديهم بالتأكيد.
فالسلع غير الاقتصادية، إذن، لا تفتقر فحسب إلى القيمة التبادلية، كما افتُرض من قبلُ في أدبيات موضوعنا، بل تفتقر إلى أيّ قيمةٍ على الإطلاق، ومن ثمّ تفتقر إلى أيّ قيمةٍ استعمالية. وسأحاول لاحقاً أن أشرح بمزيدٍ من التفصيل العلاقة بين القيمة التبادلية والقيمة الاستعمالية، بعد أن أكون قد تناولت بعض المبادئ المتّصلة بالنظر فيهما. وفي الوقت الراهن، يكفي أن نلاحظ أنّ القيمة التبادلية والقيمة الاستعمالية مفهومان يندرجان تحت المفهوم العامّ للقيمة، ومن ثمّ فهما متناظران في علاقة كلٍّ منهما بالآخر. وكلّ ما قلتُه بالفعل عن القيمة بوجهٍ عامٍّ صالحٌ تَبَعاً لذلك للقيمة الاستعمالية كما هو صالحٌ للقيمة التبادلية.
وإذا كان عددٌ كبيرٌ من علماء الاقتصاد ينسبون القيمة الاستعمالية (وإن لم ينسبوا القيمة التبادلية) إلى السلع غير الاقتصادية، وإذا كان بعض علماء الاقتصاد الإنجليز والفرنسيين المحدثين يرغبون حتى في طرد مفهوم القيمة الاستعمالية كلّياً من علمنا ويرَون استبداله بمفهوم المنفعة،36 فإنّ رغبتهم تقوم على سوء فهمٍ للفرق المهمّ بين المفهومين والظواهر الفعلية الكامنة وراءهما.
المنفعة هي قدرة الشيء على أن يخدم إشباع الحاجات الإنسانية، ومن ثمّ فهي (شريطة أن تكون المنفعة مُدرَكة) شرطٌ عامٌّ مسبقٌ للطابع السلعي. والسلع غير الاقتصادية تملك المنفعة شأنها شأن السلع الاقتصادية، إذ إنّها قادرةٌ تماماً مثلها على إشباع حاجاتنا. ومع هذه السلع أيضاً، لا بدّ أن يدرك الناس قدرتها على إشباع الحاجات، إذ لولا ذلك لما اكتسبت الطابع السلعي. لكن ما يميّز السلعة غير الاقتصادية عن سلعةٍ خاضعةٍ للعلاقة الكمّية المسؤولة عن الطابع الاقتصادي هو أنّ إشباع الحاجات الإنسانية لا يتوقّف على توافر كمياتٍ ملموسةٍ من الأولى، لكنّه يتوقّف على توافر كمياتٍ ملموسةٍ من الثانية. ولهذا السبب تملك الأولى المنفعة، لكن لا تملك سوى الثانية، إضافةً إلى المنفعة، تلك الدلالة التي تكتسيها لدينا والتي نسمّيها القيمة.
وبطبيعة الحال، لم يكن للخطأ الكامن وراء الخلط بين المنفعة والقيمة الاستعمالية أيّ تأثيرٍ على النشاط العملي للناس. فما من وقتٍ نسب فيه فردٌ مدبّرٌ لاقتصاده، في الظروف العادية، قيمةً إلى قدمٍ مكعّبٍ من الهواء، أو، في المناطق الغنيّة بالينابيع، إلى رِطلٍ من الماء. فالرجل العملي يميّز تماماً قدرةَ الشيء على إشباع إحدى حاجاته عن قيمته. لكنّ هذا الخلط أصبح عائقاً هائلاً أمام تطوّر النظريات الأعمّ في علمنا.37
إنّ كون السلعة تحمل لدينا قيمةً يُعزى، كما رأينا، إلى أنّ التصرّف فيها يكتسي لدينا دلالة إشباع حاجةٍ ما كانت لتُؤمَّن لو لم يكن لنا التصرّف في السلعة. وحاجاتنا، على الأقلّ جزئياً، وعلى الأقلّ من حيث منشؤها، تتوقّف على إرادتنا أو على عاداتنا. لكن بمجرّد أن تكون الحاجات قد نشأت، لم يبقَ أيّ عنصرٍ اعتباطيٍّ آخر في القيمة التي تحملها السلع لدينا، إذ تكون قيمتها عندئذٍ النتيجة الحتمية لمعرفتنا بأهميتها لحياتنا أو لرفاهنا. ومن ثمّ يستحيل علينا أن نعدّ سلعةً عديمة القيمة حين نعلم أنّ إشباع إحدى حاجاتنا يتوقّف على توافرها تحت تصرّفنا. كما يستحيل علينا أن ننسب قيمةً إلى سلعٍ حين نعلم أنّنا لسنا متوقّفين عليها في إشباع حاجاتنا. فقيمة السلع، إذن، ليست شيئاً اعتباطياً، بل هي دائماً النتيجة الحتمية لمعرفة الإنسان بأنّ حفظ الحياة، أو الرفاه، أو أيّ جزءٍ منهما مهما تضاءلت أهميته، يتوقّف على التحكّم في سلعةٍ أو كميةٍ من السلع.
غير أنّه، فيما يتعلّق بهذه المعرفة، قد يقع الناس في الخطأ بشأن قيمة السلع تماماً كما قد يقعون في الخطأ فيما يتعلّق بسائر موضوعات المعرفة الإنسانية. ومن ثمّ قد ينسبون قيمةً إلى أشياء لا تملكها في الواقع وفقاً للاعتبارات الاقتصادية، إذا افترضوا خطأً أنّ إشباع حاجاتهم اكتمالاً أو نقصاناً يتوقّف على سلعةٍ أو كميةٍ من السلع، في حين أنّ هذه العلاقة منعدمةٌ في الواقع. وفي مثل هذه الحالات نلاحظ ظاهرة القيمة الوهمية.
تنشأ قيمة السلع من علاقتها بحاجاتنا، وهي ليست كامنة في السلع نفسها. ومع تغيّر هذه العلاقة، تنشأ القيمة وتزول. فبالنسبة لسكان واحة يملكون التحكم في نبع يلبّي بوفرة احتياجاتهم من الماء، لن يكون لكمية معيّنة من الماء عند النبع نفسه أي قيمة. لكن لو أنّ النبع، نتيجة زلزال، تناقص فجأة ما يضخّه من ماء إلى حدٍّ لم يعد معه إشباع حاجات سكان الواحة مؤمَّنًا بالكامل، فإنّ كلًّا من حاجاتهم العينية إلى الماء سيغدو متوقفًا على توافر كمية محددة منه، وستكتسب هذه الكمية على الفور قيمةً لكل ساكن. غير أنّ هذه القيمة ستزول فجأة لو أُعيد إرساء العلاقة القديمة واستعاد النبع غزارته السابقة من الماء. ونتيجة مماثلة كانت ستترتّب لو ازداد عدد سكان الواحة إلى حدٍّ لم يعد معه ماء النبع كافيًا لإشباع جميع الحاجات. بل إنّ تغييرًا من هذا القبيل، ناجمًا عن ازدياد المستهلكين، قد يحدث بانتظام نسبي في الأوقات التي تَفِد فيها على الواحة قوافل كثيرة.
وهكذا فإنّ القيمة ليست شيئًا كامنًا في السلع، ولا خاصّة من خواصها، ولا شيئًا مستقلًّا قائمًا بذاته. إنها حكمٌ يصدره البشر المُدبِّرون لاقتصادهم بشأن أهمية السلع المتاحة لهم في صون حياتهم ورفاههم. ومن ثَمّ فإنّ القيمة لا توجد خارج وعي البشر. ولهذا فمن الخطأ الجسيم أيضًا أن يُسمّى السلعةُ التي لها قيمة لدى الأفراد المُدبِّرين «قيمةً»، أو أن يتحدث الاقتصاديون عن «القيم» بوصفها أشياء واقعية مستقلة، فيُجسِّموا القيمة على هذا النحو. ذلك أنّ الكيانات الموجودة موضوعيًّا ليست أبدًا سوى أشياء بعينها أو كميات من أشياء، وقيمتها شيءٌ مختلف اختلافًا جذريًّا عن الأشياء نفسها؛ إنها حكمٌ يصدره الأفراد المُدبِّرون لاقتصادهم بشأن الأهمية التي يحظى بها تحكّمهم في الأشياء من أجل صون حياتهم ورفاههم. على أنّ تجسيم قيمة السلع، وهي ذاتية الطبيعة كليًّا، قد أسهم مع ذلك إسهامًا بالغًا في الالتباس الحاصل حول المبادئ الأساسية لعلمنا.
2. المقياس الأصلي للقيمة
في ما سبق، وجّهنا انتباهنا إلى طبيعة القيمة وأسبابها النهائية — أي إلى العوامل المشتركة في القيمة في جميع الحالات. لكننا نجد في الحياة الفعلية أنّ قيم السلع المختلفة متباينة جدًّا في مقدارها، وأنّ قيمة سلعة معيّنة كثيرًا ما تتغير. وإنّ بحث أسباب الفروق في قيمة السلع وبحث مقياس القيمة هما الموضوعان اللذان سيشغلاننا في هذا القسم. ويتحدد مسار بحثنا بالاعتبار التالي.
ليست للسلع المتاحة لنا قيمةٌ في ذاتها من أجل ذاتها. بل على العكس، رأينا أنّ إشباع حاجاتنا وحده هو ما له أهمية مباشرة عندنا، إذ تتوقف عليه حياتنا ورفاهنا. لكنني أوضحتُ أيضًا أنّ البشر يُضفون هذه الأهمية على السلع المتاحة لهم إذا كانت هذه السلع تكفل لهم إشباع حاجات لم تكن لتُؤمَّن لو لم يملكوا التحكم فيها — أي إنهم يُضفون هذه الأهمية على السلع الاقتصادية. ومن ثَمّ فإننا في قيمة السلع لا نلتقي أبدًا إلا بالأهمية التي نسندها إلى إشباع حاجاتنا — أي إلى حياتنا ورفاهنا. فإن كنتُ قد وصفتُ على نحوٍ كافٍ طبيعة قيمة السلع، وإن ثبت أنّ إشباع حاجاتنا وحده هو ما له أهمية عندنا في نهاية التحليل، وثبت كذلك أنّ قيمة جميع السلع ليست سوى عزوٍ لهذه الأهمية إلى السلع الاقتصادية، فإنّ الفروق التي نلاحظها في مقدار قيمة السلع المختلفة في الحياة الفعلية لا يمكن أن تقوم إلا على فروق في مقدار أهمية الإشباعات المتوقفة على تحكّمنا في هذه السلع. ولكي نردّ الفروق التي نلاحظها في مقدار قيمة السلع المختلفة في الحياة الفعلية إلى أسبابها النهائية، يتعيّن علينا إذن أن نؤدّي مهمة مزدوجة. علينا أن نبحث: (1) إلى أيّ مدى تكون للإشباعات المختلفة درجات أهمية متفاوتة عندنا (العامل الذاتي)، و(2) أيّ إشباعات لحاجات عينية تتوقف، في كل حالة على حدة، على تحكّمنا في سلعة بعينها (العامل الموضوعي). فإن أظهر هذا البحث أنّ الإشباعات المنفصلة لحاجات عينية تختلف في درجات أهميتها عندنا، وأنّ هذه الإشباعات، على هذا التفاوت في درجات الأهمية، تتوقف على تحكّمنا في سلع اقتصادية بعينها، نكون قد حللنا مشكلتنا. ذلك أننا نكون قد رددنا الظاهرة الاقتصادية التي بيّنّا أنّ تفسيرها هو المشكلة المحورية لهذا البحث إلى أسبابها النهائية. وأعني الفروق في مقدار قيمة السلع.
ومع الإجابة عن مسألة الأسباب النهائية للفروق في قيمة السلع، يُقدَّم أيضًا حلٌّ لمشكلة كيف يحدث أن تكون قيمة كل سلعة من السلع المختلفة هي نفسها عُرضةً للتغيّر. فكل تغيّر ليس سوى فروق عبر الزمن. ومن ثَمّ، بمعرفة الأسباب النهائية للفروق بين عناصر مجموعة من المقادير عمومًا، نحصل أيضًا على بصيرة أعمق في تغيّراتها.
أ. الفروق في مقدار أهمية الإشباعات المختلفة (العامل الذاتي).
في ما يخصّ الفروق في الأهمية التي تحظى بها الإشباعات المختلفة عندنا، فإنّ من أكثر حقائق التجربة شيوعًا، قبل كل شيء، أنّ الإشباعات الأعظم أهميةً عند البشر هي عادةً تلك التي يتوقف عليها صون الحياة، وأنّ الإشباعات الأخرى تتدرّج في مقدار أهميتها وفقًا لدرجة (مدّة وشدّة) اللذة المتوقفة عليها. وهكذا، إذا تعيّن على البشر المُدبِّرين لاقتصادهم الاختيار بين إشباع حاجة يتوقف عليها صون حياتهم وإشباع حاجة أخرى لا يتوقف عليها سوى درجة أكبر أو أقل من الرفاه، فإنهم يُؤثِرون عادةً الأولى. وعلى نحوٍ مماثل، يُؤثِرون عادةً الإشباعات التي تتوقف عليها درجة أعلى من رفاههم. وعند تساوي الشدّة، يُؤثِرون اللذات الأطول مدّةً على اللذات الأقصر مدّةً، وعند تساوي المدّة، اللذات الأشدّ على اللذات الأقلّ شدّةً.
يتوقف صون حياتنا على إشباع حاجتنا إلى الغذاء، وكذلك، في مناخنا، على كسوة أبداننا وتوافر مأوى لنا. أما مجرّد درجة أعلى من الرفاه فيتوقف على امتلاكنا عربةً أو رقعةَ شطرنج وما إلى ذلك. وهكذا نلاحظ أنّ البشر يخشَون فقدان الغذاء والكساء والمأوى أكثر بكثير من فقدان العربة ورقعة الشطرنج وما إلى ذلك. كما أنهم يُضفون أهميةً أعلى بكثير على ضمان إشباع الحاجات الأولى مما يُضفونه على إشباع الحاجات التي لا يتوقف عليها، كما في الحالات المذكورة آنفًا، سوى متعةٍ عابرة أو راحةٍ مُتزايدة (أي مجرّد درجة أعلى من رفاههم). لكنّ هذه الإشباعات أيضًا متفاوتةٌ تفاوتًا كبيرًا في درجات أهميتها. فصون الحياة لا يتوقف على امتلاك سرير مريح ولا على امتلاك رقعة شطرنج، لكنّ استعمال هاتين السلعتين يُسهم، وبدرجات متفاوتة جدًّا قطعًا، في زيادة رفاهنا. ومن ثَمّ لا يمكن أن يكون ثمة شكٌّ أيضًا في أنّ البشر، حين يكون أمامهم خيارٌ بين الاستغناء عن سرير مريح أو الاستغناء عن رقعة شطرنج، سيتخلّون عن الأخيرة أيسرَ كثيرًا من تخلّيهم عن الأول.
وهكذا رأينا أنّ الإشباعات المختلفة غير متساوية إطلاقًا في الأهمية، إذ إنّ بعضها إشباعات لها عند البشر كاملُ أهمية صون حياتهم، وبعضها الآخر إشباعات تحدد رفاههم بدرجة أعلى، وبعضها بدرجة أقل، وهكذا نزولًا إلى إشباعات يتوقف عليها متعةٌ عابرة تافهة. لكنّ التدقيق في ظواهر الحياة يُبيّن أنّ هذه الفروق في أهمية الإشباعات المختلفة يمكن ملاحظتها لا في إشباع حاجات من أنواع مختلفة فحسب، بل أيضًا في الإشباع الأكثر أو الأقل اكتمالًا لحاجة واحدة بعينها.
تتوقف حياة البشر على إشباع حاجتهم إلى الغذاء عمومًا. لكن من الخطأ التام أن نعدّ جميع الأطعمة التي يستهلكونها ضروريةً لصون حياتهم أو حتى صحتهم (أي لرفاههم المستمر). فالجميع يعلم كم يَسهل تخطّي إحدى الوجبات المعتادة من دون تعريض الحياة أو الصحة للخطر. بل إنّ التجربة تُبيّن أنّ كميات الغذاء اللازمة لصون الحياة ليست سوى جزء صغير مما يستهلكه الميسورون عادةً، وأنّ البشر يتناولون من الطعام والشراب أكثر بكثير مما يلزم للحفاظ التام على الصحة. ويستهلك البشر الغذاء لأسباب عدة: فهم يتناولونه قبل كل شيء لصون الحياة؛ وفوق ذلك يتناولون كميات إضافية للحفاظ على الصحة، إذ إنّ نظامًا غذائيًّا يكفي لمجرّد صون الحياة هو، كما تُبيّن التجربة، من الشحّ بحيث لا يقي من الاختلالات العضوية؛ وأخيرًا، بعد أن يكونوا قد استهلكوا كميات تكفي لصون الحياة والحفاظ على الصحة، يتناول البشر مزيدًا من الأطعمة لمجرّد اللذة المستمدة من استهلاكها.
وعليه فإنّ الأفعال العينية المنفصلة لإشباع الحاجة إلى الغذاء متفاوتةٌ تفاوتًا كبيرًا في درجات أهميتها. فإشباع حاجة كل إنسان إلى الغذاء حتى النقطة التي تُؤمَّن عندها حياته له كاملُ أهمية صون حياته. والاستهلاك الذي يتجاوز هذا القدر، وحتى نقطة معيّنة أيضًا، له أهمية الحفاظ على صحته (أي رفاهه المستمر). والاستهلاك الذي يمتدّ إلى ما هو أبعد من هذه النقطة ليست له سوى أهمية — كما تُبيّن الملاحظة — لذّةٍ متناقصة على نحوٍ مطّرد، إلى أن يبلغ أخيرًا حدًّا معيّنًا يكون عنده إشباع الحاجة إلى الغذاء من الاكتمال بحيث لا يُسهم أيّ تناول إضافي للطعام لا في صون الحياة ولا في الحفاظ على الصحة — بل لا يمنح المستهلك حتى لذّة، فيغدو أولًا أمرًا لا يبالي به، ثم في النهاية سببًا للألم، وخطرًا على الصحة، وأخيرًا خطرًا على الحياة نفسها.
ويمكن إجراء ملاحظات مماثلة في ما يخصّ الإشباع الأكثر أو الأقل اكتمالًا لسائر الحاجات الإنسانية الأخرى. فالغرفة، أو على الأقل مكانٌ ما للنوم محميٌّ من تقلّبات الجو، ضروريٌّ في مناخنا لصون الحياة، ومسكنٌ فسيحٌ بقدرٍ معقول ضروريٌّ للحفاظ على الصحة. لكنّ البشر، فوق ذلك، يمتلكون عادةً مرافقَ إضافية، إن توافرت لهم الوسائل، لمجرّد أغراض اللذة (صالونات الاستقبال، وقاعات الرقص، وغرف اللعب، والأجنحة، وأكواخ الصيد، وما إلى ذلك). وهكذا ليس من العسير أن نُدرك أنّ الأفعال العينية المنفصلة لإشباع الحاجة إلى المأوى متفاوتةٌ تفاوتًا كبيرًا في درجات أهميتها. فحتى نقطة معيّنة، تتوقف حياتنا على إشباع حاجتنا إلى المأوى. وفوق ذلك، تتوقف صحتنا على إشباع أكثر اكتمالًا. وستجلب المحاولات الإضافية لإشباع الحاجة نفسها متعةً أكبر أولًا ثم أصغر، إلى أن يمكن أخيرًا تصوّر نقطة، لكل شخص، يغدو عندها التوظيف الإضافي للمرافق المتاحة أمرًا لا يبالي به البالي التام، بل عبئًا في النهاية.
من الممكن إذن، فيما يتعلق بالإشباع الأكثر أو الأقل اكتمالاً لحاجة واحدة بعينها، إجراء ملاحظة مماثلة لتلك التي أجريناها سابقاً بصدد الحاجات المختلفة لدى البشر. لقد رأينا سابقاً أن الحاجات المختلفة لدى البشر متفاوتة جداً في أهمية إشباعها، إذ تتدرج من أهمية حياتهم نزولاً إلى الأهمية التي يعزونها إلى متعة عابرة صغيرة. ونرى الآن، إضافة إلى ذلك، أن إشباع أي حاجة محددة واحدة يكون له، حتى درجة معينة من الاكتمال، أعلى أهمية نسبياً، وأن الإشباع الإضافي يكون له أهمية متناقصة باطّراد، إلى أن تُبلغ في النهاية مرحلة يصبح عندها الإشباع الأكثر اكتمالاً لتلك الحاجة بعينها أمراً لا يُعتدّ به. وفي نهاية المطاف تحدث مرحلة لا يعود فيها لكل فعل يحمل الظاهر الخارجي لإشباع هذه الحاجة أي أهمية إضافية لدى المستهلك، بل يكون عبئاً وألماً.
بغية إعادة صياغة الحجة السابقة عددياً، تيسيراً لاستيعاب البحث الصعب اللاحق، سأرمز إلى أهمية الإشباعات التي تتوقف عليها الحياة بالعدد 10، وإلى الأهمية الأصغر للإشباعات الأخرى تباعاً بالأعداد 9 و8 و7 و6 وهكذا. وبهذه الطريقة نحصل على سُلَّم لأهمية الإشباعات المختلفة يبدأ بالعدد 10 وينتهي بالعدد 1.
لنُعطِ الآن، لكل من هذه الإشباعات المختلفة، تعبيراً عددياً عن الأهمية الإضافية، المتناقصة درجةً درجةً انطلاقاً من الرقم الدال على مدى ما تَحقَّق فعلاً من إشباع الحاجة بعينها، لأفعال الإشباع اللاحقة لتلك الحاجة بعينها. فبالنسبة إلى الإشباعات التي تتوقف عليها حياتنا حتى نقطة معينة، والتي يتوقف عليها فيما وراء هذه النقطة رفاهٌ يتناقص باطّراد بازدياد درجة اكتمال الإشباع الذي تحقق بالفعل، نحصل على سُلَّم يبدأ بالعدد 10 وينتهي بالعدد 0. وبالمثل، بالنسبة إلى الإشباعات التي أعلى أهمية لها هي 9، نحصل على سُلَّم يبدأ بهذا الرقم وينتهي أيضاً بالعدد 0، وهكذا دواليك.
السلالم العشرة التي حُصِّلت بهذه الطريقة مبيَّنة في الجدول التالي:38
غير أن Menger لا يُسمّي صراحةً متغيره المستقل في البداية، ويُترَك للقارئ أن يجده بنفسه في النقاش الذي يلي. ففي بعض المواضع يذكر Menger بشكل مبهم أن الإضافات المتتالية إلى الإشباع الكلي هي نتيجة "أفعال إشباع" متتالية، لكنه يوضّح لاحقاً (ص 130) أنها نتيجة إضافات متساوية متتالية إلى كمية السلعة المستهلكة. على أن المسألة لا تنتهي عند هذا الحد. ففي الفقرة التالية للجدول، يقارن Menger أرقام عمود بأرقام عمود آخر حين يحاجّ بأنه، بعد استهلاك وحدة خامسة (؟) من الطعام، يواجه الفرد المذكور في الجدول واقع أن وحدة سادسة من الطعام ستمنحه إشباعاً إضافياً أقل مما تمنحه وحدة أولى من التبغ، وأن عليه من ثَمّ أن يجعل استهلاكه للسلعتين في حالة توازن. ومثل هذه المقارنة ليست صحيحة ما لم تُعرَّف وحدة التبغ ووحدة الطعام بحيث يُحصَل على كلتيهما بإنفاق متساوٍ لمورد آخر ما (كالعمل أو المال)، إذ لولا ذلك لما شكّلت الوحدتان بديلين يتعين على الفرد الاختيار بينهما.
ومن ثَمّ، فإن نموذجاً أدنى يفي بنقاش Menger يستلزم الافتراضات التالية:
(1) أن الفرد المُقتصِد في الجدول قادر لا على ترتيب إشباعاته فحسب، بل أيضاً على إسناد مؤشرات أصلية (كاردينالية) إلى درجاتها النسبية من الأهمية. وبعبارة أخرى، فهو قادر على مقارنة الإشباعات المختلفة بدلالة وحدة متجانسة من الإشباع. (انظر أيضاً ملخّص المبادئ في ص 139 والنقاش في الفصل الرابع، القسم 2.)
| I | II | III | IV | V | VI | VII | VIII | IX |
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 10 | 9 | 8 | 7 | 6 | 5 | 4 | 3 | 2 |
| 9 | 8 | 7 | 6 | 5 | 4 | 3 | 2 | 1 |
| 8 | 7 | 6 | 5 | 4 | 3 | 2 | 1 | 0 |
| 7 | 6 | 5 | 4 | 3 | 2 | 1 | 0 | |
| 6 | 5 | 4 | 3 | 2 | 1 | 0 | ||
| 5 | 4 | 3 | 2 | 1 | 0 | |||
| 4 | 3 | 2 | 1 | 0 | ||||
| 3 | 2 | 1 | 0 | |||||
| 2 | 1 | 0 | ||||||
| 1 | 0 | |||||||
| 0 |
لنفترض أن السُّلَّم في العمود I يعبّر عن أهمية إشباع حاجة فرد ما إلى الطعام بالنسبة إليه، وهذه الأهمية تتناقص بحسب درجة الإشباع المتحقق بالفعل، وأن السُّلَّم في العمود V يعبّر بالمثل عن أهمية حاجته إلى التبغ. من الجلي أن إشباع حاجته إلى الطعام، حتى درجة معينة من الاكتمال، له أهمية أعلى بكثير لدى هذا الفرد من إشباع حاجته إلى التبغ. لكن إذا كانت حاجته إلى الطعام قد أُشبِعت بالفعل حتى درجة معينة من الاكتمال (إذا كان مثلاً إشباعٌ إضافي لحاجته إلى الطعام لم يعد له لديه إلا الأهمية التي رمزنا إليها عددياً بالرقم 6)، فإن استهلاك التبغ يبدأ يكتسب لديه الأهمية ذاتها التي للإشباع الإضافي لحاجته إلى الطعام. وعليه سيسعى الفرد، من هذه النقطة فصاعداً، إلى جعل إشباع حاجته إلى التبغ في توازن مع إشباع حاجته إلى الطعام. ومع أن إشباع حاجته إلى الطعام عموماً له أهمية أعلى بكثير لدى الفرد المعني من إشباع حاجته إلى التبغ، فإنه مع الإشباع المتدرج للأولى تأتي مع ذلك مرحلة (كما يُبيّن الجدول) تصبح فيها أفعال الإشباع اللاحقة لحاجته إلى الطعام ذات أهمية أصغر لديه من الأفعال الأولى لإشباع حاجته إلى التبغ، التي وإن كانت أقل أهمية عموماً، فإنها في هذه المرحلة ما تزال غير مُشبَعة بتاتاً.
أعتقد، بهذه الإحالة إلى ظاهرة عادية من ظواهر الحياة، أنني أوضحتُ على نحو مُرضٍ معنى الأرقام في الجدول، التي لم تُختَر إلا تيسيراً لبيان حقلٍ صعب من حقول علم النفس لم يُستكشَف من قبل.
إن الأهمية المتفاوتة التي يحملها إشباع الحاجات الملموسة المنفردة لدى البشر ليست غريبة عن وعي أي إنسان مُقتصِد، مهما قلّ الاهتمام الذي أولاه الباحثون حتى الآن للظواهر المعالَجة هنا. فحيثما عاش البشر، وأياً كان مستوى الحضارة الذي يشغلونه، يمكننا أن نلاحظ كيف يزن الأفراد المقتصدون الأهمية النسبية لإشباع حاجاتهم المختلفة عموماً، وكيف يزنون على وجه الخصوص الأهمية النسبية للأفعال المنفردة المفضية إلى الإشباع الأكثر أو الأقل اكتمالاً لكل حاجة، وكيف تقودهم في النهاية نتائج هذه المقارنة إلى أنشطة موجَّهة نحو أكمل إشباع ممكن لحاجاتهم (الاقتصاد). بل إن وزن الأهمية النسبية للحاجات هذا — أي الاختيار بين حاجات ستظل غير مُشبَعة وحاجات ستبلغ الإشباع وفقاً للوسائل المتاحة، وتحديد الدرجة التي ستُشبَع بها هذه الأخيرة — هو بعينه ذلك الجزء من النشاط الاقتصادي للبشر الذي يشغل أذهانهم أكثر من أي شيء آخر، والذي له التأثير الأبعد مدى في جهودهم الاقتصادية، والذي يمارسه كل فرد مُقتصِد على نحو متصل تقريباً. لكن معرفة الإنسان بالدرجات المختلفة لأهمية إشباع الحاجات المختلفة ولأفعال الإشباع المنفردة هي أيضاً السبب الأول للفروق في قيمة السِّلَع.
ب. توقّف الإشباعات المنفردة على سِلَع بعينها (العامل الموضوعي).
لو كان، إزاء كل حاجة ملموسة بعينها لدى البشر، سلعةٌ واحدة فقط متاحة، وكانت تلك السلعة صالحة حصراً لإشباع تلك الحاجة الواحدة (بحيث، من جهة، لا يحدث إشباع الحاجة إذا لم تكن السلعة بعينها تحت تصرفنا، ومن جهة أخرى، تكون السلعة قادرة على أن تخدم إشباع تلك الحاجة الملموسة دون سواها)، لكان تحديد قيمة السلعة في غاية اليسر؛ إذ تكون مساوية للأهمية التي نعزوها إلى إشباع تلك الحاجة. فمن الجلي أنه كلما كنّا، في إشباع حاجة معينة، معتمدين على توافر سلعة معينة (أي كلما كان هذا الإشباع لن يحدث ما لم تكن السلعة تحت تصرفنا)، وكانت تلك السلعة في الوقت ذاته غير صالحة لأي غرض نافع آخر، فإنها لا تستطيع أن تبلغ الأهمية التامة، لكنها لا تبلغ قطّ أهمية أخرى غير تلك التي يحملها لنا الإشباع المعطى. ومن ثَمّ، فبحسب ما إذا كانت أهمية الإشباع المعطى لنا، في حالة كهذه، أكبر أو أصغر، ستكون قيمة السلعة بعينها لنا أكبر أو أصغر. فإذا قُذِف مثلاً بفرد قصير النظر إلى جزيرة موحشة، ووجد بين السلع التي أنقذها زوجاً واحداً فقط من النظارات يصحّح قِصَر نظره دون زوج ثانٍ، فلا شك في أن هذه النظارات ستحمل له الأهمية التامة التي يعزوها إلى تصحيح البصر، وبالقدر ذاته من اليقين لن تحمل أهمية أكبر، إذ إن النظارات لن تكون صالحة لإشباع حاجات أخرى إلا بالكاد.
لكن في الحياة العادية تكون العلاقة بين السِّلَع المتاحة وحاجاتنا أكثر تعقيداً بكثير عموماً. فعادةً لا تقف سلعة واحدة بل كمية من السِّلَع إزاء لا حاجة ملموسة واحدة بل مركّب من هذه الحاجات. وأحياناً يتوقف عدد أكبر، وأحياناً عدد أصغر، من الإشباعات المتفاوتة جداً في درجات أهميتها على تحكّمنا في كمية معطاة من السِّلَع، ويكون لكل واحدة من السِّلَع القدرة على إنتاج هذه الإشباعات المتباينة تبايناً شديداً في الأهمية.
لدى مزارع منعزل، بعد حصاد وفير، أكثر من مئتي بوشل من القمح تحت تصرفه. يُؤمِّن له جزء منها بقاءه وبقاء أسرته أحياءً حتى الحصاد التالي، ويُؤمِّن جزء آخر حفظ الصحة؛ ويضمن له جزء ثالث بذار الزرع للموسم المقبل؛ ويمكن استخدام جزء رابع لإنتاج الجعة والويسكي وسائر الكماليات؛ ويمكن استخدام جزء خامس لتسمين ماشيته. أما البواشل المتبقية، التي لا يستطيع استخدامها أكثر من ذلك لهذه الإشباعات الأهم، فيخصّصها لإطعام حيوانات أليفة كي يجعل ما تبقّى من حبوبه نافعاً على نحو ما.
المزارع إذن معتمد على الحبوب التي في حوزته من أجل إشباعات متفاوتة جداً في درجات أهميتها. فهو في البدء يُؤمِّن بها بقاءه وبقاء أسرته، ثم صحته وصحة أسرته. وفيما وراء ذلك، يُؤمِّن بها التشغيل المتواصل لمزرعته، وهو أساس مهم لرفاهه المستمر. وأخيراً، يستخدم جزءاً من حبوبه لأغراض المتعة، وبذلك يكون مرة أخرى يستخدم حبوبه لأغراض متفاوتة جداً في درجات أهميتها لديه.
نحن إذن بصدد حالة — حالة نمطية في الحياة العادية — تتوقف فيها إشباعات متفاوتة جداً في درجات أهميتها على توافر كمية من السِّلَع سنفترض، طلباً لمزيد من البساطة، أنها مؤلَّفة من وحدات متجانسة تماماً. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما هي، في ظل الشروط المعطاة، قيمة جزء معين من الحبوب لدى مزارعنا؟ هل ستحمل بواشل الحبوب التي تُؤمِّن بقاءه وبقاء أسرته قيمة أعلى لديه من البواشل التي تُمكِّنه من بذر حقوله؟ وهل ستحمل هذه البواشل الأخيرة قيمة أكبر لديه من بواشل الحبوب التي يستخدمها لأغراض المتعة؟
لن ينكر أحد أن الإشباعات التي تبدو مضمونة بمختلف أجزاء المخزون المتاح من الحبوب متفاوتة جداً في الأهمية، إذ تتراوح من أهمية قدرها 10 إلى أهمية قدرها 1 بدلالة تسمياتنا السابقة. ومع ذلك لن يستطيع أحد أن يدّعي أن بعض بواشل الحبوب (تلك مثلاً التي سيُغذّي بها المزارع نفسه وأسرته حتى الحصاد التالي) ستحمل قيمة أعلى لديه من بواشل أخرى من النوعية ذاتها (تلك مثلاً التي سيصنع منها مشروبات كمالية).
في هذه الحالة وفي كل حالة أخرى تتوقف فيها إشباعات متفاوتة الأهمية على التصرف بكمية معينة من السلع، نواجه قبل كل شيء السؤال الصعب: أيُّ إشباع بعينه يتوقف على جزء بعينه من كمية السلع المعنية؟
ينبثق حل هذه المسألة البالغة الأهمية من مسائل نظرية القيمة من التأمل في الاقتصاد الإنساني وفي طبيعة القيمة.
رأينا أن جهود الناس موجَّهة نحو الإشباع التام لحاجاتهم، وحيثما يتعذّر ذلك، نحو إشباعها على أكمل وجه ممكن. فإذا قابلت كميةٌ من السلع حاجاتٍ متفاوتة الأهمية لدى الناس، فإنهم سيشبعون أولًا، أو يلبّون أولًا، تلك الحاجات التي يكون لإشباعها أعظم أهمية لديهم. فإن بقي شيء من السلع، وجّهوه إلى إشباع الحاجات التي تأتي في الدرجة التالية من الأهمية بعد تلك التي أُشبعت بالفعل. وأيُّ فائض إضافي يُطبَّق تباعًا على إشباع الحاجات التي تليها في درجة الأهمية.39
إذا أمكن استخدام سلعةٍ ما لإشباع عدة أنواع مختلفة من الحاجات، وإذا كان لكل نوع من الحاجات أفعالُ إشباعٍ فرديةٌ متعاقبة تتناقص أهمية كلٍّ منها تبعًا لدرجة الاكتمال التي أُشبعت بها الحاجة المعنية بالفعل، فإن الأفراد المُقتصِدين سيستخدمون أولًا الكميات المتاحة لديهم من السلعة لتأمين أفعال الإشباع التي تكون لهم أعلى أهمية، بصرف النظر عن نوع الحاجة. ثم يستخدمون أي كميات متبقية لتأمين إشباعات حاجات محسوسة تليها في الأهمية، وأيَّ فائض إضافي لتأمين إشباعات أقل أهمية بالتعاقب. والنتيجة النهائية لهذا الإجراء هي أن أهمَّ الإشباعات التي يتعذّر تحقيقها يكون لها الأهمية نفسها لكل نوع من الحاجات، ومن ثَمَّ تُشبَع جميع الحاجات حتى درجة متساوية من أهمية أفعال الإشباع المنفردة.
كنا نتساءل عن القيمة التي تكون لوحدةٍ معينة من كمية سلعٍ يمتلكها فردٌ مُقتصِد بالنسبة إليه. ويمكن صياغة سؤالنا بدقة أكبر فيما يخص طبيعة القيمة إن صيغ على هذا النحو: أيُّ إشباعٍ لن يتحقق إن لم يكن لدى الفرد المُقتصِد تلك الوحدة المعطاة تحت تصرفه، أي إن كان يتصرف بكمية إجمالية أصغر بتلك الوحدة الواحدة؟ والجواب، الذي يتبع من العرض السابق لطبيعة الاقتصاد الإنساني، هو أن كل فرد مُقتصِد سيشبع في هذه الحالة، بالكمية المتبقية لديه من السلع، حاجاته الأهمَّ بكل تأكيد، ويتخلّى عن إشباع الحاجات الأقل أهمية. وهكذا، من بين جميع الإشباعات التي حصل عليها سابقًا، لن يبقى من دون تحقيق إلا ذلك الإشباع الذي يكون له أصغر أهمية لديه.
وتبعًا لذلك، في كل حالة محسوسة، من بين جميع الإشباعات المؤمَّنة بواسطة كامل كمية السلعة الموجودة تحت تصرف فردٍ مُقتصِد، لا يتوقف على توافر جزءٍ معيّن من الكمية الكلية إلا تلك الإشباعات التي تكون له أقلَّ أهمية. ومن ثَمَّ فإن قيمة أي جزء من الكمية الكلية المتاحة من السلعة بالنسبة إلى هذا الشخص تساوي أهمية الإشباعات الأقل أهمية لديه من بين تلك التي تكفلها الكمية الكلية وتتحقق بجزءٍ مساوٍ.40
لنفترض أن فردًا يحتاج إلى 10 وحدات منفصلة (أو 10 مقادير) من سلعةٍ ما للإشباع التام لجميع حاجاته من تلك السلعة، وأن هذه الحاجات تتفاوت في الأهمية من 10 إلى 1، لكنه لا يتصرف إلا بـ 7 وحدات (أو 7 مقادير فقط) من السلعة. يتّضح مباشرةً مما قيل عن طبيعة الاقتصاد الإنساني أن هذا الفرد لن يشبع، بالكمية التي تحت تصرفه (7 وحدات)، إلا حاجاته من السلعة التي تتراوح أهميتها من 10 إلى 4، وأن سائر الحاجات، التي تتراوح أهميتها من 3 إلى 1، ستبقى من دون إشباع. فما قيمة وحدةٍ من وحداته الـ 7 (أو من مقاديره) بالنسبة إلى الفرد المُقتصِد المعني في هذه الحالة؟ بحسب ما تعلّمناه عن طبيعة قيمة السلع، يكافئ هذا السؤال السؤالَ التالي: ما أهمية الإشباعات التي لن تتحقق إن كان لدى الفرد المعني 6 وحدات فقط بدلًا من 7 (أو من المقادير) تحت تصرفه؟ فلو حرمه حادثٌ ما من إحدى سلعه السبع (أو من مقاديره)، فمن الواضح أن الشخص المعني سيستخدم الوحدات الست المتبقية لإشباع الحاجات الأهمِّ ويُهمل الأقلَّ أهمية. ومن ثَمَّ فإن نتيجة فقدان سلعةٍ واحدة (أو مقدار واحد) ستكون أن أقلَّ جميع الإشباعات التي تكفلها الكمية الكلية المتاحة من سبع وحدات (أي الإشباع الذي عُيّنت أهميته بـ 4) هو وحده الذي سيُفقد، بينما تجري الإشباعات (أو أفعال إشباع الحاجات) التي تتراوح أهميتها من 10 إلى 5 كما كانت من قبل. ففي هذه الحالة إذًا، لن يتوقف على التصرف بوحدةٍ واحدة (أو مقدار) إلا إشباعٌ عُيّنت أهميته بـ 4؛ وما دام الفرد المعني يتصرف بـ 7 وحدات (أو مقادير) من السلعة، فإن قيمة كل وحدة (أو مقدار) ستساوي أهمية هذا الإشباع. إذ إن هذا الإشباع وحده، الذي أهميته 4، هو الذي يتوقف على وحدةٍ واحدة (أو مقدار) من الكمية المتاحة من السلعة. ومع ثبات سائر الأمور، لو لم يتح للفرد المُقتصِد المعني إلا 5 وحدات (أو مقادير) من السلعة، فمن الواضح أنه ما دام هذا الوضع الاقتصادي قائمًا فإن كل وحدة منفصلة أو كمية جزئية من السلعة ستكون لها أهمية لديه يعبّر عنها عدديًّا الرقمُ 6. ولو كان لديه 3 وحدات، لكان لكل واحدة منها أهمية لديه يعبّر عنها عدديًّا الرقمُ 8. وأخيرًا، لو لم يكن لديه إلا سلعة واحدة، لكانت أهميتها مساوية لـ 10.
سيوضّح فحصُ عددٍ من الحالات الخاصة المبادئَ المعروضة هنا توضيحًا تامًّا، ولا أرغب في التهرّب من هذه المهمة المهمة، وإن كنت أعلم أنني سأبدو مُملًّا لبعض القراء. وسائرًا على درب Adam Smith، سأخاطر بشيء من الإطناب لأجل وضوح العرض.
لنبدأ بأبسط حالة، ولنفترض أن فردًا مُقتصِدًا منعزلًا يسكن جزيرة صخرية في البحر، وأنه لا يجد في الجزيرة إلا نبعًا واحدًا، وأنه يعتمد عليه وحده لإشباع حاجته إلى الماء العذب. ولنفترض أن هذا الفرد المنعزل يحتاج: (أ) إلى وحدة ماء واحدة يوميًّا لصون حياته، (ب) وإلى تسع عشرة وحدة للحيوانات التي يوفّر له لبنُها ولحمُها أمسَّ وسائل عيشه، (ج) وإلى أربعين وحدة، جزءًا منها كي يستهلك الكمية الكاملة اللازمة لا لصون حياته فحسب بل لصون صحته أيضًا؛ وجزءًا منها، بالقدر اللازم لاستمرار صحته ورفاهه العام، لتنظيف جسده وثيابه وأدواته؛ وجزءًا منها لإعالة بعض الحيوانات الإضافية التي يجد لبنها ولحمها ضروريًّا له، وأخيرًا (د) أربعين وحدة ماء إضافية يوميًّا، جزءًا منها لحديقة أزهاره، وجزءًا منها لبعض الحيوانات التي يقتنيها، لا لصون حياته وصحته، بل لمجرد تنويع طعامه، أو لمجرد الاستئناس. ولنفترض كذلك أنه لا يعرف كيف يستخدم أكثر من هذا المجموع البالغ مئة وحدة ماء.
ما دام النبع يوفّر الماء بسخاء يجعله قادرًا لا على إشباع جميع حاجاته من الماء فحسب بل وعلى أن يترك عدة آلاف من الدلاء تتدفق إلى البحر كل يوم، وما دام إذًا إشباعُ أيٍّ من حاجاته لا يتوقف على ما إذا كان تحت تصرفه وحدة أكثر أو وحدة أقل (مثلًا دلوًا مملوءًا)، فإن وحدة الماء، كما رأينا، لن يكون لها طابع اقتصادي ولا قيمة بالنسبة إليه، ومن ثَمَّ لا يمكن أن يكون هناك أي حديث عن مقدار قيمتها. لكن لو حدث الآن أن سبّب حدثٌ طبيعي مفاجئ نضوبًا جزئيًّا للنبع، فأصبح تحت تصرف ساكن جزيرتنا 90 وحدة ماء فقط بينما يظل يحتاج إلى 100 وحدة للإشباع التام لحاجاته، فمن الواضح أن إشباعًا ما سيتوقف عندئذٍ على توافر كل جزء من إجمالي إمداد الماء، ومن ثَمَّ أن كل وحدة بعينها من الماء ستكتسب لديه ذلك المغزى الذي نسميه القيمة.
بيد أننا إن تساءلنا الآن أيُّ إشباعاته يتوقف، في هذه الحالة، على جزء معيّن من الـ 90 وحدة ماء المتاحة له، على 10 وحدات مثلًا، اتخذ سؤالنا الصيغة التالية: أيُّ إشباعات فردنا المنعزل لن تتحقق إن لم يكن هذا الجزء المعطى من الإمداد تحت تصرفه، أي إن كان لديه 80 وحدة فقط بدلًا من 90؟
ما من شيء أكثر يقينًا من أن فردنا المُقتصِد سيظل، حتى لو لم يتح له يوميًّا إلا 80 وحدة ماء، يستهلك الكمية اللازمة لحفظ حياته، وما يزيد عليها بقدر ما يُبقي على ما لا غنى عنه من الحيوانات لإبقائه على قيد الحياة. وبما أن هذه الأغراض لا تتطلب إلا 20 وحدة ماء يوميًّا، فإنه سيُطبّق الوحدات الستين المتبقية أولًا على إشباع جميع الحاجات التي تتوقف عليها صحته ورفاهه العام المستمر. وبما أنه لا يتطلب لهذا الغرض إلا ما مجموعه 40 دلوًا من الماء يوميًّا، فستبقى لديه 20 وحدة يمكن استخدامها لأغراض المتعة المحضة. وهكذا يمكن للوحدات العشرين الأخيرة أن تُبقي إما على حديقة أزهاره أو على الحيوانات التي يمتلكها للمتعة وحدها. ولا شك أنه سيختار، من بين الإشباعين، ذلك الذي يبدو له أهمَّ، ويُهمل الأقلَّ أهمية.
حين يتاح لكروزو لدينا 90 وحدة ماء يوميًّا، فإن سؤال ما إذا كان سيظل يتصرف بهذه الكمية أم بـ 10 وحدات أقل يكافئ لديه سؤالَ ما إذا كان سيكون أو لا يكون في وضع يتيح له أن يستمر في إشباع أقلِّ الحاجات أهميةً التي تُشبَع بـ 10 وحدات ماء يوميًّا. ومن ثَمَّ، ما دامت كمية إجمالية قدرها 90 وحدة باقية تحت تصرفه، فلن يكون لـ 10 وحدات ماء إلا أهمية هذه الإشباعات الأقل أهمية، أي مجرد أهمية متعٍ ضئيلة الشأن نسبيًّا.
لنفترض الآن أن النبع الذي يمدّ فرد الاقتصاد المنعزل بالماء قد نضب أكثر، إلى حدٍّ لم يعد يتاح له معه يوميًّا إلا أربعون وحدة ماء. والآن مجددًا، كما في السابق، سيتوقف صون حياته ورفاهه على توافر هذه الكمية الكلية من الماء. لكن الوضع تغيّر في جانب مهم. فإن كانت إحدى متعه أو وسائل راحته تتوقف سابقًا على توافر كل جزء ذي مغزى عملي بأي صورة من إجمالي الإمداد (وحدة واحدة مثلًا)، فإن سؤال توافر وحدة أكثر أو وحدة أقل من الماء في اليوم صار الآن، لكروزو لدينا، سؤالًا متعلقًا بالفعل بصون صحته أو رفاهه العام صونًا أكملَ أو أنقصَ. وبعبارة أخرى، لو فقد وحدة واحدة، لكان الأثر أنه لن يعود قادرًا على إشباع إحدى الحاجات التي يتوقف على إشباعها حفظُ صحته ورفاهه العام المستمر. فإن كان دلو ماء واحد لا قيمة له على الإطلاق بالنسبة إلى كروزو لدينا ما دام تحت تصرفه عدة مئات من الدلاء يوميًّا، وإن كان لاحقًا، حين لم يتح له إلا 90 وحدة يوميًّا، لكل وحدة أهمية متعةٍ بعينها تتوقف عليها فقط، فإن لكل جزء من الأربعين وحدة المتبقية له الآن أهميةَ إشباعات أعظمَ شأنًا بكثير. إذ يتوقف الآن على كل وحدة من الوحدات الأربعين إشباعُ حاجاتٍ يُضرّ عدمُ إشباعها بصحته ورفاهه المستمر. لكن قيمة كل كمية من السلع تساوي أهمية الإشباعات التي تتوقف عليها. فإن كانت قيمة وحدة الماء الواحدة بالنسبة إلى كروزو لدينا تساوي صفرًا في البداية، وتساوي واحدًا في الحالة الثانية، فإنها ستُعبَّر عنها الآن عدديًّا بشيء قريب من الرقم ستة.
لنفترض أنه، مع استمرار الجفاف، أصبح النبع أكثر فأكثر نضوبًا، حتى صار يعطي يوميًا تمامًا تلك الكمية من الماء اللازمة بالكاد لإبقاء هذا الفرد المنعزل على قيد الحياة (وهو في حالتنا نحو 20 وحدة، إذ يحتاج إلى هذا القدر لنفسه ولتلك الحيوانات من قطيعه التي لا يستطيع البقاء حيًا من دون حليبها ولحمها). في مثل هذه الحالة، من الواضح أن كل كمية من الماء متاحة له ذات دلالة عملية ستكون لها كامل أهمية الحفاظ على حياته. ومن ثَمَّ تكون لوحدة الماء قيمة أعلى مما كانت عليه من قبل، قيمة يُعبَّر عنها عدديًا بالرقم 10.
وهكذا رأينا، في الحالة الأولى من حالاتنا، أنه ما دام الفرد يملك تحت تصرفه يوميًا عدة آلاف من الدلاء من الماء، فإن جزءًا صغيرًا من هذه الكمية، دلوًا واحدًا مثلًا، لم تكن له أي قيمة لديه على الإطلاق، لأنه لم يتوقف أي نوع من الإشباع على أي دلو منفرد. وفي الحالة الثانية، رأينا أن وحدة محددة من الوحدات التسعين المتاحة له كانت تحمل بالفعل أهمية بعض المتع الثانوية، إذ كانت أقل الإشباعات أهمية التي تتوقف على 90 وحدة هي تلك المتع. وفي الحالة الثالثة، حين لم يكن تحت تصرفه سوى 40 وحدة من الماء يوميًا، رأينا أن إشباعات أكثر أهمية باتت تتوقف على كل وحدة محددة. وفي الحالة الرابعة، صارت إشباعات أكثر أهمية بعدُ تتوقف على كل وحدة محددة. وفي كل حالة لاحقة، رأينا قيمة الوحدات المتبقية ترتفع تباعًا كلما صارت إشباعات أكثر أهمية متوقفة عليها.
وانتقالًا إلى علاقات أكثر تعقيدًا (اجتماعية)، لنفترض أن سفينة شراعية ما زال يلزمها 20 يومًا من الإبحار لبلوغ اليابسة، وأن مؤونتها من الطعام قد فُقدت بفعل حادث ما فقدانًا شبه كامل، وأنه لم يبقَ لكل واحد من رفاق السفينة سوى تلك الكمية من صنف واحد من الطعام، كالبسكويت مثلًا، بما يكفي بالكاد للحفاظ على حياته طوال العشرين يومًا. وهذه حالة تقف فيها حاجات معيّنة لدى الأشخاص الموجودين على السفينة الشراعية بإزاء التصرف بالكمية الدقيقة تمامًا من خير معيّن، تلك الكمية التي تجعل إشباع هذه الحاجات متوقفًا كليًا على الكمية المتاحة من الخير. فإذا افتُرض أن حياة المسافرين لا يمكن الحفاظ عليها إلا إذا استهلك كل منهم نصف رطل من البسكويت يوميًا، وأن كل مسافر يملك فعلًا 10 أرطال من البسكويت، فإن هذه الكمية من الطعام ستحمل لكل مسافر كامل أهمية الحفاظ على حياته. وفي مثل هذه الظروف، ما من أحد يعتزّ بحياته ولو قليلًا يمكن إقناعه بالتنازل عن هذه الكمية من الأخيار، أو حتى عن أي جزء يُذكر منها، في مقابل أي أخيار غير المواد الغذائية، ولو كانت أنفس أخيار الحياة العادية. فلو عرض، مثلًا، رجل ثري مسافر على المركب رطلًا من الذهب في مقابل الوزن نفسه من البسكويت لتخفيف آلام الجوع التي لا مفر منها مع مثل هذه الحصص الضئيلة، لما وجد أحدًا من رفاقه مستعدًّا لقبول مثل هذه الصفقة.
لنفترض بعد ذلك أن المسافرين على السفينة يتصرّفون بخمسة أرطال أخرى من بسكويت السفينة لكل منهم، إضافةً إلى الأرطال العشرة المذكورة سلفًا. في هذه الحالة، لن تعود حياتهم متوقفة على تصرّفهم برطل واحد من البسكويت، إذ يمكن سحب رطل واحد من سيطرتهم، أو مبادلته من قبلهم بأخيار غير المواد الغذائية، من دون تعريض حياتهم للخطر. وعلى الرغم من أن حياتهم نفسها لن تعود متوقفة على رطل واحد من الطعام، فإن رطلًا منه سيشكّل مع ذلك وقايةً من آلام الجوع، فضلًا عن كونه وسيلةً للحفاظ على صحتهم، إذ إن مثل هذا الغذاء الضئيل، إذا استمر عشرين يومًا كما سيكون حال كل من لا يتصرف إلا بعشرة أرطال من البسكويت، سيكون له بلا شك أثر ضار في عافيتهم. وفي مثل هذه الظروف، وإن لم يعد لرطل واحد من البسكويت لديهم أهمية الحفاظ على حياتهم، فإنه سيحمل مع ذلك الأهمية التي يعلّقها كل امرئ على الحفاظ على صحته وعافيته، بقدر ما تتوقف هاتان على رطل واحد من البسكويت.
لنفترض، أخيرًا، أن مطبخ السفينة قد جُرِّد كليًا من كل مؤونته من الطعام؛ وأن المسافرين هم أيضًا من دون أي طعام خاص بهم؛ وأن السفينة محمَّلة بشحنة من عدة آلاف من الأطنان من البسكويت؛ وأن قبطان السفينة، مراعاةً للوضع التعس للمسافرين نتيجة هذه النكبة، أذن للجميع بأن يتغذوا بالبسكويت كما يشاؤون. سيأخذ المسافرون البسكويت طبعًا ليسكّنوا جوعهم. لكن لن يشك أحد في أن قطعة لحم شهية ستكون لها، في مثل هذه الحالة، قيمة كبيرة لدى مسافر سيتألف غذاؤه كله طوال عشرين يومًا، لولا ذلك، من البسكويت وحده، في حين أن رطلًا من البسكويت ستكون له قيمة ضئيلة على نحو غير عادي، وربما لا قيمة له على الإطلاق.
لماذا كان التصرف برطل من البسكويت يحمل لكل مسافر، في الحالة الأولى من هذه الحالات، كامل أهمية الحفاظ على حياته، وما زال يحمل أهمية كبيرة جدًّا في الحالة الثانية، لكنه لم يحمل أي أهمية على الإطلاق، أو على أقصى تقدير أهمية ضئيلة للغاية، في الحالة الثالثة؟
ظلّت حاجات المسافرين هي نفسها في الحالات الثلاث جميعًا، إذ لم تتغير شخصياتهم ولا متطلباتهم. أما الذي تغيّر، فهو كمية الطعام التي وقفت بإزاء هذه المتطلبات في كل حالة. فبإزاء متطلبات متطابقة من الطعام لدى المسافرين، كانت هناك عشرة أرطال من الطعام للشخص الواحد في الحالة الأولى، وكمية أكبر في الحالة الثانية، وكمية أكبر بعدُ في الحالة الثالثة. ومن ثَمَّ، من حالة إلى أخرى، تناقصت تدريجيًا أهمية الإشباعات التي كانت تتوقف على وحدات مفردة من الطعام.
لكن ما تمكّنا من ملاحظته هنا، أولًا لدى فرد منعزل، ثم في جماعة صغيرة معزولة مؤقتًا عن سائر البشرية، صالح بالقدر نفسه للعلاقات المتبادلة الأكثر تعقيدًا لدى شعب وللمجتمع الإنساني عمومًا. فوضع سكان بلد ما بعد فشل المحصول، ثم بعد محصول متوسط، وأخيرًا في سنة تلي محصولًا وفيرًا، يقدّم علاقات مماثلة في طبيعتها لتلك الموصوفة آنفًا. فهنا أيضًا، بإزاء متطلبات معيّنة محددة، تكون الكمية المتاحة من الطعام أصغر في الحالة الأولى منها في الثانية، وأصغر في الثانية منها في الثالثة. ومن ثَمَّ، في هذه الحالات أيضًا، تتباين تباينًا كبيرًا أهمية الإشباعات التي تتوقف على وحدات مفردة من المخزون كله.
إذا احترق صومعة غلال تحوي 100,000 بوشل من القمح في بلد لم يحظَ للتو إلا بمحصول وفير، فإن أثر النكبة لن يتجاوز، في أقصى الأحوال، أن يُنتَج كحول أقل، أو أن يُطعَم الجزء الأفقر من السكان في أسوأ الأحوال على نحو أكثر شُحًّا قليلًا، من دون أن يعانوا حرمانًا؛ أما إذا وقعت النكبة بعد محصول متوسط، فإن كثيرين سيُضطرون بالفعل إلى التخلي عن إشباعات أكثر أهمية؛ وإذا تزامنت المصيبة مع مجاعة، فإن عددًا كبيرًا جدًّا من الناس سيموتون جوعًا. وفي كل من الحالات الثلاث، تتوقف على كل وحدة محددة من الحبوب المتاحة للناس المعنيين إشباعات متفاوتة الأهمية تفاوتًا شديدًا، ولهذا السبب تتباين قيمة وحدة الحبوب تباينًا كبيرًا في الحالات الثلاث.
إذا لخّصنا ما قيل، نحصل على المبادئ التالية بوصفها نتيجة بحثنا حتى الآن:
(1) إن الأهمية التي تحملها الأخيار لنا والتي نسمّيها القيمة ليست إلا أهمية مُسنَدة. ففي الأساس، لا تحمل لنا أهميةً إلا الإشباعات وحدها، لأن الحفاظ على حياتنا وعافيتنا يتوقف عليها. لكننا نُسنِد منطقيًا هذه الأهمية إلى الأخيار التي ندرك أننا متوقفون على توافرها لتحقيق هذه الإشباعات.
(2) إن مقادير الأهمية التي تحملها لنا الإشباعات المختلفة لحاجات محددة (أفعال الإشباع المنفصلة التي يمكن تحقيقها بواسطة أخيار مفردة) مقادير غير متساوية، ويكمن مقياسها في درجة أهميتها للحفاظ على حياتنا ورفاهنا.
(3) ومن ثَمَّ فإن مقادير أهمية إشباعاتنا التي تُسنَد إلى الأخيار، أي مقادير قيمها، هي أيضًا غير متساوية، ويكمن مقياسها في درجة الأهمية التي تحملها لنا الإشباعات المتوقفة على الأخيار المعنية.
(4) في كل حالة بعينها، من بين جميع الإشباعات التي تكفلها الكمية المتاحة كلها من خير ما، لا يتوقف على التصرف بجزء معيّن من الكمية الكلية سوى تلك الإشباعات الأقل أهمية لدى الفرد المُدبِّر لاقتصاده.
(5) وهكذا فإن قيمة خير معيّن أو جزء معيّن من الكمية الكلية لخير ما تحت تصرف فرد مُدبِّر لاقتصاده تساوي لديه أهمية أقل الإشباعات أهميةً مما تكفله الكمية المتاحة كلها وما يُحقَّق بأي جزء مماثل. ذلك أنه فيما يتعلق بهذه الإشباعات الأقل أهمية يكون الفرد المُدبِّر لاقتصاده المعني متوقفًا على توافر الخير المعيّن، أو الكمية المعيّنة من خير ما.41
وهكذا، في بحثنا حتى هذه النقطة، أرجعنا الفروق في قيمة الأخيار إلى عللها النهائية، ووجدنا في الوقت نفسه أيضًا المقياس النهائي والأصلي الذي بمقتضاه يحكم الناس على قيم الأخيار جميعًا.
إذا فُهِم ما قيل فهمًا صحيحًا، فلن تكون هناك أي صعوبة في حل أي مسألة تنطوي على تفسير العلل المحدِّدة للفروق بين قيم خيرين محددين أو أكثر أو كميات من الأخيار.
فإذا تساءلنا، مثلًا، لماذا لا تحمل لنا في الظروف العادية رطل من ماء الشرب أي قيمة على الإطلاق، في حين أن كسرًا ضئيلًا من رطل من الذهب أو الماس يُظهر عمومًا قيمة عالية جدًّا، كان الجواب كالآتي: إن الماس والذهب نادران إلى حدٍّ أن كل الماس المتاح للبشرية يمكن حفظه في صندوق، وكل الذهب في غرفة واحدة كبيرة، كما سيُبيّن حسابٌ بسيط. أما ماء الشرب، فيوجد بكميات هائلة على الأرض إلى حدٍّ يصعب معه تصوّر خزّان يتسع لاحتوائه كله. وتبعًا لذلك، لا يستطيع الناس إلا إشباع أهم الحاجات التي يخدم الذهب والماس إشباعها، في حين أنهم عادةً في وضع يمكّنهم لا من إشباع حاجاتهم إلى ماء الشرب إشباعًا كاملًا فحسب، بل أيضًا، فوق ذلك، من ترك كميات كبيرة منه تتسرّب من دون استخدام، إذ يعجزون عن استنفاد الكمية المتاحة كلها. ومن ثَمَّ، في الظروف العادية، ما من حاجة إنسانية تضطر إلى البقاء من دون إشباع لو عجز الناس عن التصرف بكمية معيّنة من ماء الشرب. أما مع الذهب والماس، فإن حتى أقل الإشباعات دلالةً مما تكفله الكمية الكلية المتاحة ما زالت تحمل أهمية مرتفعة نسبيًا لدى الناس المُدبِّرين لاقتصادهم. وهكذا فإن كميات محددة من ماء الشرب لا تحمل عادةً أي قيمة للناس المُدبِّرين لاقتصادهم، في حين تحمل كميات محددة من الذهب والماس قيمة عالية.
وهذا كله لا يصحّ إلا في الظروف العادية للحياة، حين يكون ماء الشرب متاحًا لنا بكميات وفيرة والذهب والماس بكميات ضئيلة جدًّا. أما في الصحراء، حيث تتوقف حياة المسافر في الغالب على شربة ماء، فيمكن تمامًا تصوّر أن تتوقف لفرد ما إشباعات أكثر أهمية على رطل من الماء منها على رطل من الذهب. وفي مثل هذه الحالة، تكون قيمة رطل من الماء، تبعًا لذلك، أكبر للفرد المعني من قيمة رطل من الذهب. وتعلّمنا التجربة أن مثل هذه العلاقة، أو علاقة شبيهة بها، تنشأ بالفعل حيث يكون الوضع الاقتصادي على النحو الذي وصفته للتو.
C. تأثير الفروق في جودة الأخيار في قيمتها.
كثيرًا ما يمكن إشباع الحاجات الإنسانية بأخيار من أنواع مختلفة، وأكثر من ذلك بأخيار تختلف لا في النوع، بل في الصنف. وحيث نتعامل مع مجموعات معيّنة من الحاجات الإنسانية من جهة، ومع كميات الأخيار المتاحة لإشباعها من جهة أخرى (ص 129)، فإن الحاجات لا تقف دائمًا، تبعًا لذلك، بإزاء كميات من أخيار متجانسة، بل غالبًا بإزاء أخيار من أنواع مختلفة، وأكثر من ذلك بإزاء أخيار من أصناف مختلفة.
توخيًا لمزيد من البساطة في العرض، أغفلتُ حتى الآن النظر في الفروق بين الأخيار، واكتفيتُ في الأقسام السابقة بالنظر في الحالات التي تقف فيها كميات من أخيار متجانسة تمامًا بإزاء حاجات من نوع محدد (مع التشديد بوجه خاص على الطريقة التي تتناقص بها أهميتها وفقًا لدرجة اكتمال الإشباع المُحقَّق فعلًا). وبهذه الطريقة، تمكّنتُ من إيلاء مزيد من التأكيد للتأثير الذي تمارسه الفروق في الكميات المتاحة في قيمة الأخيار.
الحالات التي يبقى الآن النظر فيها هي تلك التي قد تُشبَع فيها حاجاتٌ إنسانية معيّنة بسلعٍ من أنواع أو أصناف مختلفة، والتي تقف فيها بالتالي متطلباتٌ إنسانية معيّنة في مواجهة كمياتٍ متاحة من السلع تكون أجزاؤها المنفصلة مختلفةً نوعيًّا.
وفي هذا الصدد، ينبغي أن يُلاحَظ أولًا أن الفروق بين السلع، سواء أكانت فروقًا في النوع أم في الصنف، لا يمكن أن تؤثّر في قيمة الوحدات المختلفة من عرضٍ معيّن إذا لم يتأثّر إشباع الحاجات الإنسانية بأيّ وجهٍ بهذه الفروق. فالسلع التي تُشبِع الحاجات الإنسانية على نحوٍ مطابق تُعَدّ لهذا السبب بالذات متجانسةً تمامًا من وجهة النظر الاقتصادية، وإن كانت قد تنتمي إلى أنواع أو أصناف مختلفة من حيث المظهر الخارجي.
وإذا كان للفروق، نوعًا أو صنفًا، بين سلعتين أن تكون مسؤولةً عن فروقٍ في قيمتهما، فمن الضروري أن تكون لهما أيضًا قدراتٌ مختلفة على إشباع الحاجات الإنسانية. وبعبارةٍ أخرى، من الضروري أن تكون لهما ما نسمّيه، من وجهة النظر الاقتصادية، فروقًا في الجودة. ولهذا فإن فحص التأثير الذي تمارسه الفروق في الجودة على قيمة سلعٍ بعينها هو موضوع البحث التالي.
من وجهةٍ اقتصادية، قد تكون الفروق النوعية بين السلع على نوعين. فقد تُشبَع الحاجات الإنسانية إمّا على نحوٍ مختلف كمّيًّا أو على نحوٍ مختلف نوعيًّا بواسطة كمياتٍ متساوية من سلعٍ مختلفة نوعيًّا. فبكميةٍ معيّنة من خشب الزان، مثلًا، قد تُشبَع الحاجة الإنسانية إلى الدفء على نحوٍ أكثف كمّيًّا منه بالكمية نفسها من خشب التنّوب. غير أن كميتين متساويتين من المواد الغذائية متساويتي القيمة الغذائية قد تُشبِعان الحاجة إلى الغذاء على نحوين مختلفين نوعيًّا، إذ إن تناول طبقٍ من الطعام قد يوفّر، مثلًا، متعةً بينما لا يوفّر الآخر متعةً البتة أو لا يوفّر سوى متعةٍ أدنى. ففي سلع الفئة الأولى، يمكن التعويض عن الجودة الأدنى تعويضًا تامًّا بكميةٍ أكبر، أمّا في سلع الفئة الثانية فهذا غير ممكن. فالتنّوب أو الجَوْز أو الصنوبر يمكن أن تحلّ محلّ خشب الزان لأغراض التدفئة، وإذا توافر للأفراد المُقتصِدين فحمٌ أدنى في محتواه الكربوني، ولحاءُ بلّوطٍ أدنى في محتواه من العفص، وخدماتُ العمل الاعتيادية لعمّال المياومة البطيئين أو الأقلّ كفاءةً بكمياتٍ كبيرة كفاية، فإنها تستطيع عمومًا أن تحلّ محلّ السلع الأرفع جودةً حلولًا تامًّا. لكن حتى لو توافرت أطعمةٌ أو مشروباتٌ كريهة المذاق، وغرفٌ مظلمة ورطبة، وخدماتُ أطبّاء متوسطي المهارة، وما إلى ذلك، بأكبر الكميات، فإنها لا تستطيع أبدًا أن تُشبِع حاجاتنا، نوعيًّا، إشباعًا حسنًا كالذي تحقّقه السلع المقابلة الأرفع جودةً.
حين يُقدِّر الأفراد المُقتصِدون قيمة سلعةٍ ما، فالأمر، كما رأينا، مسألة تقديرٍ خالص لأهمية إشباع تلك الحاجات التي يعتمدون في إشباعها على التصرّف بالسلعة (ص 122). أمّا كمية السلعة التي تحقّق إشباعًا معيّنًا فليست سوى عاملٍ ثانوي في التقييم. فإذا كانت كمياتٌ أصغر من سلعةٍ أرفع جودةً تُشبِع حاجةً إنسانية على النحو ذاته (أي على نحوٍ مطابقٍ كمّيًّا ونوعيًّا) الذي تُشبِعها به كمياتٌ أكبر من سلعةٍ أدنى جودةً، فمن البيّن أن الكميات الأصغر من السلعة الأرفع جودةً سيكون لها لدى الأفراد المُقتصِدين القيمة ذاتها التي للكميات الأكبر من السلعة الأدنى جودةً. وعلى هذا فإن كمياتٍ متساوية من سلعٍ ذات جودات مختلفة من النوع الأول ستُظهِر قيمًا غير متساوية بالنسبة المُبيَّنة. فإذا أخذنا، مثلًا، في تحديد قيمة لحاء البلّوط، محتواه من العفص حصرًا، وكانت سبعة أقناطير من رتبةٍ معيّنة لها الفاعلية نفسها لثمانية أقناطير من رتبةٍ أخرى، فسيكون لها أيضًا لدى الحرفيين الذين يستعملون اللحاء القيمة نفسها التي للكمية الأخيرة. ومجرّد ردّ هذه السلع إلى كمياتٍ متساوية في الفاعلية الاقتصادية (وهو إجراءٌ يُستخدَم فعلًا في الأنشطة الاقتصادية للبشر في جميع هذه الحالات) يزيل بذلك تمامًا الصعوبة في تحديد قيمة كمياتٍ معيّنة من جودات مختلفة (ما دامت فاعليتها مختلفةً كمّيًّا فحسب). وبهذه الطريقة تُردّ الحالة الأكثر تعقيدًا قيد النظر إلى العلاقة البسيطة التي شُرِحت سابقًا (ص 123 وما بعدها).
تكون مسألة تأثير الجودات المختلفة في قيم سلعٍ بعينها أكثر تعقيدًا حين تجعل الفروق النوعية بين السلع الحاجاتِ تُشبَع بطرائق مختلفة نوعيًّا. ولا يمكن أن يكون ثمّة شكّ، بعد ما قيل عن المبدأ العام لتحديد القيمة (ص 122)، في أن أهمية الحاجات التي ستبقى غير مُشبَعة لو لم نكن نتصرّف بسلعةٍ بعينها ليست من النوع العام فحسب بل أيضًا من الجودة المخصوصة المقابلة لهذه الحاجات هي، في هذه الحالة أيضًا، العامل المُحدِّد لقيمتها. فالصعوبة التي أناقشها هنا لا تكمن، إذن، في كون المبدأ العام لتحديد القيمة غير قابلٍ للتطبيق على هذه السلع، بل تكمن بالأحرى في تحديد الإشباع الخاص الذي يعتمد على سلعةٍ ملموسة بعينها حين تقف مجموعةٌ كاملة من الحاجات في مواجهة سلعٍ تكون وحداتها المتنوّعة قادرةً على إشباع هذه الحاجات بطرائق مختلفة نوعيًّا. وبعبارةٍ أخرى، إنها تكمن في التطبيق العملي للمبدأ العام لتحديد القيمة على النشاط الاقتصادي الإنساني. وينشأ حلّ هذه المشكلة من الاعتبارات التالية.
لا يستعمل الأفراد المُقتصِدون الكميات المتاحة لهم من السلع دون مراعاة الفروق في الجودة حين تكون هذه الفروق قائمة. فالمزارع الذي بحوزته حبوبٌ من رتبٍ مختلفة لا يستعمل، مثلًا، أردأ رتبةٍ للبذار، والحبوب متوسطة الجودة علفًا للماشية، والأفضل للغذاء وإنتاج المشروبات. كما أنه لا يستعمل الحبوب من الرتب المختلفة على نحوٍ عشوائي لغرضٍ أو لآخر. بل إنه، نظرًا إلى متطلباته، يوظّف أفضل رتبةٍ للبذار، والأفضل من الباقي للغذاء والمشروبات، والحبوب الأردأ جودةً لتسمين الماشية.
في السلع التي تكون وحداتها متجانسة، تقف الكمية الكلية المتاحة من السلعة في مواجهة المجموعة الكاملة من الحاجات الملموسة التي يمكن إشباعها بواسطتها. أمّا في الحالات التي تُشبِع فيها الوحدات المختلفة من سلعةٍ ما الحاجاتِ الإنسانية بطرائق مختلفة نوعيًّا، فلم تَعُد الكمية الكلية المتاحة من السلعة تقف في مواجهة المجموعة الكاملة من الحاجات؛ بل تقف عوضًا عن ذلك كلُّ كميةٍ متاحة من جودةٍ مخصوصة في مواجهة حاجاتٍ مخصوصة مقابلة لدى الأفراد المُقتصِدين.
إذا كانت سلعةٌ من جودةٍ معيّنة، فيما يخصّ غرض استهلاكٍ بعينه، لا يمكن استبدالها البتة بسلعٍ من أيّ جودةٍ أخرى، فإن مبدأ تحديد القيمة الذي بُرهِن عليه سابقًا (ص 132) ينطبق انطباقًا تامًّا ومباشرًا على كمياتٍ بعينها من تلك السلعة. وعليه فإن قيمة أيّ وحدةٍ بعينها من سلعةٍ كهذه تساوي أهمية أقلّ الإشباعات أهميةً مما تكفله الكمية الكلية المتاحة من هذه الجودة بالذات من السلعة، إذ إننا فيما يخصّ هذا الإشباع نعتمد فعلًا على التصرّف بالوحدة المخصوصة من هذه الجودة.
لكنّ الحاجات الإنسانية يمكن أن تُشبَع بواسطة سلعٍ ذات مؤهّلات مختلفة، وإن كان ذلك بطرائق مختلفة نوعيًّا. فإذا أمكن استبدال سلعٍ من جودةٍ معيّنة بسلعٍ من جودةٍ أخرى، ولكن دون الفاعلية نفسها، فإن قيمة وحدةٍ من السلع الأرفع جودةً تساوي أهمية أقلّ الإشباعات أهميةً مما تكفله السلع الأرفع جودةً مطروحًا منها حصةٌ قيمية42 تكون أكبر: (1) كلما كانت قيمة السلع الأدنى جودةً التي يمكن بها أيضًا إشباع الحاجة المعيّنة قيد النظر أصغر، و(2) كلما كان الفرق لدى البشر بين أهمية إشباع الحاجة المعيّنة بالسلعة الأرفع وأهمية إشباعها بالأدنى أصغر.
وهكذا نصل إلى النتيجة بأنه، حتى في الحالات التي يقف فيها مركّبٌ من الحاجات في مواجهة كميةٍ من سلعٍ ذات جودات مختلفة، فإن الإشباعات ذات الشدّات المعيّنة تعتمد دائمًا على كلّ كميةٍ جزئية أو على كلّ وحدةٍ ملموسة من هذه السلع. ومن ثَمّ فإن مبدأ تحديد القيمة الذي صُغته أعلاه يحتفظ، في جميع الحالات التي نوقشت، بقابليته الكاملة للتطبيق.
D. الطابع الذاتي لمقياس القيمة. العمل والقيمة. الخطأ.
حين ناقشت طبيعة القيمة، لاحظتُ أن القيمة ليست شيئًا كامنًا في السلع وأنها ليست خاصيةً من خصائص السلع. لكنها ليست أيضًا شيئًا قائمًا بذاته. فليس ثمّة سببٌ يمنع أن تكون لسلعةٍ ما قيمةٌ لدى فردٍ مُقتصِد ولا تكون لها قيمةٌ لدى فردٍ آخر في ظروفٍ مختلفة. فمقياس القيمة ذاتيٌّ في طبيعته كلّيًّا، ولهذا السبب يمكن أن تكون لسلعةٍ ما قيمةٌ عظيمة لدى فردٍ مُقتصِد، وقيمةٌ ضئيلة لدى آخر، ولا قيمة لها البتة لدى ثالث، تبعًا للفروق في متطلباتهم والمقادير المتاحة لديهم. فما يحتقره أحدهم أو يُقلِّل من شأنه يُقدِّره الآخر، وما يتخلّى عنه أحدهم كثيرًا ما يلتقطه الآخر. وبينما يُساوي فردٌ مُقتصِد في التقدير بين مقدارٍ معيّن من سلعةٍ ما ومقدارٍ أكبر من سلعةٍ أخرى، نلاحظ كثيرًا التقييمات المعاكسة تمامًا لدى فردٍ مُقتصِد آخر.
ومن ثَمّ فإن مقياس القيمة، لا طبيعتها فحسب، ذاتيٌّ كذلك. فالسلع تكون لها دائمًا قيمةٌ لدى أفرادٍ مُقتصِدين بعينهم، وهذه القيمة لا يُحدِّدها أيضًا سوى هؤلاء الأفراد.
القيمة التي يُسبِغها فردٌ مُقتصِد على سلعةٍ ما تساوي أهمية الإشباع المعيّن الذي يعتمد على تصرّفه بالسلعة. وليس ثمّة ارتباطٌ ضروري ومباشر بين قيمة سلعةٍ ما وبين ما إذا كان قد طُبِّق في إنتاجها عملٌ وسلعٌ أخرى من رتبةٍ أعلى، أو بأيّ كمياتٍ طُبِّق ذلك. فالسلعة غير الاقتصادية (كمية من الخشب في غابةٍ بكر، مثلًا) لا تكتسب قيمةً لدى البشر إذا طُبِّقت في إنتاجها كمياتٌ كبيرة من العمل أو من سلعٍ اقتصادية أخرى. وسواءٌ عُثِر على الماسة مصادفةً أو حُصِل عليها من منجم ماسٍ باستخدام ألف يومٍ من العمل، فهذا لا يمتّ بصلةٍ البتة إلى قيمتها. وعمومًا، لا أحد في الحياة العملية يسأل عن تاريخ نشأة سلعةٍ ما في تقديره لقيمتها، بل يراعي حصرًا الخدمات التي ستؤدّيها له السلعة والتي كان سيُضطرّ إلى التخلّي عنها لو لم تكن بحوزته. فالسلع التي أُنفِق عليها عملٌ كثير كثيرًا ما لا تكون لها قيمة، بينما تكون لسلعٍ أخرى، أُنفِق عليها عملٌ ضئيل أو لم يُنفَق عليها عملٌ البتة، قيمةٌ عالية جدًّا. والسلع التي أُنفِق عليها عملٌ كثير وغيرُها مما أُنفِق عليه عملٌ ضئيل أو لم يُنفَق عليه عملٌ البتة كثيرًا ما تكون متساوية القيمة لدى الأفراد المُقتصِدين. ولذا فإن كميات العمل أو وسائل الإنتاج الأخرى المُطبَّقة في إنتاج سلعةٍ ما لا يمكن أن تكون العامل المُحدِّد لقيمتها. أمّا مقارنة قيمة سلعةٍ ما بقيمة وسائل الإنتاج المُستخدَمة في إنتاجها فتُبيِّن بالطبع ما إذا كان إنتاجها، وهو فعلٌ من فعل النشاط الإنساني الماضي، ملائمًا أو اقتصاديًّا، وإلى أيّ مدى كان كذلك. لكنّ كميات السلع المُستخدَمة في إنتاج سلعةٍ ما ليس لها تأثيرٌ ضروري ولا مُحدِّدٌ مباشر في قيمتها.
وعلى القدر نفسه من عدم الثبات الرأيُ القائل إن العامل المُحدِّد لقيمة السلع هو كمية العمل أو وسائل الإنتاج الأخرى اللازمة لإعادة إنتاجها. فثمّة عددٌ كبير من السلع لا يمكن إعادة إنتاجها (التُّحف، ولوحات كبار الأساتذة القدامى، مثلًا)، وعليه يمكننا في عددٍ من الحالات أن نلاحظ قيمةً دون إمكانٍ لإعادة الإنتاج. ولهذا السبب لا يمكن لأيّ عاملٍ مرتبط بإعادة الإنتاج أن يكون المبدأ المُحدِّد للقيمة عمومًا. والتجربة، فضلًا عن ذلك، تُبيِّن أن قيمة وسائل الإنتاج اللازمة لإعادة إنتاج كثيرٍ من السلع (كالملابس الطُّرُز القديمة والآلات البالية، مثلًا) تكون أحيانًا أعلى بكثيرٍ وأحيانًا أدنى من قيمة المنتجات نفسها.
فالعامل المُحدِّد لقيمة سلعةٍ ما، إذن، ليس كمية العمل أو السلع الأخرى اللازمة لإنتاجها، ولا الكمية اللازمة لإعادة إنتاجها، بل بالأحرى مقدار أهمية تلك الإشباعات التي نُدرِك أننا نعتمد فيها على التصرّف بالسلعة. وهذا المبدأ لتحديد القيمة صالحٌ صلاحيةً كونية، ولا يمكن العثور على أيّ استثناءٍ منه في الاقتصاد الإنساني.
أهمية إشباعٍ ما لدينا ليست نتيجة قرارٍ اعتباطي، بل تُقاس بالأهمية، التي ليست اعتباطية، التي يحملها ذلك الإشباع لحياتنا أو لرفاهنا. غير أن الدرجات النسبية لأهمية الإشباعات المختلفة ولأفعال الإشباع المتعاقبة هي مع ذلك من أمور التقدير لدى الأفراد المُقتصِدين، ولهذا السبب فإن معرفتهم بهذه الدرجات من الأهمية تكون، في بعض الحالات، عُرضةً للخطأ.
رأينا فيما سبق أنّ الإشباعات التي تتوقّف عليها حياة الإنسان تحوز أعلى درجات الأهمية لديه، وأنّ الإشباعات التالية لها في الأهمية هي تلك التي يتوقّف عليها رفاهه، وأنّ الإشباعات التي تتوقّف عليها درجة أعلى من الرفاه (وعند تساوي الشدّة يكون الإشباع الأطول دواماً، وعند تساوي المدّة يكون الإشباع الأكثر شدّة) تحوز أهمية أعلى لدى الإنسان من تلك التي تتوقّف عليها درجة أدنى من رفاهه.
لكنّ ما قيل لا يستبعد بأيّ حال إمكان أن يقدّر الحمقى من الناس، نتيجةً لمعرفتهم القاصرة، أهمية مختلف الإشباعات أحياناً على نحوٍ يخالف أهميتها الحقيقية. حتى الأفراد الذين يُدار نشاطهم الاقتصادي على نحوٍ عقلاني، والذين يسعون لذلك بكلّ تأكيد إلى إدراك الأهمية الحقيقية للإشباعات كي يحوزوا أساساً دقيقاً لنشاطهم الاقتصادي، عرضةٌ للخطأ. فالخطأ لا ينفصل عن أيّ معرفة بشرية.
الناس ميّالون بصفةٍ خاصة إلى أن يُضَلَّلوا فيبالغوا في تقدير أهمية الإشباعات التي تمنح لذّة لحظية شديدة لكنّها لا تُسهم في رفاههم إلا إسهاماً عابراً، ومن ثمّ إلى التقليل من تقدير أهمية الإشباعات التي يتوقّف عليها رفاهٌ أقلّ شدّة لكنّه أطول دواماً. وبعبارةٍ أخرى، كثيراً ما يقدّر الناس المتع الزائلة الشديدة تقديراً أعلى من رفاههم الدائم، بل أحياناً أعلى من حياتهم نفسها.
فإذا كان الناس يقعون بالفعل في الخطأ كثيراً فيما يتعلّق بمعرفتهم بالعامل الذاتي لتحديد القيمة، حين لا يكون الأمر سوى مسألة تقدير حالاتهم النفسية، فإنّهم أكثر عرضةً للخطأ حين يكون الأمر متعلّقاً بإدراكهم للعامل الموضوعي لتحديد القيمة، ولا سيّما حين يكون الأمر متعلّقاً بمعرفتهم بمقادير الكمّيات المتاحة لهم وبالنوعيات المختلفة للسلع.
لهذه الأسباب وحدها يتّضح لماذا يكتنف تحديدَ قيمة سلعٍ بعينها كثيرٌ من الأخطاء في الحياة الاقتصادية. لكن إضافةً إلى تقلّبات القيمة الناشئة عن تغيّرات الحاجات البشرية، وعن تغيّرات كمّيات السلع المتاحة للناس، وعن تغيّرات الخصائص الفيزيائية للسلع، يمكننا أيضاً أن نلاحظ تقلّبات في قيم السلع لا تنجم إلا عن تغيّرات في معرفة الناس بأهمية السلع لحياتهم ورفاههم.
3. القوانين الحاكمة لقيمة السلع من الرتبة الأعلى
أ. المبدأ المحدِّد لقيمة السلع من الرتبة الأعلى.
من بين أفدح الأخطاء الأساسية التي كانت لها أبعد العواقب في التطوّر السابق لعلمنا تلك الحجّة القائلة إنّ السلع تكتسب قيمةً لدينا لأنّه استُخدمت في إنتاجها سلعٌ كانت ذات قيمة لدينا. وفيما بعد، حين أصل إلى مناقشة أسعار السلع من الرتبة الأعلى، سأبيّن الأسباب المحدّدة التي كانت مسؤولة عن هذا الخطأ وعن تحوّله إلى أساسٍ للنظرية المقبولة في الأسعار (في صورةٍ مُحاطةٍ بكلّ أنواع التحفّظات الخاصة، بطبيعة الحال). وأودّ هنا أن أقرّر، قبل كلّ شيء، أنّ هذه الحجّة مناقضةٌ لكلّ تجربة مناقضةً صارمة (ص. 146) حتى إنّه كان لا بدّ من رفضها ولو قدّمت حلاً صحيحاً صورياً لمشكلة إرساء مبدأٍ يفسّر قيمة السلع.
لكن حتى هذا الغرض الأخير لا يمكن تحقيقه بالحجّة المعنيّة، إذ إنّها لا تقدّم تفسيراً إلا لقيمة السلع التي قد نسمّيها "منتجات" دون قيمة سائر السلع الأخرى التي تظهر بوصفها عوامل إنتاجٍ أصلية. فهي لا تفسّر قيمة السلع التي توفّرها الطبيعة مباشرةً، ولا سيّما خدمات الأرض. وهي لا تفسّر قيمة خدمات العمل. بل إنّها لا تفسّر حتى، كما سنرى لاحقاً، قيمة خدمات رأس المال. ذلك أنّ قيمة كلّ هذه السلع لا يمكن تفسيرها بالحجّة القائلة إنّ السلع تستمدّ قيمتها من قيمة السلع المنفَقة في إنتاجها. بل إنّها تجعل قيمتها غير مفهومة على الإطلاق.
ومن ثمّ فإنّ هذه الحجّة لا تقدّم لمشكلة اكتشاف تفسيرٍ صالحٍ عالمياً لقيمة السلع حلاً صحيحاً صورياً ولا حلاً مطابقاً لوقائع الواقع. فهي من جهةٍ متناقضةٌ مع التجربة؛ ومن جهةٍ أخرى غير قابلةٍ للتطبيق بداهةً حيثما تعيّن علينا أن نتعامل مع سلعٍ ليست نتاجاً لاجتماع سلعٍ من الرتبة الأعلى. ولذلك لا يمكن تحديد قيمة السلع من الرتبة الأدنى بقيمة السلع من الرتبة الأعلى التي استُخدمت في إنتاجها. بل على العكس، من البيّن أنّ قيمة السلع من الرتبة الأعلى تتحدّد دائماً ودون استثناء بالقيمة المرتقبة للسلع من الرتبة الأدنى التي تخدم في إنتاجها.43 فوجود حاجاتنا إلى السلع من الرتبة الأعلى متوقّفٌ على أن تكون السلع التي تخدم في إنتاجها ذات طابعٍ اقتصادي مرتقب (ص. 107) ومن ثمّ ذات قيمة مرتقبة. ونحن، في تأمين حاجاتنا لإشباع رغباتنا، لا نحتاج إلى التحكّم في سلعٍ صالحةٍ لإنتاج سلعٍ من الرتبة الأدنى ليست لها قيمة مرتقبة (ما دامت ليست لنا حاجاتٌ إليها). ولذلك لدينا المبدأ القائل إنّ قيمة السلع من الرتبة الأعلى متوقّفةٌ على القيمة المرتقبة للسلع من الرتبة الأدنى التي تخدم في إنتاجها. ومن ثمّ لا يمكن للسلع من الرتبة الأعلى أن تكتسب قيمةً، أو أن تحتفظ بها متى حازتها، إلا إذا، أو ما دامت، تخدم في إنتاج سلعٍ نتوقّع أن تكون لها قيمة لدينا. وإذا ثبتت هذه الحقيقة، اتّضح أيضاً أنّ قيمة السلع من الرتبة الأعلى لا يمكن أن تكون العامل المحدِّد للقيمة المرتقبة للسلع المقابلة من الرتبة الأدنى. كما لا يمكن لقيمة السلع من الرتبة الأعلى التي أُنفقت فعلاً في إنتاج سلعةٍ من الرتبة الأدنى أن تكون العامل المحدِّد لقيمتها الراهنة. بل على العكس، فإنّ قيمة السلع من الرتبة الأعلى تنضبط، في جميع الحالات، بالقيمة المرتقبة للسلع من الرتبة الأدنى التي خصّصها لها، أو سيخصّصها لها، البشر المدبِّرون لإنتاجها.
كثيراً ما تكون القيمة المرتقبة للسلع من الرتبة الأدنى — وهذا ما يجب مراعاته بعناية — مختلفةً اختلافاً كبيراً عن القيمة التي تحوزها سلعٌ مماثلة في الحاضر. ولهذا السبب فإنّ قيمة السلع من الرتبة الأعلى التي سنتحكّم بواسطتها في سلعٍ من الرتبة الأدنى في زمنٍ مقبل (ص. 67 وما بعدها) لا تُقاس بأيّ حالٍ بالقيمة الراهنة لسلعٍ مماثلة من الرتبة الأدنى، بل بالقيمة المرتقبة للسلع من الرتبة الأدنى التي تخدم في إنتاجها.
لنفترض، مثلاً، أنّ لدينا ملح البارود، والكبريت، والفحم النباتي، وخدمات العمل المتخصّصة، والأدوات، وما إلى ذلك، اللازمة لإنتاج كمّية معيّنة من البارود، وأنّنا بذلك، بواسطة هذه السلع، سنتحكّم في هذه الكمّية من البارود بعد ثلاثة أشهر. من البيّن أنّ القيمة التي يُتوقّع أن يحوزها هذا البارود لدينا بعد ثلاثة أشهر لا يلزم بالضرورة أن تساوي قيمة كمّية مماثلة من البارود في الوقت الحاضر، بل قد تكون أكبر أو أصغر منها. ومن ثمّ فإنّ مقدار قيمة السلع المذكورة من الرتبة الأعلى يُقاس، لا بقيمة البارود في الحاضر، بل بالقيمة المرتقبة لمنتَجها في نهاية فترة الإنتاج. بل يمكن تصوّر حالاتٍ تكون فيها سلعةٌ من الرتبة الأدنى أو الأولى عديمة القيمة تماماً في الحاضر (الجليد في الشتاء، مثلاً)، بينما تحوز، في الوقت نفسه، سلعٌ مقابلة متاحة من الرتبة الأعلى تكفل كمّياتٍ من السلعة من الرتبة الأدنى لفترةٍ زمنية مقبلة (كلّ المواد والأدوات اللازمة لإنتاج الجليد الاصطناعي، مثلاً) قيمةً بالنظر إلى هذه الفترة الزمنية المقبلة، والعكس صحيح.
ومن ثمّ ليست هناك صلةٌ ضرورية بين قيمة السلع من الرتبة الأدنى أو الأولى في الحاضر وقيمة السلع المتاحة حالياً من الرتبة الأعلى التي تخدم في إنتاج تلك السلع. بل على العكس، من البيّن أنّ الأولى تستمدّ قيمتها من العلاقة بين الحاجات والكمّيات المتاحة في الحاضر، في حين تستمدّ الثانية قيمتها من العلاقة المرتقبة بين الحاجات والكمّيات التي ستكون متاحة في النقاط الزمنية المقبلة حين تصبح المنتجات المنشأة بواسطة السلع من الرتبة الأعلى متاحة. فإذا ارتفعت القيمة المستقبلية المرتقبة لسلعةٍ من الرتبة الأدنى، مع بقاء الأمور الأخرى على حالها، ارتفعت أيضاً قيمة السلع من الرتبة الأعلى التي تكفل لنا حيازتها التحكّمَ المستقبلي في السلعة من الرتبة الأدنى. أمّا ارتفاع أو انخفاض قيمة سلعةٍ من الرتبة الأدنى متاحة في الحاضر فليست له صلةٌ سببية ضرورية بارتفاع أو انخفاض قيمة السلع المقابلة المتاحة حالياً من الرتبة الأعلى.
ومن ثمّ فإنّ المبدأ القائل إنّ قيمة السلع من الرتبة الأعلى تُحكَم، لا بقيمة السلع المقابلة من الرتبة الأدنى في الحاضر، بل بالقيمة المرتقبة للمنتَج، هو المبدأ الصالح عالمياً لتحديد قيمة السلع من الرتبة الأعلى.¹⁴
إشباع حاجاتنا وحده هو ما له لدينا دلالةٌ مباشرة وآنية. وفي كلّ حالةٍ ملموسة تُقاس هذه الدلالة بأهمية مختلف الإشباعات لحياتنا ورفاهنا. ثمّ نسند المقدار الكمّي الدقيق لهذه الأهمية إلى السلع المحدّدة التي ندرك أنّنا نعتمد عليها اعتماداً مباشراً في الإشباعات المعنيّة، أي نسنده إلى السلع الاقتصادية من الرتبة الأولى، كما بُيّن في مبادئ القسم السابق. وفي الحالات التي لا تُلبّى فيها حاجاتنا، أو لا تُلبّى إلا تلبيةً ناقصة، بسلعٍ من الرتبة الأولى، ومن ثمّ تكتسب فيها السلع من الرتبة الأولى قيمةً لدينا، نتوجّه إلى السلع المقابلة من الرتبة التالية الأعلى في جهودنا لإشباع حاجاتنا على أكمل وجهٍ ممكن، ونسند القيمة التي أسندناها إلى السلع من الرتبة الأولى بدورها إلى السلع من الرتبة الثانية والثالثة وما فوقها كلّما كانت هذه السلع من الرتبة الأعلى ذات طابعٍ اقتصادي. وعليه فإنّ قيمة السلع من الرتبة الأعلى ليست في التحليل النهائي سوى صورةٍ خاصة من الأهمية التي نسندها إلى حياتنا ورفاهنا. وهكذا، كما هو الحال مع السلع من الرتبة الأولى، فإنّ العامل المسؤول في نهاية المطاف عن قيمة السلع من الرتبة الأعلى ليس سوى الأهمية التي نسندها إلى تلك الإشباعات التي ندرك أنّنا نعتمد بشأنها على توافر السلع من الرتبة الأعلى التي تكون قيمتها قيد البحث. لكن نظراً للروابط السببية بين السلع، لا تُقاس قيمة السلع من الرتبة الأعلى مباشرةً بالأهمية المتوقّعة للإشباع النهائي، بل بالقيمة المتوقّعة للسلع المقابلة من الرتبة الأدنى.
قد يكون مفيداً بسبب إيجاز المقطع الحاضر وصيغته الخاصة.
لنفترض أنّ أقلّ الإشباعات أهميةً مما تقدّمه وحدةٌ من السلعة الأرفع له أهميةٌ مقدارها 5 في الاستخدام أ، وأنّ أقلّ الإشباعات أهميةً مما تقدّمه وحدةٌ من السلعة الأدنى في الاستخدام ب له أهميةٌ مقدارها 2، وأنّ وحدةً من السلعة الأدنى ستقدّم إشباعاً أهميته 3 لو حلّت محلّ وحدةٍ من السلعة الأرفع في الاستخدام أ. يذهب Menger إلى أنّ القيمة الاستعمالية لوحدةٍ من سلعةٍ أرفع يمكن أن تحلّ محلّها سلعةٌ أدنى لا تساوي أهمية أقلّ الإشباعات أهميةً مما تقدّمه فعلاً وحدةٌ من السلعة الأرفع، بل تساوي أهمية الإشباعات المتوقّفة على استمرار التحكّم في تلك الوحدة. وفي الحالة الحاضرة، إذا فُقد التحكّم في وحدةٍ من السلعة الأرفع ونُقلت وحدةٌ من السلعة الأدنى من الاستخدام ب إلى الاستخدام أ لتحلّ محلّها، فإنّ الإشباعات التي يخسرها المستهلك هي: (1) إشباعٌ في الاستخدام ب أهميته 2، يُفقد لأنّ وحدةً أقلّ من السلعة الأدنى تُستخدم في الاستخدام ب، و(2) إشباعٌ في الاستخدام أ أهميته 2 (الفرق بين الوحدات الخمس المفقودة لأنّ وحدةً أقلّ من السلعة الأرفع تُستخدم في الاستخدام أ، والوحدات الثلاث المكتسبة بسبب استخدام وحدةٍ من السلعة الأدنى محلّها). فالقيمة الاستعمالية لوحدةٍ من السلعة الأرفع هي إذن 4، وهي مجموع هذين البندين. أمّا "حصّة القيمة" التي ذكرها Menger في النصّ فهي الفرق بين أقلّ الإشباعات أهميةً مما ستقدّمه السلعة الأرفع في الاستخدام أ وقيمتها الاستعمالية محسوبةً على هذا النحو. ومن ثمّ فإنّ "حصّة القيمة" في هذا المثال هي 5 ناقص 4، أي 1. — المترجم.
ب. إنتاجية رأس المال.
يجري تحويل السلع من الرتبة الأعلى إلى سلع من الرتبة الأدنى، شأنه شأن كل عملية تغيير أخرى، في الزمن. والأوقات التي سيحصل فيها الناس على التصرف في سلع الرتبة الأولى انطلاقًا من سلع الرتبة الأعلى التي بحوزتهم حاليًا تكون أبعد كلما كانت رتبة هذه السلع أعلى. وفي حين أنه صحيح، كما رأينا سابقًا (الصفحات 71 وما يليها)، أن التوظيف الأوسع نطاقًا لسلع الرتبة الأعلى لإشباع الحاجات الإنسانية يُحدث توسعًا مستمرًا في كميات السلع الاستهلاكية المتاحة، فإن هذا التوسع لا يكون ممكنًا إلا إذا امتدت الأنشطة التدبيرية للناس إلى فترات زمنية أبعد فأبعد. فالهندي البدائي منشغل دون انقطاع بمهمة تلبية احتياجاته لبضعة أيام في كل مرة. أما الرّحّال الذي لا يستهلك الحيوانات الأليفة التي تحت تصرفه بل يقرر تربيتها من أجل نسلها، فإنه ينتج بالفعل سلعًا لن تصبح متاحة له إلا بعد بضعة أشهر. لكن لدى الشعوب المتحضرة، تنشغل نسبة كبيرة من أفراد المجتمع بإنتاج سلع لن تسهم في الإشباع المباشر للحاجات الإنسانية إلا بعد سنوات، وغالبًا إلا بعد عقود.
وهكذا فإن الناس المدبِّرين، بتخليهم عن اقتصاد الالتقاط، وبإحرازهم تقدمًا في توظيف سلع الرتب الأعلى لإشباع حاجاتهم، يمكنهم بكل تأكيد أن يزيدوا تبعًا لذلك السلع الاستهلاكية المتاحة لهم، لكن بشرط واحد هو أن يطيلوا الفترات الزمنية التي يُراد لنشاطهم التدبيري أن يمتد عبرها بالقدر نفسه الذي يتقدمون به نحو سلع الرتبة الأعلى.
وفي هذا الظرف يكمن قيد مهم على التقدم الاقتصادي. فأشدّ عناية الناس تتوجه دائمًا نحو ضمان السلع الاستهلاكية اللازمة للحفاظ على حياتهم ورفاههم في الحاضر أو في المستقبل القريب، غير أن قلقهم يتضاءل كلما طالت الفترة الزمنية التي يمتد عبرها. وهذه الظاهرة ليست عرضية بل هي متجذرة عميقًا في الطبيعة الإنسانية. فبقدر ما يتوقف الحفاظ على حياتنا على إشباع حاجاتنا، يجب بالضرورة أن يسبق ضمانُ إشباع الحاجات الأسبق الاهتمامَ بالحاجات اللاحقة. وحتى حين لا تكون حياتنا، بل مجرد استمرار رفاهنا (وفوق كل شيء صحتنا)، متوقفة على التصرف في كمية من السلع، فإن بلوغ الرفاه في فترة أقرب يكون كقاعدة شرطًا مسبقًا للرفاه في فترة لاحقة. والتصرف في وسائل الحفاظ على رفاهنا في زمن بعيد لا ينفعنا كثيرًا إذا كان الفقر والعوز قد قوّضا صحتنا أو أعاقا نمونا في فترة أسبق. وتنطبق اعتبارات مماثلة حتى على الإشباعات التي لا تتجاوز أهميتها أهمية الملذّات. فكل التجربة تعلّم أن المتعة الحاضرة أو تلك التي ستحصل في المستقبل القريب تبدو عادة للناس أكثر أهمية من متعة مساوية لها في الشدة في زمن أبعد في المستقبل.
الحياة الإنسانية عملية يتأثر فيها مسار التطور المستقبلي دائمًا بالتطور السابق. وهي عملية لا يمكن مواصلتها متى انقطعت، ولا يمكن إعادة تأهيلها كليًا متى أصابها اضطراب خطير. ومن الشروط المسبقة الضرورية لتدبيرنا الحفاظ على حياتنا ولتطورنا في الفترات المستقبلية أن نُعنى بالفترات السابقة من حياتنا. وإذا نحّينا جانبًا التقلبات في النشاط الاقتصادي، أمكننا أن نستنتج أن الناس المدبِّرين يسعون عمومًا إلى ضمان إشباع حاجات المستقبل القريب أولًا، وأنهم لا يحاولون ضمان إشباع حاجات الفترات الأبعد إلا بعد إنجاز ذلك، وفقًا لبُعدها في الزمن.
فالظرف الذي يضع قيدًا على جهود الناس المدبِّرين للتقدم في توظيف سلع الرتب الأعلى هو إذن ضرورة أن يدبّروا أولًا، بالسلع المتاحة لهم حاليًا، إشباع حاجاتهم في المستقبل القريب؛ إذ لا يمكنهم التدبير للفترات الزمنية الأبعد إلا بعد أن يكونوا قد فعلوا ذلك. وبعبارة أخرى، فإن الكسب الاقتصادي الذي يستطيع الناس الحصول عليه من توظيف أوسع لسلع الرتب الأعلى لإشباع حاجاتهم يتوقف على شرط أن يظل لديهم كميات أخرى من السلع متاحة للفترات الزمنية الأبعد بعد أن يكونوا قد لبّوا احتياجاتهم للمستقبل القريب.
في المراحل المبكرة وفي بداية كل طور جديد من أطوار التطور الحضاري، حين يكون أفراد قلائل (المكتشفون والمخترعون والمقاولون الأوائل) يقومون لأول مرة بالانتقال إلى استخدام سلع الرتبة الأعلى التالية، فإن ذلك الجزء من هذه السلع الذي كان موجودًا من قبل لكنه لم يكن له حتى ذلك الحين أي تطبيق من أي نوع في اقتصاد الإنسان، والذي لم تكن عليه بالتالي أي احتياجات، يكون بطبيعة الحال ذا طابع غير اقتصادي. فحين يكون شعب من الصيادين بصدد الانتقال إلى الزراعة المستقرة، فإن الأرض والمواد التي لم تكن مستخدمة من قبل والتي تُوظَّف الآن لأول مرة لإشباع الحاجات الإنسانية (الجير والرمل والخشب والحجارة للبناء، على سبيل المثال) عادة ما تحتفظ بطابعها غير الاقتصادي لبعض الوقت بعد أن يكون الانتقال قد بدأ. ولذلك فإن الكميات المحدودة من هذه السلع ليست هي ما يمنع الناس المدبِّرين في المراحل الأولى من الحضارة من إحراز تقدم في توظيف سلع الرتب الأعلى لإشباع حاجاتهم.
لكن هناك كقاعدة جزءًا آخر من السلع المتكاملة من الرتبة الأعلى، كان قد بدأ يخدم إشباع الحاجات الإنسانية في فرع أو آخر من فروع الإنتاج قبل الانتقال إلى توظيف رتبة جديدة من السلع، والذي كان بالتالي يُبدي من قبل طابعًا اقتصاديًا. ومن أمثلة هذا النوع بذور الحَب والخدمات العملية التي يحتاجها فرد ينتقل من طور اقتصاد الالتقاط إلى الزراعة.
هذه السلع، التي كان الفرد المنتقِل يستخدمها من قبل بوصفها سلعًا من الرتبة الأدنى، والتي قد يواصل استخدامها بوصفها سلعًا من الرتبة الأدنى، يجب الآن أن تُوظَّف بوصفها سلعًا من الرتبة الأعلى إذا أراد أن ينتفع بالكسب الاقتصادي المذكور آنفًا. وبعبارة أخرى، لا يمكنه تحصيل هذا الكسب إلا بأن يوظِّف سلعًا متاحة له، إن شاء، للحاضر أو للمستقبل القريب، في إشباع حاجات فترة زمنية أبعد.
وفي غضون ذلك، ومع التطور المستمر للحضارة ومع التقدم في توظيف الناس المدبِّرين لكميات أخرى من سلع الرتبة الأعلى، يكتسب جزء كبير من السلع الأخرى من الرتبة الأعلى التي كانت سابقًا غير اقتصادية (الأرض والحجر الجيري والرمل والخشب وما إلى ذلك، على سبيل المثال) طابعًا اقتصاديًا (الصفحة 103). وحين يحدث ذلك، لا يستطيع كل فرد أن يشارك في الكاسب الاقتصادية المرتبطة بتوظيف سلع الرتبة الأعلى مقارنةً بالنشاط الالتقاطي الصرف (وفي مستويات أعلى من الحضارة، بتوظيف سلع الرتبة الأعلى مقارنةً بقيود وسائل الإنتاج من الرتبة الأدنى) إلا إذا كان لديه بالفعل التصرف في كميات من السلع الاقتصادية من الرتبة الأعلى (أو كميات من السلع الاقتصادية من أي نوع، حين تكون قد نشأت بالفعل تجارة نشطة وأمكن مبادلة سلع من كل الأنواع بعضها ببعض) في الحاضر من أجل فترات زمنية مستقبلية، وبعبارة أخرى، إلا إذا كان يمتلك رأس مال.
بيد أننا بهذه القضية قد بلغنا واحدة من أهم حقائق علمنا، وهي "إنتاجية رأس المال". ويجب ألّا تُفهم هذه القضية على أنها تعني أن التصرف في كميات من السلع الاقتصادية في فترة أسبق من أجل زمن لاحق يمكن أن يسهم بذاته خلال هذه الفترة في زيادة السلع الاستهلاكية المتاحة للناس. إنها تعني فحسب أن التصرف في كميات من السلع الاقتصادية لفترة معينة من الزمن هو بالنسبة للأفراد المدبِّرين وسيلة لإشباع حاجاتهم على نحو أفضل وأكمل، وهو بالتالي سلعة، أو بالأحرى سلعة اقتصادية، كلما كانت الكميات المتاحة من خدمات رأس المال أصغر من الاحتياجات إليها.
ولذلك فإن الإشباع الأكثر أو الأقل اكتمالًا لحاجاتنا لا يتوقف على التصرف في كميات من السلع الاقتصادية لفترات معينة من الزمن (على خدمات رأس المال) بأقلّ مما يتوقف على التصرف في سلع اقتصادية أخرى. ولهذا السبب فإن خدمات رأس المال هي أشياء يُسبغ عليها الناس قيمة، وهي أيضًا، كما سنرى لاحقًا، أشياء قابلة للتجارة.
يصوّر بعض الاقتصاديين دفع الفائدة على أنه تعويض عن إحجام مالك رأس المال عن الاستهلاك. وفي مواجهة هذا المذهب، يجب أن أنبّه إلى أن إحجام شخص ما لا يمكنه بذاته أن يبلغ طابع السلعة وبالتالي القيمة. علاوة على ذلك، فإن رأس المال لا ينشأ بأي حال دائمًا من الإحجام، بل في كثير من الحالات نتيجة مجرد استحواذ (كلما اكتسبت سلع من الرتبة الأعلى كانت سابقًا غير اقتصادية طابعًا اقتصاديًا بسبب تزايد احتياجات المجتمع، على سبيل المثال). وهكذا فإن دفع الفائدة يجب ألّا يُنظر إليه على أنه تعويض لمالك رأس المال عن إحجامه، بل على أنه مبادلة سلعة اقتصادية (استخدام رأس المال) بأخرى (المال، على سبيل المثال). غير أن Carey يقع في الخطأ المعاكس حين يَنسب إلى التقتير نزعةً معاديةً مباشرةً لتكوين رأس المال.
C. قيمة الكميات المتكاملة من سلع الرتبة الأعلى.
لتحويل سلع الرتبة الأعلى44 إلى سلع من الرتبة الأدنى، لا بد من مرور فترة معينة من الزمن. ومن ثَم، كلما أُريد إنتاج سلع اقتصادية، يكون التصرف في خدمات رأس المال ضروريًا لفترة معينة من الزمن. ويتفاوت طول هذه الفترة بحسب طبيعة عملية الإنتاج. وفي أي فرع معين من فروع الإنتاج، يكون أطول كلما كانت رتبة السلع المراد توجيهها إلى إشباع الحاجات الإنسانية أعلى. لكن مرور قدر من الزمن لا ينفصل عن أي عملية إنتاج.
خلال هذه الفترات الزمنية تكون كمية السلع الاقتصادية التي أتحدث عنها (رأس المال) مثبَّتة،45 وغير متاحة لأغراض إنتاجية أخرى. ولكي يكون تحت تصرفنا في وقت مستقبلي سلعة أو كمية من السلع من الرتبة الأدنى، لا يكفي أن نملك حيازة عابرة للسلع المقابِلة من الرتبة الأعلى عند نقطة زمنية مفردة ما، بل من الضروري بدلًا من ذلك أن نحتفظ بالتصرف في هذه السلع من الرتبة الأعلى لفترة من الزمن يتفاوت طولها بحسب طبيعة عملية الإنتاج المعينة، وأن نثبّتها في عملية الإنتاج هذه طوال مدة تلك الفترة.
رأينا في القسم السابق أن التصرف في كميات من السلع الاقتصادية لفترات زمنية معينة له قيمة للناس المدبِّرين، تمامًا كما أن للسلع الاقتصادية الأخرى قيمة لديهم. ويتبع من ذلك أن القيمة الحاضرة الإجمالية لجميع سلع الرتبة الأعلى اللازمة لإنتاج سلعة من الرتبة الأدنى لا يمكن أن تُعادَل بالقيمة المرتقبة للمنتَج لدى الناس المدبِّرين إلا إذا أُدرجت قيمة خدمات رأس المال خلال فترة الإنتاج.
لنفترض، على سبيل المثال، أننا نرغب في تحديد قيمة سلع الرتبة الأعلى التي تكفل لنا التصرف في كمية معينة من الحَب بعد عام من الآن. إن قيمة بذور الحَب، وخدمات الأرض، وخدمات العمل الزراعي المتخصص، وسائر سلع الرتبة الأعلى الأخرى اللازمة لإنتاج الكمية المعينة من الحَب، ستكون فعلًا مساوية للقيمة المرتقبة للحَب في نهاية العام (الصفحة 150)، لكن بشرط أن تُدرَج في المجموع قيمة التصرف لمدة عام في هذه السلع الاقتصادية بالنسبة للأفراد المدبِّرين المعنيين. ولذلك فإن القيمة الحاضرة لهذه السلع من الرتبة الأعلى بمفردها تساوي قيمة المنتَج المرتقب مطروحًا منها قيمة خدمات رأس المال الموظَّف.
وللتعبير عمّا قيل تعبيرًا عدديًا، لنفترض أن القيمة المرتقبة للمنتَج الذي سيكون متاحًا في نهاية العام هي 100، وأن قيمة التصرف لمدة عام في الكميات اللازمة من السلع الاقتصادية من الرتبة الأعلى (قيمة خدمات رأس المال) هي 10. من الواضح أن القيمة الإجمالية لجميع السلع المتكاملة من الرتبة الأعلى المطلوبة لإنتاج المنتَج، باستثناء خدمات رأس المال، لا تساوي 100 بل تساوي 90 فقط. ولو كانت قيمة خدمات رأس المال 15، لكانت القيمة الحاضرة لسلع الرتبة الأعلى الأخرى 85 فقط.
إن قيمة السلع لدى الأفراد الاقتصاديين المعنيين هي، كما ذكرتُ مراراً، الأساس الأهم لتكوّن الأسعار. والآن، إذا رأينا في الحياة العادية أن مشتري السلع من الرتبة الأعلى لا يدفعون قط ثمن السلعة من الرتبة الأدنى كاملاً المتوقَّع مقابل وسائل الإنتاج المكمِّلة الضرورية تقنياً لإنتاجها،¹⁵ وأنهم يستطيعون دائماً، بل ويمنحون فعلاً، مقابلها أسعاراً أدنى بعض الشيء من سعر المنتَج، وأن بيع السلع من الرتبة الأعلى يكتسب بذلك شبهاً ما بالخصم، إذ يشكّل سعر المنتَج المتوقَّع أساس الحساب،46 فإن هذه الوقائع تُفسَّر بالحجة السابقة.47
إن الشخص الذي تحت تصرّفه السلع من الرتبة الأعلى اللازمة لإنتاج السلع من الرتبة الأدنى لا يملك بمقتضى هذه الواقعة التصرّف في السلع من الرتبة الأدنى فوراً ومباشرة، بل لا يملكه إلا بعد انقضاء فترة من الزمن تطول أو تقصر بحسب طبيعة عملية الإنتاج. فإذا رغب في مبادلة سلعه من الرتبة الأعلى فوراً بالسلع المقابلة من الرتبة الأدنى، أو بما يعادلها في ظل علاقات تجارية متطوّرة، أي بمبلغ مقابل من النقود، فإنه يكون بوضوح في وضع مماثل لوضع شخص يُفترض أن يتلقّى مبلغاً معيناً من النقود في وقت مستقبلي (بعد 6 أشهر مثلاً) لكنه يريد أن يحصل على التصرّف فيه فوراً. أما إذا كان مالك السلع من الرتبة الأعلى ينوي نقلها إلى شخص ثالث وهو على استعداد لتلقّي الدفع فقط بعد انتهاء عملية الإنتاج، فمن الطبيعي ألا يحدث أي "خصم". بل إننا نستطيع أن نلاحظ أن أسعار السلع التي تُباع بالائتمان ترتفع (بصرف النظر عن علاوة المخاطرة) كلما كان موعد الدفع المتفق عليه أبعد في المستقبل. على أن كل هذا يفسّر في الوقت نفسه لماذا يُعزَّز النشاط الإنتاجي لشعبٍ ما إلى حد كبير بفضل الائتمان. ففي العدد الأكبر بكثير من الحالات، تتمثّل المعاملات الائتمانية في تسليم سلع من الرتبة الأعلى إلى أشخاص يحوّلونها إلى سلع مقابلة من الرتبة الأدنى. والإنتاج، أو على الأقل التصنيع الأوسع، كثيراً ما لا يكون ممكناً إلا عن طريق الائتمان؛ ومن هنا التوقّف والتقليص المُهلِكان للنشاط الإنتاجي لشعبٍ ما حين يتوقّف الائتمان عن التدفّق فجأة.
إن عملية تحويل السلع من الرتبة الأعلى إلى سلع من الرتبة الأدنى أو الأولى يجب أيضاً، شريطة أن تكون اقتصادية من سائر النواحي، أن تُخطَّط وتُدار دائماً بغرض اقتصادي ماثل في الذهن، على يد فردٍ اقتصادي. وعلى هذا الفرد أن ينجز الحسابات الاقتصادية التي تحدّثتُ عنها للتو، وأن يجمع فعلاً السلع من الرتبة الأعلى، بما فيها خدمات العمل التقني، معاً (أو أن يتسبّب في جمعها) بغرض الإنتاج.48 أما مسألة أي الوظائف تندرج في هذا النشاط المسمّى بالنشاط الريادي فقد طُرحت مراراً. وعلينا قبل كل شيء أن نضع في اعتبارنا أن خدمات العمل التقني الخاصة برائد الأعمال نفسه كثيراً ما تكون من بين السلع من الرتبة الأعلى التي تحت تصرّفه لأغراض الإنتاج. وحين يكون الأمر كذلك، فإنه يخصّص لها، تماماً كما يخصّص لخدمات الأشخاص الآخرين، أدوارها في عملية الإنتاج. فمالك مجلةٍ كثيراً ما يكون مساهماً بكتابته في مجلته. ورائد الأعمال الصناعي كثيراً ما يعمل في مصنعه. غير أن كلاً منهما رائد أعمال، لا بسبب مشاركته التقنية في عملية الإنتاج، بل لأنه يقوم لا بالحسابات الاقتصادية الأساسية فحسب، بل كذلك بالقرارات الفعلية لتخصيص السلع من الرتبة الأعلى لأغراض إنتاجية بعينها. ويشمل النشاط الريادي: (أ) الحصول على المعلومات بشأن الوضع الاقتصادي؛ (ب) الحساب الاقتصادي، أي جميع الحسابات المتنوّعة التي يجب إجراؤها إذا أُريد لعملية إنتاج أن تكون كفؤة (شريطة أن تكون اقتصادية من سائر النواحي)؛ (ج) فعل الإرادة الذي تُخصَّص به السلع من الرتبة الأعلى (أو السلع عموماً، في ظل ظروف تجارة متطوّرة حيث يمكن مبادلة أي سلعة اقتصادية بأي أخرى) لعملية إنتاج بعينها؛ وأخيراً (د) الإشراف على تنفيذ خطة الإنتاج بحيث تُنفَّذ على أكثر وجه اقتصادي ممكن. وفي الشركات الصغيرة، لا تشغل هذه الأنشطة الريادية عادةً سوى جزء ضئيل من وقت رائد الأعمال. أما في الشركات الكبيرة، فلا ينشغل بهذه الأنشطة انشغالاً كاملاً رائد الأعمال نفسه فحسب، بل كثيراً ما ينشغل بها أيضاً عدة مساعدين. ومهما اتّسعت أنشطة هؤلاء المساعدين، فإن الوظائف الأربع المذكورة آنفاً يمكن ملاحظتها دائماً في أفعال رائد الأعمال، حتى وإن انحصرت في نهاية المطاف (كما في الشركات المساهمة) في تحديد تخصيص أجزاء من الثروة لأغراض إنتاجية بعينها بحسب فئات عامة فحسب، وفي اختيار الأشخاص ومراقبتهم. وبعد ما قيل، سيتّضح أنني لا أستطيع الاتفاق مع Mangoldt،49 الذي يصف "تحمّل المخاطرة" بأنه الوظيفة الجوهرية للريادة في عملية الإنتاج، إذ إن هذه "المخاطرة" عرَضية فحسب، واحتمال الخسارة يقابله احتمال الربح.
في المراحل المبكّرة من الحضارة، بل وحتى في وقت لاحق في حالة المصنوعات الصغيرة، يؤدّي النشاطَ الريادي عادةً الفردُ الاقتصادي نفسه الذي تشكّل خدمات عمله التقني أيضاً أحد عوامل عملية الإنتاج. ومع تقدّم تقسيم العمل وازدياد حجم المنشآت، كثيراً ما يشغل النشاط الريادي وقته كاملاً. ولهذا السبب يُعدّ النشاط الريادي عاملاً ضرورياً في إنتاج السلع لا يقلّ ضرورة عن خدمات العمل التقني. ومن ثمّ فإنه يكتسب طابع سلعة من الرتبة الأعلى، ويكتسب قيمةً أيضاً، إذ إنه، شأنه شأن سائر السلع من الرتبة الأعلى، سلعة اقتصادية بصفة عامة. ومن هنا، فمتى أردنا تحديد القيمة الحاضرة لكميات مكمِّلة من السلع من الرتبة الأعلى، فإن القيمة المتوقَّعة للمنتَج لا تحدّد القيمة الإجمالية لها مجتمعةً إلا إذا أُدرجت قيمة النشاط الريادي ضمن المجموع.
دعوني ألخّص نتائج هذا القسم. إن القيمة الحاضرة الإجمالية لجميع الكميات المكمِّلة من السلع من الرتبة الأعلى (أي جميع المواد الخام، وخدمات العمل، وخدمات الأرض، والآلات، والأدوات، إلخ) اللازمة لإنتاج سلعة من الرتبة الأدنى أو الأولى تساوي القيمة المتوقَّعة للمنتَج. غير أنه من الضروري أن نُدرج في المجموع لا السلعَ من الرتبة الأعلى المطلوبة تقنياً لإنتاجه فحسب، بل أيضاً خدمات رأس المال ونشاط رائد الأعمال. فهذه ضرورية لا مفرّ منها في كل إنتاج اقتصادي للسلع، شأنها شأن المتطلّبات التقنية المذكورة آنفاً. ومن هنا فإن القيمة الحاضرة لعوامل الإنتاج التقنية في حدّ ذاتها لا تساوي القيمة المتوقَّعة الكاملة للمنتَج، بل تسلك دائماً سلوكاً يبقى به هامش لقيمة خدمات رأس المال والنشاط الريادي.
D. قيمة كلٍّ من السلع من الرتبة الأعلى على حدة.
رأينا أن قيمة سلعة بعينها (أو كمية معيّنة من السلع) لدى الفرد الاقتصادي الذي تحت تصرّفه تساوي الأهمية التي يعلّقها على الإشباعات التي سيُضطرّ إلى التخلّي عنها لو لم يكن متصرّفاً فيها. ومن هذا كان بوسعنا أن نستنتج، دون عناء، أن قيمة كل وحدة من السلع من الرتبة الأعلى تساوي كذلك أهمية الإشباعات التي يكفلها التصرّف في وحدة منها، لولا أننا نصطدم بحقيقة أن السلعة من الرتبة الأعلى لا يمكن استخدامها لإشباع الحاجات الإنسانية بمفردها، بل فقط بالاقتران بسلع أخرى (مكمِّلة) من الرتبة الأعلى. غير أنه قد ينشأ بسبب ذلك رأيٌ مفاده أننا، لإشباع حاجات محسوسة، لا نعتمد على التصرّف في سلعة محسوسة فردية (أو كمية محسوسة من نوعٍ واحد من السلع) من الرتبة الأعلى، بل بالأحرى على التصرّف في كميات مكمِّلة من السلع من الرتبة الأعلى، وأنه من ثمّ لا يمكن أن تبلغ القيمةَ بصورة مستقلّة لدى الفرد الاقتصادي إلا تجمّعات من السلع المكمِّلة من الرتبة الأعلى.
صحيح بطبيعة الحال أننا لا نستطيع الحصول على كميات من السلع من الرتبة الأدنى إلا بواسطة كميات مكمِّلة من السلع من الرتبة الأعلى. لكن من المؤكّد بالقدر نفسه أن السلع المختلفة من الرتبة الأعلى لا يلزم أن تُجمَع دائماً في عملية الإنتاج بنسب ثابتة (على النحو الذي يُلاحَظ، ربما، في حالة التفاعلات الكيميائية، حيث لا يتّحد إلا وزن معيّن من مادة بوزن ثابت كذلك من مادة أخرى ليُنتج مركّباً كيميائياً معيناً). بل إن أبسط تجربة تعلّمنا أن كمية معيّنة من سلعة واحدة من الرتبة الأدنى يمكن إنتاجها من سلع من الرتبة الأعلى تقوم بينها علاقات كمية شديدة التباين. والواقع أن سلعة أو عدة سلع من الرتبة الأعلى مكمِّلة لمجموعة من سلع أخرى معيّنة من الرتبة الأعلى كثيراً ما يمكن إغفالها كلياً دون أن يُتلَف ذلك قدرةَ السلع المكمِّلة المتبقية على إنتاج السلعة من الرتبة الأدنى. فخدمات الأرض، والبذور، وخدمات العمل، والسماد، وخدمات الأدوات الزراعية، إلخ، تُستخدم لإنتاج الحَب. لكن لن يستطيع أحد أن ينكر أن كمية معيّنة من الحَب يمكن إنتاجها أيضاً دون استخدام السماد ودون توظيف جزء كبير من الأدوات الزراعية المعتادة، شريطة وحيدة هي أن تكون السلع الأخرى من الرتبة الأعلى المستخدَمة لإنتاج الحَب متوفّرة بكميات أكبر بما يتناسب.
وإذا كانت التجربة تعلّمنا بذلك أن بعض السلع المكمِّلة من الرتبة الأعلى كثيراً ما يمكن إغفالها كلياً في إنتاج السلع من الرتبة الأدنى، فإننا نستطيع أن نلاحظ بتواتر أكبر بكثير، لا أن منتَجات معيّنة يمكن إنتاجها بكميات متباينة من السلع من الرتبة الأعلى فحسب، بل كذلك أن ثمة عموماً نطاقاً واسعاً جداً يمكن، بل ويجري فعلاً، تغيير نسب السلع المستخدَمة في إنتاجها داخله. فالكلّ يعلم أنه، حتى على أرض متجانسة الجودة، يمكن إنتاج كمية معيّنة من الحَب على حقول شديدة التباين في المساحة إذا فُلِحت بكثافة أكبر أو أقل، أي إذا طُبّقت عليها كميات أكبر أو أصغر من السلع المكمِّلة الأخرى من الرتبة الأعلى. وعلى وجه الخصوص، يمكن تعويض نقص السماد بتوظيف قدر أكبر من الأرض أو آلات أفضل، أو بتطبيق خدمات العمل الزراعي على نحو أكثف. وعلى نحو مماثل، يمكن تعويض كمية متناقصة من كل سلعة من الرتبة الأعلى تقريباً بتطبيق أكبر بما يتناسب من السلع المكمِّلة الأخرى.
لكن حتى حيث لا يمكن استبدال سلع معيّنة من الرتبة الأعلى بكميات من سلع مكمِّلة أخرى، وحيث يُحدِث تناقصُ الكمية المتاحة من سلعة بعينها من الرتبة الأعلى تناقصاً مقابلاً في المنتَج (في إنتاج مادة كيميائية ما، مثلاً)، فإن الكميات المقابلة من وسائل الإنتاج الأخرى لا تصبح بالضرورة عديمة القيمة عند فقدان هذه السلعة الإنتاجية الواحدة. فوسائل الإنتاج الأخرى يمكن، كقاعدة، أن تظلّ صالحة للتطبيق في إنتاج سلع استهلاكية أخرى، ومن ثمّ في نهاية التحليل في إشباع الحاجات الإنسانية، حتى وإن كانت هذه الحاجات أقل أهمية عادةً من الحاجات التي كان يمكن إشباعها لو كانت الكمية المفقودة من السلعة المكمِّلة قيد النظر متوفّرة.
ومن ثمّ، فإن ما يتوقّف، كقاعدة، على كمية معيّنة من سلعة من الرتبة الأعلى ليس التصرّفَ في كمية من المنتَج تقابلها بالضبط، بل فقط جزء من المنتَج وكثيراً ما لا يكون إلا جودته الأعلى. وتبعاً لذلك، فإن قيمة كمية معيّنة من سلعة بعينها من الرتبة الأعلى لا تساوي أهمية الإشباعات التي تتوقّف على المنتَج بأكمله الذي تسهم في إنتاجه، بل تساوي مجرّد أهمية الإشباعات التي يكفلها الجزء من المنتَج الذي كان سيظلّ غير مُنتَج لو لم نكن في وضع يتيح لنا التصرّف في الكمية المعيّنة من السلعة من الرتبة الأعلى. وحيث لا تكون نتيجة تناقص الكمية المتاحة من سلعة من الرتبة الأعلى نقصاً في كمية المنتَج بل تدهوراً في جودته، فإن قيمة كمية معيّنة من سلعة من الرتبة الأعلى تساوي الفارق في الأهمية بين الإشباعات التي يمكن تحقيقها بالمنتَج الأعلى جودة وتلك التي يمكن تحقيقها بالمنتَج الأقل جودة. وفي كلتا الحالتين، إذن، فإن ما يتوقّف على التصرّف في كمية معيّنة من سلعة بعينها من الرتبة الأعلى ليس الإشباعات التي يكفلها المنتَج بأكمله الذي تسهم في إنتاجه، بل فقط الإشباعات بالأهمية المبيَّنة هنا.
حتى عندما يؤدي نقصان الكمية المتاحة من سلعة معيّنة من رتبة أعلى إلى تناقص الناتج تناقصاً تناسبياً (مثل مركّب كيميائي ما)، فإنّ الكميات المُكمِّلة الأخرى من سلع الرتبة الأعلى لا تفقد قيمتها. فمع أنّ عامل الإنتاج المُكمِّل لها بات الآن مفقوداً، فإنّها ما تزال قابلة للتطبيق في إنتاج سلع أخرى من رتبة أدنى، وبذلك توجَّه نحو إشباع الحاجات الإنسانية، وإن تكن هذه الحاجات ربّما أقلّ أهمية بعض الشيء ممّا كانت ستكون عليه لولا ذلك. ومن ثَمّ، ففي هذه الحالة أيضاً، ليست القيمة الكاملة للناتج الذي سيضيع منّا بسبب فقدان سلعة معيّنة من رتبة أعلى هي العامل المحدِّد لقيمتها. بل إنّ قيمتها تساوي فقط الفرق في الأهمية بين الإشباعات المضمونة إن كان لنا التصرّف في سلعة الرتبة الأعلى التي نرغب في تحديد قيمتها، والإشباعات التي كانت ستتحقّق لو لم يكن لنا التصرّف فيها.
إذا لخّصنا هذه الحالات الثلاث، حصلنا على قانون عامّ لتحديد قيمة كمية محدَّدة من سلعة من رتبة أعلى. وبافتراض أنّ جميع سلع الرتبة الأعلى المتاحة تُستخدَم في كل حالة على النحو الأكثر اقتصاداً، فإنّ قيمة كمية محدَّدة من سلعة من رتبة أعلى تساوي الفرق في الأهمية بين الإشباعات التي يمكن بلوغها حين يكون لنا التصرّف في الكمية المعطاة من سلعة الرتبة الأعلى التي نرغب في تحديد قيمتها، والإشباعات التي كانت ستُبلَغ لو لم يكن لنا التصرّف في هذه الكمية.
يتطابق هذا القانون تماماً مع القانون العامّ لتحديد القيمة (ص 121)، إذ إنّ الفرق المُشار إليه في قانون الفقرة السابقة يمثّل أهمية الإشباعات التي تتوقّف على تصرّفنا في سلعة معطاة من رتبة أعلى.
إذا فحصنا هذا القانون في ضوء ما قيل سابقاً (ص 157) عن قيمة الكميات المُكمِّلة من سلع الرتبة الأعلى اللازمة لإنتاج سلعة استهلاكية، حصلنا على مبدأ تابع: تكون قيمة سلعة من رتبة أعلى أكبر (1) كلّما كانت القيمة المرتقَبة للناتج أكبر، إذا بقيت قيمة السلع المُكمِّلة الأخرى اللازمة لإنتاجه ثابتة، و(2) كلّما كانت قيمة السلع المُكمِّلة أدنى، مع تساوي الأمور الأخرى.
هـ. قيمة خدمات الأرض ورأس المال والعمل، على وجه الخصوص.50
لا تشغل الأرض موضعاً استثنائياً بين السلع. فإذا استُخدمت لأغراض استهلاكية (حدائق الزينة، مناطق الصيد، وما إلى ذلك)، كانت سلعة من الرتبة الأولى. وإذا استُخدمت في إنتاج سلع أخرى، كانت، شأنها شأن كثير غيرها، سلعة من رتبة أعلى. ولذلك، فمتى كان ثمّة سؤال عن تحديد قيمة الأرض أو قيمة خدمات الأرض، خضعت هذه للقوانين العامّة لتحديد القيمة. وإذا كانت قطع أرض معيّنة لها طابع سلع الرتبة الأعلى، فإنّ قيمتها تخضع كذلك لقوانين تحديد قيمة سلع الرتبة الأعلى التي شرحتُها في القسم السابق.
أدركت مدرسة واسعة الانتشار من الاقتصاديين، إدراكاً صحيحاً، أنّ قيمة الأرض لا يمكن ردّها ردّاً مشروعاً إلى العمل أو إلى خدمات رأس المال. غير أنّهم استنتجوا من ذلك مشروعية إعطاء الأرض موضعاً استثنائياً بين السلع. بيد أنّ الزلّة المنهجية الكامنة في هذا الإجراء يسهل إدراكها. فكون مجموعة كبيرة ومهمّة من الظواهر لا يمكن إدراجها ضمن القوانين العامّة لعلمٍ يتناول هذه الظواهر هو دليل بليغ على الحاجة إلى إصلاح هذا العلم. لكنّه لا يشكّل حجّة تبرّر الإجراء المنهجي الأكثر إثارة للشكّ، وهو فصل مجموعة من الظواهر عن سائر موضوعات الملاحظة المماثلة لها تماماً في طبيعتها العامّة، ووضع مبادئ عليا خاصّة لكلٍّ من المجموعتين.
ومن ثَمّ، قاد إدراكُ هذا الخطأ، في الأزمنة الأحدث عهداً، إلى محاولات عديدة لإدراج الأرض وخدمات الأرض ضمن إطار منظومة من النظرية الاقتصادية تشمل جميع السلع الأخرى، ولردّ قيمها والأسعار التي تجلبها إلى العمل الإنساني أو إلى خدمات رأس المال، وفقاً للمبادئ المقبولة.51
لكنّ ما يُلحَق من إكراه بالسلع عموماً، وبالأرض على وجه الخصوص، جرّاء مثل هذه المحاولة، أمر بيّن. فقد تكون قطعة أرض انتُزعت من البحر ببذل أعظم قدر من العمل الإنساني؛ أو قد تكون رسوبيّات نهر ما، فاكتُسبت من دون أيّ عمل البتّة. وقد تكون في الأصل مكسوّة بالأدغال، مغطّاة بالأحجار، ثم استُصلحت لاحقاً بجهد كبير وتضحية اقتصادية؛ أو قد تكون خالية من الأشجار وخصبة منذ البداية. إنّ مثل هذه البنود من ماضيها أمور تهمّ في الحكم على خصوبتها الطبيعية، وكذلك بالتأكيد في مسألة ما إذا كان تطبيق سلع اقتصادية على قطعة الأرض هذه (التحسينات) ملائماً واقتصادياً. لكنّ تاريخها لا صلة له بالموضوع حين تكون علاقاتها الاقتصادية العامّة، ولا سيما قيمتها، موضع البحث. فهذه إنّما تتعلّق بالأهمية التي تكتسبها السلع لنا لمجرّد أنّها تضمن لنا إشباعات مستقبلية.52 ويتبيّن من هذه الاعتبارات أيضاً أنّني كلّما أشرتُ إلى خدمات الأرض، عنيتُ بها الخدمات، مقيسةً عبر الزمن، لقطع الأرض كما نجدها فعلاً في اقتصاد البشر، لا استخدام «القوى الأصلية» للأرض. فالأولى وحدها هي موضوعات للتدبير الاقتصادي البشري، في حين أنّ الثانية، في الحالات المحدَّدة، ليست في أحسن الأحوال إلّا موضوعات لبحث تاريخي ميؤوس منه، وهي على أيّ حال غير ذات صلة بالناس المدبِّرين اقتصادياً. فحين يستأجر مزارع قطعة أرض لسنة أو لعدّة سنوات، لا يأبه كثيراً ما إذا كانت تربتها تستمدّ خصوبتها من استثمارات رأسمالية من كلّ نوع، أم كانت خصبة منذ البداية. فهذه الظروف لا تؤثّر في السعر الذي يدفعه مقابل استخدام التربة. ومشتري قطعة أرض يحاول أن يحسب «مستقبل» الأرض التي يشتريها، لا «ماضيها» أبداً.
وعليه، فإنّ المحاولات الأحدث لتفسير قيمة الأرض أو خدمات الأرض بردّها إلى خدمات العمل أو إلى خدمات رأس المال، يجب أن تُعدّ مجرّد نتيجة للسعي إلى جعل النظرية المقبولة للريع العقاري (وهي جزء من علمنا يقف، نسبياً، في أقلّ تعارض مع ظواهر الحياة الواقعية) متسقةً مع التصوّرات الخاطئة السائدة عن المبادئ العليا لعلمنا. ويجب علاوةً على ذلك الاعتراض على النظرية المقبولة للريع، ولا سيما في الصورة التي عبّر بها عنها Ricardo،53 بأنّها لم تُبرز إلّا عاملاً منعزلاً متعلّقاً بالفروق في قيمة الأرض، لا مبدأً يفسّر قيمة خدمات الأرض للناس المدبِّرين اقتصادياً،54 وأنّ هذا العامل المنعزل قُدِّم خطأً بوصفه المبدأ.
لا ريب أنّ الفروق في خصوبة قطع الأرض وموقعها من بين أهمّ أسباب الفروق في قيمة خدمات الأرض وفي قيمة الأرض نفسها. لكن وراء هذه توجد كذلك أسباب أخرى للفروق في قيمة هذه السلع. بل إنّ الفروق في الخصوبة والموقع ليست مسؤولة عن هذه الأسباب الأخرى، فضلاً عن أن تكون مبدأً عامّاً يفسّر قيمة الأرض وخدمات الأرض. فلو كانت جميع قطع الأرض ذات الخصوبة نفسها والمواقع المؤاتية ذاتها، لما أدرّت أيّ ريع البتّة، بحسب Ricardo. لكن مع أنّ عاملاً مفرداً يفسّر الفروق بين الريوع التي تدرّها قد يكون عندئذٍ غائباً بالفعل، فمن المؤكّد تماماً أنّه لن تختفي بالضرورة لا كلّ الفروق بين الريوع ولا الريع نفسه. بل من البيّن أنّ حتى أكثر قطع الأرض سوءاً في الموقع وأقلّها خصوبةً، في بلد تندر فيه الأرض، ستدرّ ريعاً، ريعاً لا يمكن أن يجد له تفسيراً في نظرية Ricardo.
إنّ الأرض وخدمات الأرض، في الصور المحدَّدة التي نلاحظها بها، موضوعات لتقديرنا للقيمة شأنها شأن سائر السلع. فهي، شأنها شأن السلع الأخرى، لا تبلغ القيمة إلّا بقدر ما نعتمد على التصرّف فيها لإشباع حاجاتنا. والعوامل المحدِّدة لقيمتها هي العوامل ذاتها التي صادفناها سابقاً في بحثنا لقيمة السلع عموماً (ص 121 و141).55 ولذلك، فإنّ فهماً أعمق للفروق في قيمتها لا يمكن بلوغه أيضاً إلّا بمقاربة الأرض وخدمات الأرض من وجهات النظر العامّة لعلمنا، وبردّها، بقدر ما تكون سلعاً من رتبة أعلى، إلى السلع المقابلة لها من رتبة أدنى، ولا سيما إلى سلعها المُكمِّلة.
توصّلنا في القسم السابق إلى النتيجة القائلة بأنّ القيمة الإجمالية لسلع الرتبة الأعلى اللازمة لإنتاج سلعة استهلاكية (بما في ذلك خدمات رأس المال والنشاط الريادي) تساوي القيمة المرتقَبة للناتج. وحيث تُطبَّق خدمات الأرض في إنتاج سلع من رتبة أدنى، فإنّ قيمة هذه الخدمات، مضافةً إلى قيمة السلع المُكمِّلة الأخرى، ستساوي القيمة المرتقَبة للسلعة من الرتبة الأدنى أو الأولى التي طُبِّقت في إنتاجها. وكلّما ارتفعت هذه القيمة المرتقَبة أو انخفضت، مع بقاء الأمور الأخرى ثابتة، ارتفعت القيمة الإجمالية للسلع المُكمِّلة أو انخفضت. أمّا القيمة المنفردة لقطع الأرض الفعلية أو خدمات الأرض، فتُنظَّم، شأنها شأن قيمة سائر سلع الرتبة الأعلى، وفقاً للمبدأ القائل بأنّ قيمة سلعة من رتبة أعلى تكون، مع تساوي الأمور الأخرى، أكبر (1) كلّما كانت قيمة الناتج المرتقَب أكبر، و(2) كلّما كانت قيمة السلع المُكمِّلة من رتبة أعلى أصغر.56
ومن ثَمّ، فإنّ قيمة خدمات الأرض لا تخضع لقوانين مغايرة لتلك التي تخضع لها قيمة خدمات الآلات أو الأدوات أو البيوت أو المصانع أو أيّ نوع آخر من السلع الاقتصادية.
لا يُنكَر البتّة وجود الخصائص الخاصّة التي تُبديها الأرض وخدمات الأرض، فضلاً عن كثير من أنواع السلع الأخرى. ففي أيّ بلد، لا تتوافر الأرض عادةً إلّا بكميات لا يسهل زيادتها؛ وهي ثابتة من حيث الموقع؛ ولها تنوّع غير عاديّ في الدرجات. وجميع خصوصيات ظواهر القيمة التي يمكننا ملاحظتها في حالة الأرض وخدمات الأرض يمكن ردّها إلى هذه العوامل الثلاثة. ولمّا كانت هذه العوامل لا تمسّ إلّا كميات الأرض ونوعياتها المتاحة للناس المدبِّرين اقتصادياً عموماً ولسكّان أقاليم معيّنة على وجه الخصوص، فإنّ الخصوصيات المعنيّة عوامل في تحديد القيمة لا تؤثّر في قيمة الأرض وخدمات الأرض وحدها، بل، كما رأينا، في قيمة جميع السلع. وبذلك لا يكون لقيمة الأرض طابع استثنائي.
إنّ كون أسعار خدمات العمل، شأنها شأن أسعار خدمات الأرض، لا يمكن ردّها إلى أسعار تكاليف إنتاجها من دون أعظم قدر من الإكراه، قد أدّى إلى وضع مبادئ خاصّة لهذه الفئة من الأسعار أيضاً. فيُقال إنّ أكثر أنواع العمل شيوعاً يجب أن يُعيل العامل وأسرته، إذ لولا ذلك لما أمكن الإسهام بخدماته العملية في المجتمع على نحو دائم؛ وإنّ عمله لا يمكن أن يوفّر له ما يزيد كثيراً على الحدّ الأدنى للكفاف، إذ لولا ذلك لحدثت زيادة في عدد العمّال تخفض سعر خدمات العمل إلى مستواه المنخفض السابق. ومن ثَمّ، فإنّ الحدّ الأدنى للكفاف هو، في هذه النظرية، المبدأ الذي يحكم سعر أكثر أنواع العمل شيوعاً، في حين تُفسَّر الأسعار الأعلى لخدمات العمل الأخرى بردّها إلى الاستثمار الرأسمالي أو إلى ريوع المواهب الخاصّة.
لكنّ التجربة تعلّمنا أنّ ثمّة خدمات عملية عديمة النفع كلّياً للناس المدبِّرين اقتصادياً، بل وضارّة بهم. ومن ثَمّ فهي ليست سلعاً. وثمّة خدمات عملية أخرى تتّصف بطابع السلعة لكن لا بالطابع الاقتصادي، ومن ثَمّ لا قيمة لها. (ويندرج في هذه الفئة الثانية جميع خدمات العمل المتاحة للمجتمع، لسبب من الأسباب، بكميات كبيرة لدرجة تكتسب معها طابعاً غير اقتصادي — كخدمات العمل المرتبطة بمنصب من المناصب غير المأجورة، مثلاً.) ومن ثَمّ أيضاً (كما سنرى لاحقاً) لا يمكن أن تكون لخدمات العمل من هذه الفئات أسعار. فخدمات العمل ليست إذن سلعاً أو سلعاً اقتصادية دائماً لمجرّد كونها خدمات عملية؛ وليست لها قيمة بالضرورة. وعليه فليس صحيحاً دائماً أنّ كلّ خدمة عملية تجلب سعراً، وأقلّ من ذلك صحّةً أنّها تجلب دائماً سعراً معيّناً.
كما تُعلِّمنا التجربة أنّ كثيراً من خدمات العمل لا يستطيع العامل أن يبادلها حتى بأشدّ وسائل العيش ضرورة،57 في حين يمكن بسهولة الحصول مقابل خدمات عمل أخرى على كمية من السلع تفوق ما يلزم لإعالة شخص واحد بعشرة أضعاف أو عشرين أو حتى مئة ضعف. وحيثما تُبادَل خدمات عمل المرء فعلاً بمجرّد وسائل عيشه، لا يمكن أن يكون ذلك إلا نتيجةً لظرف عرضيّ ما جعل خدمات عمله تُبادَل، وفقاً للمبادئ العامة لتكوُّن الأسعار، بذلك السعر بعينه دون سواه. ومن ثَمّ فلا وسائل عيش العامل ولا حدّ الكفاف الأدنى له يمكن أن يكون السبب المباشر أو المبدأ المحدِّد لسعر خدمات العمل.58
في الواقع، كما سنرى، تُحكَم أسعار خدمات العمل الفعلية، شأنها شأن أسعار سائر السلع، بقيمها. غير أنّ قيمها تُحكَم، كما تبيّن، بمقدار أهمية الإشباعات التي كانت ستظلّ دون تلبية لو لم نكن قادرين على التصرّف في خدمات العمل. وحيثما تكون خدمات العمل سلعاً من رتبة أعلى، تُحكَم قيمها (مباشرةً وعلى نحوٍ قريب) وفقاً للمبدأ القائل بأنّ قيمة سلعة من رتبة أعلى بالنسبة إلى البشر المدبِّرين لأمورهم تكون أكبر (1) كلما كانت القيمة المرتقبة للناتج أكبر، شريطة أن تكون قيمة السلع التكميلية من الرتبة الأعلى ثابتة، و(2) كلما كانت قيمة السلع التكميلية أدنى، مع تساوي سائر الأمور.59
ثمة خاصية مميِّزة لخدمات العمل تؤثّر في قيمتها، وتكمن في أنّ بعض أنواع خدمات العمل تنطوي على ارتباطات مزعجة بالنسبة إلى العامل، بحيث لا تُبذَل هذه الخدمات إلا لقاء مزايا اقتصادية تعويضية. ومن ثَمّ لا يمكن لخدمات العمل من هذا القبيل أن تبلغ بسهولة طابعاً غير اقتصاديّ بالنسبة إلى المجتمع. على أنّ قيمة الخمول لدى معظم العمال أدنى بكثير مما يُعتقَد عموماً. فمهن الأغلبية الساحقة من الناس تجلب متعةً، وهي بذلك في ذاتها إشباعات حقيقية لحاجات، وكان الناس سيمارسونها، وإن ربما بقدرٍ أقلّ أو على نحوٍ معدَّل، حتى لو لم يكونوا مضطرين بفعل نقص الوسائل إلى بذل قواهم. فممارسة المرء لقواه حاجةٌ لكلّ إنسان سويّ. وإنّ كون قلّة فقط من الأشخاص يعملون مع ذلك دون توقُّع تعويض اقتصاديّ لا يعود كثيراً إلى كون العمل بحدّ ذاته مزعجاً، بل بالأحرى إلى أنّ فرص الانخراط في عملٍ مأجور وافرة وفرةً تامة.
لا بدّ من عدّ النشاط الريادي فئةً من فئات خدمات العمل. فهو عادةً سلعة اقتصادية، وبصفته تلك له قيمة لدى البشر المدبِّرين لأمورهم. ولخدمات العمل في هذه الفئة خاصيتان: (أ) أنها بطبيعتها ليست بضائع (غير معدّة للمبادلة) ولهذا السبب لا أسعار لها؛ (ب) أنها تستلزم التصرّف في خدمات رأس المال شرطاً ضرورياً مسبقاً، إذ لا يمكن أداؤها من غير ذلك. وهذا العامل الثاني يحدّ من مقدار النشاط الريادي المتاح عموماً لشعبٍ ما. وهو يحدّ على وجه الخصوص بكميات صغيرة نسبياً جداً ذلك النشاط الريادي الذي لا يمكن أداؤه إلا إذا كان الأفراد المدبِّرون لأمورهم المعنيون يملكون تحت تصرّفهم خدمات كميات كبيرة من رأس المال. والائتمان يزيد هذه الكميات، في حين تنقصها حالات اللايقين القانوني.
إنّ قصور النظرية التي فسّرت أسعار السلع بأسعار السلع من الرتبة الأعلى التي استُخدمت في إنتاجها قد ظهر بطبيعة الحال أيضاً حيثما طُرحت مسألة سعر خدمات رأس المال. وقد شرحت الأسباب النهائية للطابع الاقتصادي ولقيمة السلع من هذا النوع آنفاً في هذا الفصل، وأشرت إلى الخطأ في النظرية التي تمثّل سعر خدمات رأس المال تعويضاً عن امتناع أصحاب رؤوس الأموال. والحقّ أنّ السعر الذي يمكن الحصول عليه لقاء خدمات رأس المال هو، كما رأينا، نتيجة لطابعها الاقتصادي ولقيمتها لا يقلّ عمّا هو عليه الحال في أسعار سائر السلع. والمبدأ المحدِّد لقيمة خدمات رأس المال هو المبدأ ذاته الذي يحدِّد قيمة السلع عموماً.60،61
إنّ كون أسعار خدمات الأرض ورأس المال والعمل، أو بعبارة أخرى الريع والفائدة والأجور، لا يمكن ردّها دون أشدّ تعسّف (كما سنرى لاحقاً) إلى كميات من العمل أو إلى تكاليف إنتاج، قد جعل من الضروري على أنصار هذه النظريات أن يطوّروا لهذه الأنواع الثلاثة من السلع مبادئ لتكوُّن الأسعار تختلف اختلافاً تاماً عن المبادئ السارية على سائر السلع. وقد بيّنت في الأقسام السابقة، فيما يخصّ السلع بأنواعها كافة، أنّ جميع ظواهر القيمة واحدة في طبيعتها وأصلها، وأنّ مقدار القيمة يُحكَم دائماً وفقاً للمبادئ ذاتها. وعلاوة على ذلك، كما سنرى في الفصلين التاليين، فإنّ سعر السلعة نتيجة لقيمتها لدى البشر المدبِّرين لأمورهم، ومقدار سعرها يتحدّد دائماً بمقدار قيمتها. ومن ثَمّ يتّضح أيضاً أنّ الريع والفائدة والأجور تُنظَّم جميعاً وفقاً للمبادئ العامة ذاتها. على أنني في هذا القسم لم أتناول سوى قيمة خدمات الأرض ورأس المال والعمل. وعلى أساس النتائج المتحصَّلة هنا سأبيّن المبادئ التي تُحكَم وفقاً لها أسعار هذه السلع بعد أن أكون قد شرحت النظرية العامة للسعر.
من أغرب المسائل التي جُعلت يوماً موضوعاً لنقاش علميّ مسألةُ ما إذا كان الريع والفائدة مبرَّرَين من وجهة نظر أخلاقية أم أنهما "لا أخلاقيان". إنّ من مهام علمنا، من بين أمور أخرى، أن يستكشف لماذا وتحت أيّ شروط تُظهر خدمات الأرض ورأس المال طابعاً اقتصادياً، وتبلغ قيمةً، ويمكن مبادلتها بكميات من سلع اقتصادية أخرى (أسعار). لكن يبدو لي أنّ مسألة الطابع القانوني أو الأخلاقي لهذه الوقائع تقع خارج نطاق علمنا. فحيثما حملت خدمات الأرض ورأس المال سعراً، كان ذلك دائماً نتيجةً لقيمتها، وقيمتها لدى البشر ليست ثمرة أحكام تعسّفية (ص 119)، بل نتيجة ضرورية لطابعها الاقتصادي. ومن ثَمّ فإنّ أسعار هذه السلع (خدمات الأرض ورأس المال) هي النواتج الضرورية للوضع الاقتصادي الذي تنشأ في ظلّه، وستُحصَّل على نحوٍ أوثق كلما كان النظام القانوني لشعبٍ ما أكثر تطوّراً وأخلاقه العامة أكثر استقامة.
قد يبدو الأمر مؤسفاً حقاً في نظر محبٍّ للبشرية أنّ حيازة رأس مال أو قطعة أرض كثيراً ما تدرّ على صاحبها، خلال مدة زمنية معطاة، دخلاً أعلى من الدخل الذي يتقاضاه العامل لقاء أشقّ نشاطٍ خلال المدة ذاتها. غير أنّ سبب ذلك ليس لا أخلاقياً، بل هو ببساطة أنّ إشباع حاجات بشرية أكثر أهمية يتوقّف على خدمات ذلك المقدار المعطى من رأس المال أو تلك القطعة من الأرض أكثر مما يتوقّف على خدمات العامل. ومن ثَمّ فإنّ تحريض أولئك الذين يودّون أن يروا المجتمع يخصّص للعمال حصةً أكبر من سلع الاستهلاك المتاحة مما هو عليه الحال الآن لا يشكّل في الحقيقة سوى مطلبٍ بدفع أجرٍ للعمل يفوق قيمته. ذلك أنّ مطلب رفع الأجور، ما لم يقترن ببرنامج لتدريب العمال تدريباً أكثر إحكاماً، أو ما لم يقتصر على الدعوة إلى منافسة أكثر حرية، يقتضي أن يُدفَع للعمال لا وفقاً لقيمة خدماتهم للمجتمع، بل بهدف تأمين مستوى معيشة أكثر رفاهية لهم، وتحقيق توزيع أكثر مساواةً لسلع الاستهلاك ولأعباء الحياة. على أنّ حلّ المشكلة على هذا الأساس سيقتضي بلا شكّ تحوّلاً تاماً في نظامنا الاجتماعي.62